فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 3844

وصلى ابن عباس لهم في صفة زمزم .. إلى آخره.

ثم ذكر فيه حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس قال انخسفت الشمس .. الحديث.

أما فعل ابن عباس فأخرجه ابن أبي شيبة، عن غندر، عن ابن جريج، عن سليمان، عن طاوس أن الشمس انكسفت على عهد ابن عباس، فصلى على صفة زمزم ركعتين، في كل ركعة أربع سجدات.

وقال ابن التين صفة زمزم وجيزة قيل كانت أبنية، فصلى فيها ابن عباس. وعلي بن عبد الله بن عباس تابعي ثقة روى له (م) والأربعة، ولد ليلة قتل علي، وكان أجمل قرشي في الدنيا. وقال علي بن أبي حملة كان يسجد كل يوم ألف سجدة، ورأيته آدم جسيمًا بين عينيه أثر السجود، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل سنة إحدى عشرة ومائة بالبلقاء.

والحديث أخرجه في بدء الخلق والنكاح، وأخرجه (م) أيضًا.

قوله (( انخسفت الشمس ) )كذا هنا، وفي (م) (( انكسفت ) )، وهنا (( لا يخسفان ) )، وفي (م) (( ينكسفان ) ).

قوله (( فقام قيامًا طويلًا ) )بحسبه والله أعلم طول زمن الكسوف. وفي حديث عائشة فأطال القراءة.

قوله (( نحوًا من سورة البقرة ) )وفي (م) قدر سورة البقرة. وفي بعض نسخ (خ) نحوًا من قيام سورة البقرة. وهو دال على استحباب ذلك، وأن القراءة كانت سرًا. وفي رواية عائشة فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة.

والحزر والنحو يوهم عدم السماع، وكونها سرية، وقد يقال كان ابن عباس صغيرًا ومقامه آخر الصفوف، فاحتاج إلى الحزر. وبالسر فيها قال مالك والشافعي والكوفيون.

قوله (( تكعكعت ) )معناه احتبست وتأخرت إلى ورائي. ويقال كع الرجل، إذ نكص على عقبيه. وعند الفقهاء تقهقرت، وكل قريب. أصل تكعكع تلتع فأدخلت الكاف؛ لئلا يجمع بين حرفين متماثلين، كذا ذكر الخطابي. وهو في الحقيقة ثلاثة أحرف مثل دساها أصله دسسها، فأبدلت من إحدى السينات ياء؛ لئلا تجتمع ثلاثة أحرف، وكذا كبكبوا أصله كببوا فاجتمع ص 1172 ثلاث باءات، أبدلت من الوسطى كافًا كذلك أبدل العين الوسطي كافًا، وهي عين الفعل ويقال كاع يكيع، وأصله من الجبس، يجمع الرجل عن الأمر إذا جبس وتأخر.

وفيه أن الجنة مخلوقة إذ ذاك، وأن فيها ثمارًا موجودة، وكذا النار حقيقة ببينة التأويل الذي رواه بفعله، وإخبار الصادق حق لا شك فيه ولا مرية، فخلق الرب جل جلاله له إدراكًا أدركهما به في جهة الحائط الذي أشار إليه، كما فرج له عن بيت المقدس ليلة الإسراء، فجعل يخبرهم عنه.

وإنما لم يأخذ العنقود؛ لأن طعام الجنة باق أبدًا لا يفنى، ولا يكون شيء من دار البقاء في دار الفناء. وقد قدر الرب تعالى أن رزق الدنيا لا ينال إلا بتعب، فلا يبدل القول لديه. وأيضًا طعام الجنة شوق الرب إليه عباده، ووعدهم به؛ جزاء لأعمالهم الصالحة، والدنيا ليست دار جزاء، فلذلك لم يأخذه [1] .

قوله (( لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) )يريد أنهم كانوا يأكلون منه، ويأكل منه من بعدهم حتى تنقضي الدنيا؛ لأنه كان لا يفنى ولا ينقطع بموته. و (( لو ) )عند العرب لامتناع الشيء بامتناع غيره كقوله (( لو كان بعدي نبي لكان عمر ) )، ولا سبيل إلى أن يكون بعده نبي، كما لا سبيل إلى أن يكون عمر نبيًا. وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عتبة بن عبد السلمي حديثًا فيه أن أعرابيًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عظم عنقود الجنة، فقال له (( مسيرة الغراب شهرًا لا يقع ولا يتعثر ) ).

قوله (( أريت النار ) )كذا هنا، وفي الجنة رأيت، أما (( رأيت ) )فإنه فعل مسمى الفاعل، وفاعله الرائي، كأن في الجنة عرضت له ولا حائل بينه وبينها، فوقع بصره عليها فرآها، وأما (( أريت ) )فإنه فعل ما لم يسم فاعله، وقد أقيم المفعول الذي هو الرائي على الحقيقة مقام الفاعل، فكأن الجنة عرضت عليه ثم كشف عن بصره فرآها، ورؤياه النار كان من الباب الذي يدخل منه العصاة من المسلمين.

قوله (( فلم أر كاليوم قط ) )الكاف في (( كاليوم ) )موضع نصب، التقدير فلم أر منظرًا مثل منظر شيء اليوم. و (( أفضع ) )بالفاء والضاد المعجمة أي أهول وأشد، ووقع في (( المطالع ) )بالظاء المعجمة.

أقول

لفظ (( المطالع ) )في باب الفاء مع الظاء أفظع أي أعظم وأشد وأهيب وأفظع هنا أشد فظاعة أي أفظع مما سواه من المناظر الفظيعة فحذف اختصارًا لدلالة الكلام عليه انتهى.

قوله (( يكفرن بالله؟ قال يكفرن العشير ) )كذا في (خ) بالواو في (( يكفرن العشير ) )وأثبتها يحيى بن يحيى عن مالك، ورواية القعنبي، وابن القاسم، وابن وهب، وأكثر الرواة حذفها؛ لما فيه من إثبات الكفر لهن بالله، ولعله إخبار عن أكثرهم لا عن الكل.

وأجيب عن رواية يحيى بن يحيى السائل لما قال أيكفرن بالله؟ لم يجب عنه؛ لإحاطة العلم بأن منهن من يكفر كالرجال، فلم يحتج إلى ذلك؛ لأن المقصود من الحديث غيره.

فإن قلت إذا كان أكثر أهلها النساء، كيف يلتئم مع حديث أبي هريرة (( إن أدنى أهل الجنة من له زوجتان من الدنيا ) )ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة؟

فالجواب أن يحمل حديث أبي هريرة ص 1173 على ما بعد خروجهن من النار، أو خرج مخرج التغليظ والتخويف، وفي هذا نظر؛ لأنه أخبر أن الرؤية حاصلة. وأجاب بعضهم بأنه لعله مخصوص ببعض النساء دون بعض.

وسنة صلاة الكسوف أن تصلى جماعة، وهو ما عقد له (خ) الباب، وفي المسجد للاتباع، فإن تخلف الإمام عنها فقدموا من يصلي جماعة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور.

وقال أشهب من لم يقدر أن يصليها مع الإمام من النساء والصغار، فإنهم يصلونها فرادى وبإمام، وكره أبو حنيفة والثوري أن يجمع النساء، وقال يصلون وحدانًا ولا يجمعهن رجل. وقول من استحب الجماعة فيها النساء وغيرهن أولى.

وأغرب بعضهم فجعل الجماعة فيها شرطًا كالجمعة، حكاه إمام الحرمين عن الصيدلاني، والذي في كتابه حكايته وجهين في أنها تصلى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة كالخلاف في العيد.

واختلف في صفة صلاة الكسوف، وقد سلف. وفيه أن يسير العمل في الصلاة لا يفسدها، وهو إجماع، فإنه عليه السلام تناول، ثم تكعكع، والتناول مد اليد للأخذ، وفي حديث آخر (( لو اجترأت ) )، وهو دال على أنه تركه لما داخله من الهيبة وإعظام ما رأى.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( صفة ) )بضم المهملة، وفي بعضها بالمعجمة وهي بالكسر وبالفتح جانب الوادي وضفتاه جانباه، و (( جمع ) )أي الناس لصلاة الكسوف.

قوله (( فصلى رسول الله ) )أي بالجماعة ليدل على الترجمة (( وتكعكعت ) )بكافين ومهملتين أي تأخرت، وفي بعضها و (( أفظع ) )أي أشنع.

ابن بطال اختلف في صفة صلاة الكسوف فقال أبو حنيفة ركعتان كسائر النوافل والأئمة الثلاثة ركعتان في كل ركعة ركوعان، وقد رويت فيها أحاديث مختلفة

منها أنه صلى ركعتين بثلاث ركعات في كل ركعة.

ومنها صلى بأربع ركعات فيه.

ومنها صلى بخمس ركعات.

ومنها صلى بست ركعات.

ومنها صلى بثمان ركعات أي في كل ركعة في جميعها.

وأصحها ما ذكره (خ) واحتج الطحاوي لأصحابه بأنا رأينا سائر الصلوات مع كل ركعة سجدتان فكذا هذه الصلاة.

والجواب أن بعض الصلوات قد خصصت بصفات تفارق سائرها كصلاة العيد وصلاة الخوف والجنازة، ولم يكن ذلك إلا لورود الشرع به فكذا ما نحن فيه ولا مدخل للرأي فيه، وأما إراؤه الجنة والنار فيحتمل أن يمثل له لينظر إليها كما مثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار في الإسراء.

وأما عدم أخذه منه فإن طعام الجنة باق أبدًا ولا يجوز أن يكون شيء من دار البقاء في دار الفناء، وأيضًا أنه جزاء الأعمال والدنيا ليست بدار الجزاء وقيل لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب ولا ينفع حينئذ نفسًا إيمانها.

الزركشي

قوله (( فلم أر منظرًا كاليوم أفظع ) )بظاء مشالة ونصب العين؛ أكره وأصعب، وجوز فيه الخطابي وجهين أن يكون بمعنى فظيع كأكبر بمعنى كبير، وأن يكون أفعل تفضيل على بابه؛ أي منه ثم حذف.

قال ابن السيد هذا الكلام يستعمله العرب ويقولون ما رأيت كاليوم رجلًا، والرجل والمنظر لا يصح أن يشبَّها باليوم، والنحويون يقولون معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلًا، وكذلك فلم أر كمنظر رأيته اليوم منظرًا، وتلخيصه ما رأيت كرجل اليوم رجلًا، وكمنظر اليوم منظرًا فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرجل والمنظر لوقوعها فيه كما يضاف الشيء إلى ما يتصل به ويلتبس.

وفي المنظر وجهان أن يريد المكان المنظور إليه أو الشيء المنظور فيكون من المصادر المضافة الواقعة موقع المفعول، كقولهم درهم ص 1174 ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، وقال غيره الكاف هنا اسم وتقديره ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا، ومنظر تمييز ومراده باليوم الوقت الذي هو فيه.

[1] في هامش المخطوط أقول يمكن أن يورد على قائل هذا نزول المائدة وما فيها كان من طعام الجنة، فإن قلت كان ذلك من باب التعجيز قلت هذا أيضًا كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت