قوله (( ولكن جهاد ونية ) )علقه هنا بصيغة جزم وقد أسنده في الحج، والجهاد، والجزية كما ستعلمه، وأخرجه أيضًا في الجهاد.
وحديث سعد بن أبي وقاص قطعة من حديثه الطويل المشهور، أخرجه (خ) ههنا كما ترى، وفي الجنائز. وفي المغازي وفي الهجرة وفي الدعوات وفي الطب، وأخرجه (م) في الفرائض.
وأورده (خ) في الفرائض أيضًا مطولًا.
وحديث (( الأعمال بالنيات ) )تقدم الكلام على رجاله مفرقًا، وحديث سعد كذلك أيضًا.
وأما حديث أبي مسعود فسلف من رجاله شعبة فقط، وأما باقي رجاله فأبو مسعود هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بفتح الهمزة وكسر السين، وقيل بضمها، وقيل يسيرة بضم أوله بن عسيرة بفتح العين وكسر السين بن عطية بن جدارة بكسر الجيم.
وقال ابن عبد البر بضم الخاء المعجمة بن عوف بن الخزرج الأنصاري البدري. شهد العقبة مع السبعين وكان أصغرهم، وشهد أحدًا. ثم الجمهور على أنه لم يشهد بدرًا وإنما سكنها، وقال المحمدون الزهري وابن إسحاق صاحب المغازي و (خ) في (( صحيحه ) )شهدها، وكذا الحكم بن عتيبة.
وقال ابن سعد قال محمد بن عمر وسعد بن إبراهيم وغيرهما لم يشهد بدرًا، وقال الحكم وغيره من أهل الكوفة شهدها.
روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث وحديثان، اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حديث ولمسلم سبعة. وروى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي وابنه بشير وغيرهما. سكن الكوفة ومات بها، وقيل بالمدينة قبل الأربعين، قيل سنة إحدى وثلاثين، وقيل بعد ص 256 الستين، وقيل سنة إحدى أو اثنتين وأربعين.
في الصحابة أبو مسعود هذا، وأبو مسعود الغفاري، قيل اسمه عبد الله وثالث الظاهر أنه الأول.
والراوي عنه هو أبو موسى عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة واسمه عبد الله؛ لأنه ضرب رجلًا على خطمه؛ أي على مقدم أنفه فسمي بذلك بن جشم بن مالك بن الأوس أخي الخزرج بن حارثة بن ثعلبة العنقاء لطول عنقه وذكر تمام نسبه سكن الكوفة وكان أميرًا عليها شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة، وشهد صفين والجمل والنهروان مع علي رضي الله عنه، وكان الشعبي كاتبه، كان من أفاضل الصحابة، وقيل إن لأبيه يزيد صحبة.
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وعشرون حديثًا، أخرج (خ) منها حديثين أحدهما في الاستسقاء موقوف، وفي المظالم حديث النهي عن النهبى والمثلة، و (م) أحدهما مات زمن ابن الزبير.
في الصحابة عبد الله بن يزيد جماعة هذا أحدهم، ثانيهم عبد الله بن يزيد القارئ، ثالثهم عبد الله بن يزيد النخعي، رابعهم عبد الله بن يزيد البجلي.
خامسهم غلط فيه ابن المبارك في حديث ابن مربع (( كونوا على مشاعركم ) ).
في إسناد هذا الحديث من الطرف رواية صحابي عن صحابي.
وأما عدي بن ثابت فهو أنصاري كوفي سمع جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي والبراء بن عازب وغيرهما من الصحابة، وعنه شعبة والأعمش وغيرهما. قال أحمد ثقة.
والحجاج هو أبو محمد حجاج بن منهال السلمي مولاهم البصري الأنماطي السمسار سمع شعبة وغيره من الكبار، وعنه الأعلام (خ) وغيره واتفقوا على الثناء عليه، ولد سنة أربعين ومائة، ومات سنة ست عشرة، وقيل سبع عشرة ومائتين.
قال المزي في (( تهذيبه ) )روى له الستة ولم يعد فيمن روى عنه منهم غير (خ) ، وقال النووي في (( شرحه ) )روى عنه (خ، م، د) .
ليس في الكتب الستة حجاج بن منهال سواه.
فسر الشاكلة في الآية بالنية. وفسرها الزجاج بالطريقة والمذهب، ومعنى (( يحتسبها ) )يبتغي بها وجه الله.
قوله (( فم ) )هو بالميم وروي بحذفها وإثبات الياء وهو أصوب، والأول لغة قليلة.
في الحديث أحكام كثيرة، وحديث (( إنما الأعمال بالنيات ) )سلف الكلام عليه. منها الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية.
ومنها الرد على المرجئة إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالجنان. وهو مراد (خ) بهذا الباب، وهو مردود بالنصوص والإجماع ص 257 في أن المنافقين من أهل الدرك الأسفل من النار.
ومنها النفقة على العيال وإن كانت من أفضل الطاعات فإنما تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله تعالى، وكذا نفقته على نفسه وضيعته ودابته وغير ذلك إذا نوى بها ذلك، وإلى ذلك الإشارة بقوله عليه السلام (( حتى ما تجعل في فم امرأتك ) )ولو حصل فيه حظ نفس في ضمنه من لذة وغيرها فإن الوضع يكون غالبًا بحظ النفس من سريرة ونحوها، ونبه بذلك على الأعلى من كسوة وغيرها.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( الحسبة ) )الجوهري يقال احتسبت بكذا أجرًا عند الله والاسم الحسبة بالكسر وهو الأجر.
قوله (( فدخل ) )هو مقول (خ) لا من تتمة ما جاء، وفي بعض النسخ قال أبو عبد الله فدخل.
قوله (( الأحكام ) )أي بتمامها فيدخل فيه تمام المعاملات والمناكحات والجراحات إذ يشترط في كلها القصد إليه، ولهذا لو سبق لسانه من غير قصده إلى بعت ورهنت ونكحت وطلقت لم يصح شيء منها.
فإن قلت ما تقول في قتل الخطأ الموجب للدية على العاقلة أولًا وعلى القاتل آخرًا وفي الإتلافات الواقعة بغير القصد الموجبة للضمان. قلت ذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب كالضمان في مال الطفل بإتلافه وكموجبية الدلوك ونحوه.
قوله (( وقال الله ) )الظاهر أنه جملة حالية لا عطف. و (( على نيته ) )تفسير لقوله (( على شاكلته ) )وحذف حرف التفسير منه، ويريد به أن الآية أيضًا تدل على أن جميع الأعمال على حسب النية فهي مقوية لما قال فدخل فيه كذا وكذا.
قوله (( ونفقة الرجل ) )مبتدأ. و (( يحتسبها ) )حال. و (( صدقة ) )خبر المبتدأ والجملة في محل النصب على الحالية، والمقصود منه تقوية ما ذكره.
قوله (( وقال النبي صلى الله عليه وسلم ) )أي قال في يوم فتح مكة (( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) )ذكره (خ) في باب لا هجرة بعد الفتح وهذا أيضًا لتقوية ما ذكر.
قوله (( الأعمال بالنيات ) )هذا وإن كان بغير كلمة إنما فهو مفيد للحصر؛ لأن معناه كل عمل بنية فلا عمل إلا بالنية وإلا لما صدق الكل، وكذا (( لكل امرئ ما نوى ) )أيضًا مفيد للحصر؛ لأن التقديم من طرق الحصر فالجملتان مفيدتان له كما في الحديث السابق المذكور فيه إنما في الجملتين.
فإن قلت الحصر ممنوع كمن صام رمضان بنية القضاء أو النذر ليس له ما نوى إذ لا يقع لا قضاء ولا نذرًا. قلت ذلك لعدم قابلية المحل لهما إذ لا شك أن المقصود ما نوى إذا كان المحل قابلًا له.
فإن قلت الضرورة ينوي للمستأجر ولا يقع ما نوى. قلت يقع ما نوى وهو الحج لكن لا للمستأجر بل للناوي.
فإن قلت فلم وقع للناوي وقد نوى لغيره، وكأن القياس أن لا يقع له أيضًا كما في قضاء رمضان. قلت الفرق بينهما أن التعيين ليس بشرط في انعقاد الحج، ولهذا لو أحرم مطلقًا في وقت الحج فله أن يصرفه إلى ما شاء أو أحرم بالنفل قبل الفرض انصرف إلى الفرض، أو أن الإحرام شديد التشبث واللزوم فإذا لم يقبل الشخص ما أحرم به ينصرف إلى ما يقبله.
الرافعي لو أحرم بالحج في غير أشهره الأصح أنه ينعقد عمرة؛ لأن الإحرام شديد التعلق وإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله.
وقال الأظهر أنه لو تحرم بالصلاة قبل وقتها لا تنعقد نافلة بخلاف الإحرام بالحج ص 258 قبل وقته لقوة الإحرام، ولهذا ينعقد مع السبب المفسد له كأن أحرم مجامعًا، وأقول وذلك لأنه عبادة فيه مشقة عظيمة فأرادوا حفظه من تطرق سرعة الإحباط فيه.
فإن قلت إزالة النجاسة تصح بغير النية. قلت لأنها ترك ثم لا نسلم أنها تصح بدونها إذ الشيء سواء كان فعلًا أو غير فعل محتاج إلى النية لكون الشخص ممتثلًا لأمر الشارع، فتارك الزنا إنما يثاب إذا تركه لكونه حكم الشارع قاصدًا امتثاله.
وقيل لأن أمر النجاسة أسهل لأنه عفى عن اليسير منها، وأيضًا لم يجب إلا غسل موضع النجاسة بخلاف الحدث.
فإن قلت بعض الأفعال كاعتداد المرأة المتوفى زوجها وهي غير عالمة بوفاته فإنها تنقضي مع عدم قصدها له. قلت هذا ليس فعلًا بل ولا تركًا أيضًا إذ هو عبارة عن انقضاء مدة يعلم منها براءة الرحم.
فإن قلت الواقف بعرفة يصح وقوفه نائمًا بل مغمى عليه عند بعض العلماء ولا نية. قلت النية عند الإحرام باقية بحكم الاستصحاب والانسحاب ثم الجواب العام عن صور النقض كلها أن هذه الصور مختلف فيها فمن منعها فلا نقض عليه، ومن أثبتها فخصص العام بهذه الصور بالدلائل الدالة على التخصيص وعليه بيان المخصصات.
قوله (( لكل امرئ ) )هذا اللفظ من الغرائب بسبب أن عينه تابع للأمة في الحركات الثلاث، ولا تكرار فيه إذ مفاده غير مفاد الأعمال بالنيات كما مر أول الكتاب حيث مر أن الشرط والجزاء ليسا متحدين وغير ذلك من المباحث.
قوله (( إلى دنيا ) )في بعضها لدنيا.
فإن قلت لما كان الحديث بتمامه صحيحًا ثابتًا عند (خ) لم خرمه صدر الكتاب مع أن الخرم جوازه فيه. قلت لا جرم بالخرم؛ لأن المقامات مختلفة فلعل في مقام بيان أن الإيمان لا بد له من النية واعتقاد القلب سمع الحديث تمامًا، وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما تصح بالنية سمع ذلك القدر الذي روى، ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ (خ) لا منه ثم إن كان منه فخرمه ثمة؛ لأن المقصود يتم بذلك المقدار.
فإن قلت كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ولرسوله. قلت لعله نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس.
ابن بطال غرض (خ) الرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب.
قوله (( إذا أنفق ) )فإن قلت لم حذف مفعوله. قلت ليفيد التعميم يعني إذا أنفق أي نفقة كانت صغيرة أو كبيرة. و (( يحتسبها ) )حال من الفاعل ويحتمل أن يكون من المفعول المحذوف.
قوله (( فهو ) )أي فالإنفاق له صدقة أي تصدق. فإن قلت فهل هو صدقة حقيقة حتى يترتب على أحكام الصدقات مثل أن يحرم على الرجال الإنفاق على الزوجات الهاشميات أم لا. قلت مجاز.
فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت الإجماع على عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشمية وغيرها.
فإن قلت ما العلاقة بين المعنى الموضوع له وبين المعنى المجازي. قلت ترتب الثواب عليهما وتشابههما فيه.
فإن قلت متشابهان ص 259 وهذا الإنفاق واجب والصدقة في العرف لا تطلق إلا على غير الواجب اللهم إلا أن يقيد بالفرض ونحوه. قلت التشبيه في أصل الثواب لا في كميته وكيفيته.
فإن قلت قال أهل البيان شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى وهنا بالعكس؛ لأن الواجب أقوى في تحصيل الثواب من النفل. قلت هذا هو التشابه لا التشبيه ثم التشبيه لا يشترط فيه ذلك كما قد بين في موضعه.
فإن قلت الأهل خاص بالولد والزوجة أو هو أعم من ذلك. قلت الظاهر أنه خاص سيما في هذا المقام؛ لأنه إذا كان الإنفاق في الأمر الواجب كالصدقة فلا شك أن يكون آكد ويلزم منه كونه صدقة في غير الواجب بالطريق الأولى.
النووي فيه الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية ومراده الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان إقرار باللسان دون اعتقاد القلب، وفي قوله يحتسبها دليل على أن النفقة على العيال وإن كانت من أفضل الطاعات فإنها تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله تعالى وكذلك نفقته على نفسه وضيفه ودابته وغير ذلك وكلها إذا نوى بها الطاعة كانت طاعة وإلا فلا.
قوله (( إنك لن تنفق ) )لن لتأكيد النفي وفيه ثلاثة مذاهب أنه حرف مقتضب برأسه، وأن أصله لا أن فخففت الهمزة وسقطت الألف لالتقائه مع النون الساكنة فصار لن وأن النون في لن مبدلة عن الألف والأصل لا.
و (( نفقة ) )عام في القليل والكثير لأنها نكرة في سياق النفي والكاف في إنك خطاب العام إذ ليس المراد منه سعدًا فقط بل كان من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا به ويصح منه الإنفاق كقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون} وهو مجاز؛ لأن أصل وضعه أن يكون استعماله لمعين وهو مستعمل في غير ما وضع له، وتحقيق وضعه في أنه عام مع شرط خصوصية استعماله قد تقدم، ويحتمل أن يختص الخطاب بسعد ويقاس الباقي عليه أو يقال بأن حكمه على الواحد حكم على الجماعة.
قوله (( تبتغي ) )أي تطلب بها وجه الله الوجه والجهة بمعنى ويقال هذا وجه الرأي؛ أي هو الرأي نفسه، والحديث من المتشابهات والأمة في مثلها فريقان مفوضة ومؤولة والحق التفويض والوقف على قول {إلا الله} في قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} .
قوله (( إلا أجرت ) )بضم الهمزة. فإن قلت الفعل كيف وقع استثناءًا والاستثناء هل هو متصل أو منفصل. قلت تقديره إلا في حالة أجرت بها؛ أي لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله في حال من الأحوال إلا وأنت في حال مأجوريتك عليها أو تقديره إلا نفقة أجرت بها فالمستثنى اسم والاستثناء متصل، وفي بعض النسخ بدل بها عليها.
قوله (( حتى ) )هي العاطفة لا الجارة وما بعدها منصوب المحل وما موصولة والعائد إليه محذوف، فإن قلت من أين يستفاد أن ما تجعل في فم امرأتك أنت مأجور فيه. قلت من حيث أن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف أو تقول حتى هي ابتدائية وما تجعل مبتدأ وخبره محذوف؛ أي ما تجعل فيه فأنت مأجور فيها.
فإن قلت مفهومه أن الآتي بالواجب إذا كان مرائيًا فيه لا يؤجر عليها. قلت هو حق نعم سقط عنه العقاب لكن لا يحصل له الثواب.
النواوي هذا بيان لقاعدة مهمة وهو أن ما أريد به وجه الله ثبت فيه الأجر وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ نفس من اللذة أو غيرها، ولهذا مثل النبي صلى الله عليه وسلم بوضع اللقمة في فم الزوجة، ومعلوم أنه يكون غالبًا بحظ النفس والشهوة فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه وكونه طاعة وعملًا أخرويًا إذ لا يريد به وجه الله فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى ص 260 وهو مساعد للحظوظ النفسانية، وتعليله صلى الله عليه وسلم باللقمة مبالغة في تحقيق هذه الطاعة التي ذكرتها؛ لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة لزوجة غير مضطرة فكيف الظن بمن أطعم اللقمة لمحتاج، أو أطعمه كسرة أو رغيفًا، أو فعل له من أفعال البر ما هو في معنى هذا أو عمل مع نفسه من العبادات الدينية ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى.