(( ويذكر أن عليًا ... إلى آخره ) )هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة بسنده عن علي قال البيهقي وهذا النهي إن ثبت مرفوعًا، فليس لمعنى يرجع إلى الصلاة؛ إذ لو صلى لم يعد، وإنما هو كما جاء في قصة الحجر.
قال الخطابي لا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح، وهو قوله (( جعلت لي الأرض مسجدًا ) ).
ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون نهاه أن يتخذها وطنًا ومقامًا، كأنه إذا أقام بها كانت صلاته فيها باطلة، وهذا من باب التعليق في علم البيان.
ولعل النهي له خاصة، ألا تراه قال نهاني، ولعل ذلك إنذار منه بما لقي من المحنة بالكوفة، وهي من أرض بابل بالعراق مدينة السحر والخمر معروفة، قاله البكري.
وقيل عن أصحاب الأخبار أنه بناها النمروذ الخاطئ المخذول ببابل طوله في السماء خمسة آلاف ذراع، وهو البنيان الذي ذكره الله تعالى بقوله {فأتى الله بنيانهم} ، وبات الناس ولسانهم سرياني، فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانًا كل يتبلبل بلسانه، فسميت بابل.
وذكر الهمذاني أن سنان بن عمران العليقي أول الفراعنة تملك في الإقليم الأوسط في حصنه المشترى موضعه من اسم المشتري، وبابل باللسان الأول ترجمة المشتري بالعربية، قال وربما سموا العراق بابلًا.
قال الأخفش فيما نقله الصغاني وبابل لا ينصرف لتأنيثه؛ وذلك أن كل اسم مؤنث إذا كان أكثر من ثلاثة أحرف فإنه لا ينصرف في المعرفة.
وقال الحازمي قيل لأبي يعقوب الإسرائيلي وكان قد قرأ الكتب ما بال بغداد لا نرى فيها إلا مستعجلًا قال إنها قطعة من أرض بابل فهي تبلبل أهلها.
أقول قال عبد الحق البغدادي في مراصد الاطلاع مختصر معجم البلدان ومنه أنقل غالبًا بابل بكسر الباء اسم ناحية منها الكوفة والخلة، قلت والمشهور بهذا الاسم المدينة الحراب بقرب الحلة وإلى جانبها قوله فسمى الآن بابل عامرة.
ثم قال (خ) ثنا إسماعيل بن عبد الله بسنده (( لا تدخلوا على هؤلاء ... إلى آخره ) )هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في المغازي في باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، وقد أخذ على (خ) في قوله (( نزوله عليه السلام في الحجر ) )، والصحيح مسرعًا كما سيأتي، وأخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء والتفسير، وأخرجه (م) في آخر كتابه.
وهذا القول قاله لما مر بالحجر كما جاء في بعض الروايات، وكان ذلك في طريقه إلى تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة، وقال هنا (( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ) )، وفي أخرى (( على هؤلاء القوم ) ). وفي أخرى (( على هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ) ).
وإنما قال هذا من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط، ويدل على ذلك قوله {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} .
ووبخهم تعالى على ذلك، وكذلك تشاءم عليه السلام بالبقعة، التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى، فكراهة الصلاة في موضع الخسف أولى، إلا أن إباحته عليه السلام الدخول بها على وجه البكاء، والاعتبار يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع وخشوع واعتبار، فإن صلى هناك غير باك لم تبطل صلاته.
وزعم بعض أهل الظاهر أن من صلى في الحجر بلاد ثمود، وهو غير باك فعليه سجود السهو إن كان ساهيًا، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وكذا من صلى في موضع مسجد الضرار، وهذا خلف من القول لا خفاء بسقوطه.
فقد بين الشارع في الحديث معنى نهيه عن دخول مواضع الخسف لغير الباكي، وهو قوله (( لا يصيبكم مثل ما أصابهم ) )، وليس في هذا ما يدل على فساد صلاة من لم يبك، وإذ فيه خوف نزول العذاب، وتسويته بين الصلاة ص 772 في موضع مسجد الضرار بالصلاة في موضع الخسف ليس في الحديث، وهو قياس فاسد منه، وهو لا يقول بالقياس فقد ناقض.
قوله (( إلا أن تكونوا باكين ) )أمرهم به لا ينشأ عن التفكر، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء، والتفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ينقسم ثلاثة أقسام
1 -تفكر يتعلق بالله تعالى إذ قضى على أولئك بالكفر.
2 -يتعلق بأولئك القوم إذ بارزوا ربهم بالكفر.
3 -يتعلق بالمار عليهم إذ وفق للإيمان قبل الوجود.
فمن مر على مثل أولئك، ولم يتفكر فيما يوجب البكاء شابههم في إهمالهم التفكر فلم يؤمن عليه نزول العقاب.
قوله (( لا يصيبكم ) )وفي رواية بفتح الهمزة. وفيه إضمار تقديره حذر أن يصيبكم.
وفيه الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين ومواضعها، والإسراع فيها.
قال شيخنا [1] قطب الدين وغيره كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادي محسر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك. قلت أصحابنا ذكروا ذلك والفيل لم يدخل الحرم البتة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( لا يصيبكم ) )بالرفع لأنه استئناف كلام.
فإن قلت كيف يصيب عذاب الظالمين بغيرهم {ولا تزر وازرة وزر أخرى} .
قلت لا نسلم امتناع الإصابة إلى غير الظالم. قال تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ، وأما الآية الأولى فمحمولة على عذاب يوم القيامة ثم لا نسلم أن الذي يدخل موضعهم ولا يتضرع ليس بظالم؛ لأن ترك التضرع في موضع يجب التضرع ظلم [2] .
فإن قلت كيف دلالته على الترجمة، قلت من جهة استلزامه مصاحبة الصلاة بأسرها للبكاء وهي مكروهة بل إن ظهر من البكاء حرفان أو حرف معهم أو ممدود بطل الصلاة.
فإن قلت الحديث لا يدل إلا على البكاء عند الدخول لا دائمًا.
قلت المراد الدخول في كل جزء من ديارهم، والسياق يدل عليه.
قال الزركشي (( لاَ يُصِيبُكُمْ ) )بالرفع، والوجه الجزم لكنه يخرَّج على لغة.
[1] في هامش المخطوط (( فائدة ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول ففي الآية أن يكون غير الظالم في مكان واحد مع الظالم فتصيبه تبعًا فهذا ليس من ذلك القبيل فلا يستدل بالآية عليه ) ).