فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
23 -باب حفظ اللسان
فيه أحاديث
أحدها
حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من يضمن ... الحديث ) )
ثانيها
حديث أبي هريرة رضي الله عنه باللفظ الذي علقه أولا وزيادة (( ومن كان يؤمن بالله إلى آخره ) )
ثالثها حديث أبي شريح مثله.
رابعها
حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار ) ).
خامسها
حديثه أيضا رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إن العبد يتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، ... الحديث)
المراد بحفظ اللسان عما لا ينبغي. والقول بالحق واجب،
والصمت فيه غير واسع، روي عنه عليه السلام أنه قال (( أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل ) ).
وقال التقي ملجم لا يتكلم بكل ما يريد، وقال (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ). وقال عيسى صلى الله عليه وسلم لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فيقسي قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله. قال مالك من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه، ويقال إن من علم أن كلامه من عمله قل كلامه. قال مالك ولم كونوا يهدرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة، وذكر عن بعض السلف أنه قال لو كانت الصحف التي تكتب فيها أعمالنا من عندنا لأقللنا الكلام.
وكان أكثر كلام أبي بكر رضي الله عنه لا إله إلا الله، يقول كان الأمر كذا ولا إله إلا الله، وكان كذا ولا إله إلا الله.
والآية المذكورة أولا قال فيها الحسن وقتادة يكتبان جميع الأشياء، وقال وخصه عكرمة بالخير والشر. ويقوي الأول تفسير أبي صالح في قوله {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد 39] ، إن الملائكة تكتب كل ما يتكلم به المرء، فيمحو الله تعالى منه ما ليس له ولا عليه، ويثبت ما له وما عليه. والعتيد الحاضر المهيأ.
وقال الداودي هو الحافظ. والمعروف أن الرقيب هو الحافظ، وأن العتيد عند أهل اللغة هو الحاضر.
وقوله (( من يضمن لي ) )هو بفتح الميم في مستقبله، وبكسرها في ماضيه، تقول ضمنت الشيء أي كفلت به، واللحى بفتح اللام وبكسرها منبت الشعر من الإنسان وغيره. وما بين لحييه هو لسانه. وعلى هذا أورده البخاري هنا وغيره من العلماء.
وقال الداودي (( ما بين لحييه ) )يعني الفم، من ضمن ما يكون منه من الشر من قول أو فعل بأكل أو شرب أو غيرهما.
قال (( وما بين رجليه ) )يعني الفرج. فمن حفظ هذين سلم من الشر كله؛ لأنه لم يبق إلا السمع والبصر، فإذا سمع أو رأى صار الفعل إلى الفم أو الفرج، فمن حفظهما كان أصل حفظه أن يحمي سمعه وبصره مما يؤديه إلى فعل الفم والفرج.
رواية أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فلا يؤذي جاره ) )، وليس ذلك في رواية المقبري، عن أبي شريح كما سقناه، ووقع في كلام الداودي أن رواية المقبري عن أبي هريرة (( فليكرم جاره ) ). وليس كذلك فاعلمه، وإنما فيه (( فليكرم ضيفه ) )كما سقناه.
السخط، والسخط خلاف الرضا، ومعنى (( لا يلقي لها بالا ) )لا يظن أنها بلغت ما هي بالغته، وقيل إن أكثر ذلك في مجالس ذوي الأمر المطاع. وقال ابن وهب يريد من اللفظ بالسوء لم يرد بذلك الحجة
لأمر الله في الدين، وقيل هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله.
وقوله (( يهوي بها ) )أي يسقط، وهو بفتح الياء في مستقبله ثلاثي، ومنه {والنجم إذا هوى} [النجم 1] .
وقوله (( يزل بها ) )أي يدخل بها قال الجوهري تقول زللت يا فلان زليلا، إذا أزل في ظن أو منطق.
وقال القزاز زللت بالكسر ص 4633 يزل زللا، والاسم الزلة والزليلى، وقرأناه بكسر الزاي.
وما أحق من علم أن عليه حفظة موكلين به، يحصون عليه سقط كلامه وعثرات لسانه، أن يحزنه ويقل كلامه فيما لا يعنيه، وما أحراه بالسعي في أن لا يرتفع عنه ما يطول عليه ندمه من قول الزور والخوض في الباطل، وأن يجاهد نفسه في ذلك، ويستعين بالله، ويستعيذ من شر لسانه.
وقوله (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) )إلى آخره يعني من كان يؤمن بهما الإيمان التام، فإنه ستبعثه قوة إيمانه على محاسبة نفسه في الدنيا، والصمت عما يعود عليه حسرة وندامة يوم القيامة، وكان الحسن يقول ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل يحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل يذمك.
وقال عمر بن عبد العزيز لرباح بن عبيد بلغني أن الرجل ليظلم بالمظلمة، فما يزال المظلوم يشتم ظالمه حتى يستوفي حقه ويفضل الظالم عليه،
وأسلفنا أن المراد بـ (( ما بين لحييه ) )اللسان، فلم يتكلم بما يكتب عليه صاحب الشمال، وبـ (( ما بين رجليه ) )يعني فرجه، فلم يستعمله فيما لا يحل، ودل بهذا الحديث أن أعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وفي شرهما فقد وقي أعظم الشر، ألا ترى قوله (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقى لها بالا .. ) )إلى آخره.
وقال أهل العلم هي الكلمة عند السلطان بالبغي والسعي على المسلم، فربما كانت سببا لهلاكه، وإن لم يرد ذلك الساعي، لكنها آلت إلى هلاكه؛ فكتب عليه إثم (تلك) ، [و] الكلمة التي يكتب الله له بها رضوانه، الكلمة يريد بها وجه الله بين أهل الباطل، أو الكلمة يدفع بها مظلمة عن أخيه المسلم، ويفرج عنه بها كربة من كرب الدنيا؛ فإن الله يفرج عنه كربة من كرب الآخرة ويرفعه بها درجات يوم القيامة.
أفرد ابن أي الدنيا للصمت مصنفا كبيرا؛ فذكر فيه حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه يا رسول الله، ما النجاة؟ قال (( املك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) ).
وحديث معاذ يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال (( ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) ).
وحديث أنس رضي الله عنه مرفوعا (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ) )، ومنها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه (( من صمت نجا ) ). وغير ذلك مما يطول.