فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 3844

18 -أبواب تقصير الصلاة ))

يقال قصرت الصلاة، وقصرتها، وأقصرتها. ذكر فيه حديثين

أحدهما عن ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر .. إلى آخره [1] .

الثاني حديث أنس خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة .. الحديث.

ولا شك أن الصلاة فرضت بمكة، والقصر كان في السنة الرابعة من الهجرة قاله ابن الأثير في (( شرح المسند ) ). وحديث ابن عباس هذا أخرجه (خ) منفردًا به، عن عكرمة عنه. وفي رواية له في المغازي أقام بمكة تسعة عشر يومًا، وفي أخرى له أقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه (د، ق، ن) من حديث عبيد الله بن عبد الله عنه بلفظ أقام بمكة خمس عشرة يقصر الصلاة.

ورواه عثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية فقال سبع عشرة. قال البيهقي وأصحها عندي تسع عشرة، وهي التي أوردها (خ) . وعبد الله بن المبارك أحفظ من رواه عن عاصم. ورواه عمران بن حصين أيضًا قال غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين، يقول يا أهل البلد، صلوا أربعًا فإنا سفر ص 1187 أخرجه (د) . ورواه ابن عمر أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام سبع عشرة يصلي ركعتين محاصرًا الطائف، أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب، عن يحيى عن أيوب بسنده عن ابن عمر به.

قال البيهقي ويمكن الجمع بين الروايات بأن من روى تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم الخروج. ومن روى ثماني عشرة لم يعد أحدهما. ومن روى سبع عشرة لم يعدهما. وهذا الحديث كان في فتح مكة مصرحًا به فيما سلف، وأما حديث أنس فأخرجه (م) والأربعة، وكان في حجة الوداع، فإنه دخل يوم الأحد صبيحة رابعة ذي الحجة، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة، وخرج صبيحتها وهو الرابع عشر.

واختلف في المسافر ينوي الإقامة ببلد لأجل حاجة يتوقعها ولا يعلم نجازها على سبعة عشر قولًا

1 بوضع رجله فيها. قال ابن حزم عن ابن حبيب أنه قال إذا وضعت رجلك بأرض فأتم.

2 بإقامة يوم وليلة. حكاه ابن بطال عن ربيعة، قال وهو شاذ بعيد.

3 ثلاثة أيام، قاله ابن المسيب في رواية.

4 أربعة، روي عن مالك، والشافعي، وعن أحمد أيضًا، وعن عثمان. قال وكيع ثنا هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا. قال مالك وذلك أحب ما سمعت إلي، وقال عبد الملك وسحنون إذا نوى مقام زمان تجب فيه عشرون صلاة أتم؛ لأنه عليه السلام صلى بمكة إحدى وعشرين صلاة؛ لأنه دخل يوم الرابع بعد صلاة الصبح، وخرج يوم التروية قبل صلاة الظهر.

وظاهر كلام عبد الوهاب أن القولين سواء؛ لأنه قال وإن نوى المسافر أربعة أيام أو ما يصلي فيه عشرين صلاة. وما أسلفناه من أنه عليه السلام صلى بمكة إحدى وعشرين ذكره الشيخ أبو الحسن في (( تبصرته ) )، وهو لا يصح. إنما صلى عشرين؛ لأنه صلى الصبح رابع عشر ذي الحجة بذي طوى، وظهر الثامن بمنى كذا في (خ) بعد هذا.

5 أكثر من أربعة أيام قاله داود، وحكاه ابن رشد عن أحمد.

6 أن ينوي اثنتين وعشرين صلاة. ذكره في (( المغني ) ). ونقل ابن المنذر عنه إحدى وعشرين صلاة.

7 عشرة أيام. روي عن علي، والحسن بن صالح، ومحمد بن علي بن جعفر، وحكاه ابن بطال عن ابن عباس أيضًا.

8 اثنا عشر يومًا. نقله ابن عبد البر عن ابن عمر، هو أحد أقواله.

9 ثلاثة عشر يومًا. روي أيضًا عن الأوزاعي، نقله ابن عبد البر عنه.

10 خمسة عشر يومًا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ويروى عن ابن عباس كما سلف في الحديث. وحكاه ابن بطال عن ابن عمر، والثوري.

11 ستة عشر يومًا، وهو مروي، عن الليث أيضًا.

12 سبعة عشر يومًا، وهو قول للشافعي للحديث السالف، وقد صححه ابن حبان.

13 ثمانية عشر يومًا، وهو أصح أقوال الشافعي؛ اعتمادًا منه على حديث عمران بن حصين السالف؛ لسلامته من الاختلاف، فإنه لم يرو إلا هكذا، بخلاف حديث ابن عباس، فإن روايته تنوعت، لكن في سنده علي بن زيد وهو متكلم فيه.

14 تسعة عشر يومًا، وهو الصحيح عن ابن عباس كما مر، قاله إسحاق وهو أحد أقوال الشافعي.

15 عشرون يومًا، وفيه حديث في غزاة تبوك أخرجه أحمد، و (د) من حديث جابر، وهو أحد أقوال الشافعي.

16 يقصر حتى يأتي مصرًا من الأمصار، قاله الحسن البصري نقله عنه ص 1188 ابن عبد البر وقال لا نعلم أحدًا قاله غيره.

17 يقصر مطلقًا، وحكي عن مالك وأبي حنيفة، وهو أحد أقوال الشافعي، ونقله البغوي عن أكثر أهل العلم، وحكى (ت) الإجماع عليه قياسًا على المقدار الذي ورد؛ لأن الظاهر أنه لو استمرت الإقامة على ذلك استمر القصر؛ ولأن الصحابة أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. وأقام أنس مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يقصر الصلاة. وأقام ابن عمر ومن معه بأذربيجان ستة أشهر في غزاة يقصر الصلاة.

روى الكل البيهقي بإسناد صحيح. وأما حديث ابن عباس أنه عليه السلام أقام أربعين يومًا بخيبر يقصر الصلاة، فضعيف. قال إمام الحرمين هذا القول يقرب من القطعيات. قال وقد أقام أنس بن مالك سنة أو سنتين بنيسابور يقصر، وأقام علقمة بخوارزم سنين يقصر، فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل غير ناوي الإقامة، فجاز له القصر كما في الثمانية عشر.

وإذا جمع الخلاف عندنا في حال القتال وغيره، وركبت بعض الوجوه مع بعض واختصرت، قلت في ذلك ثمانية عشر قولًا ووجهًا ثلاثة أيام، أربعة، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرون، أبدًا، يقصر من غير حاجة قتال ثلاثة، ومن حاجته سبعة عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها ثمانية عشر، من حاجة غير قتال ثلاثة ومنها تسعة عشر، من عدمها ثلاثة ومنها عشرون، من عدمها ثلاثة ومنها أبدًا، والثالث عشر إلى السابع عشر من عدمها أربعة ومن حاجته سبعة عشر، أو ثمانية عشر، أو تسعة عشر، أو عشرون، أو أبدًا.

والثامن عشر يقصر من غير حاجة قتال ثمانية عشر يومًا، ومن حاجة قتال يقصر أبدًا. كذا جمع الخلاف ابن الرفعة، ولا بد من تحريره فليتأمل.

قال ابن التين وإقامة الشارع تسعة عشر يقصر يحتمل أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، أو أقام ذلك في أرض العدو حيث لا يملك الإقامة. وجعل ابن عباس تسعة عشر هذا من رأيه.

قوله (( إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا ) )سمى الإقامة بالمصر سفرًا؛ لأنه في حكم المسافر، وكأن ابن عباس ذهب إلى أن الأصل في الصلاة الإتمام، فلا يقصر إلا ما جاء فيه نص، واعتمد (خ) كلام ابن عباس.

وقول أنس (( أقمنا عشرًا ) )قال أبو عبد الملك هو ما تأولنا أنه لم ينو إقامة أربعة أيام، ولكن يمنعه ما يعترضه من الشغل حتى مضى عشر، وغيره تأوله على أنهم قدموا الصبح رابعه. فمقامهم بمكة دون أربعة أيام، وقول ابن عباس أقمنا تسعة عشر، وقول أنس أقمنا عشرًا يحتمل أن يكونا موطنين. قلت بلا شك كما أسلفته لك.

قال الداودي وليس كل هذا إلا في عام الفتح؛ لأنه لم يقم في حجته بعد أن فرغ منها وأقام في الفتح قبل خروجه إلى هوازن والطائف مدة وأقام بعد رجوعه إلى مكة. وإما أن يكون أحدهما في موطن غير الآخر، أو يكون أحدهما حفظ ما لم يحفظه الآخر. أما قول أنس، فقال مالك هو في حجة الوداع، وقد شهدها أنس وابن عباس، ولا يحفظ أن ابن عباس شهد الفتح، وكان حينئذ ص 1189 ابن إحدى عشرة سنة وأشهرًا. قلت القضية متعددة قطعًا، فقضية ابن عباس في الفتح، وأنس في حجة الوداع.

قال ابن بطال وإنما أقام الشارع تسعة عشر يومًا يقصر؛ لأنه كان محاصرًا في حصار الطائف أو في حرب هوازن، فجعل ابن عباس هذه المدة حدًا بين التقصير والإتمام.

قال المهلب والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوله ابن عباس، ويقولون إنه كان عليه السلام في هذه المدة التي ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار؛ لأنه كان ينتظر الفتح ثم يرحل بعد ذلك، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى هذه المدة، ثم ما بعد ذلك حضر يتم فيه، ولم يراع نيته في ذلك.

وكذا يقولون في حديث أنس أن إقامته بمكة لم يكن استبطاء ثالثًا لئلا يكون رجوعًا في الهجرة.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( حتى يقصر ) )فإن قلت حتى الناصبة للمضارع لا تكون بمعنى كي أو إلى وهنا لا يصح كون الإقامة سببًا للقصر ولا القصر غاية للإقامة قلت الأول صحيح إذ عدد الأيام سبب أي معرف لجواز القصر أي الإقامة إلى تسعة عشر يوما سبب لجوازه لا الزيادة عليها.

فإن قلت الإقامة زائدة على ثلاثة أيام مانعة من القصر. قلت المراد منها هنا المكث.

قوله (( عاصم ) )أي الأحول قوله (( تسعة عشر ) )أي يومًا وهذا فيما كان الرجل يتوقع قضاء حاجته يومًا فيومًا حتى مضي هذا القدر.

فإن قلت المشهور عن الشافعية ثمانية عشر يومًا. قلت لعله اعتبر معها يوم النزول أو الارتحال.

قوله (( عشرا ) )أي عشرة أيام.

فإن قلت اليوم مذكر فلم حذف التاء من العشر. قلت المميز إذا لم يكن مذكورًا جاز في العدد التذكير والتأنيث قالوا معناه أنه أقام في مكة وحواليها لا في مكة فقط إذ كان ذلك في حجة الوداع وقدم مكة في الرابع وأقام بها الخامس والسادس والسابع وخرج منها في الثامن إلى منى وذهب إلى عرفات في التاسع وعاد إلى منى في العاشر فأقام بها الحادي عشر والثاني عشر ونفر في الثالث عشر إلى مكة وخرج إلى المدينة في الرابع عشر وكان يقصر الصلاة فيها كلها.

الزركشي

(( قصر الصلاة ) )مخففًا وقصرها مثقلًا، وحكى الواحدي قصرها فهذه ثلاث لغات والمصدر القصر والتقصير والقياس من الثالثة الإقصار، والمراد رد الرباعية إلى ركعتين.

قوله (( أقام تسعة عشر يقصر ) )بسكون القاف وضم الصاد وبخط المنذري بضم التاء وتشديد الصاد.

[1] في هامش المخطوط أقول قال ابن سيد الناس في السيرة عن مقاتل فرض الله في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فرض الخمس ليلة المعراج الهجرة بثمانية عشر شهرًا من مكة إلى السماء ومن يرى أن المعراج من بيت المقدس وأنه هو والإسراء في تاريخ واحد وقد ذكرنا في الإسراء أنه ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة وبعد المبعث بتسع أو اثني عشر على حسب اختلافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت