فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 3844

فيه حديث سعد بن أبي وقاص قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

أخرجه (خ) في عشرة مواضع في الأيمان والهجرة والمغازي والطب والفرائض والوصايا في موضعين والنفقات والدعوات، و (م) والأربعة.

هذا ليس من مراثي الموتى، وإنما هو إشفاق منه من موته بمكة بعد هجرته منها وكراهة ما حدث عليه، من ذلك يقول القائل للحي أنا أرثي لك بما يجري عليك. كأنه يتحزن له.

وأما حديث ابن أبي أوفى كان عليه السلام ينهى عن المرائي. فأخرجه الحاكم وقال صحيح غريب. وقال ابن أبي صفرة قوله (( يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة ) ). من قول سعد في بعض الطرق، وأكثرها من قول الزهري وليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي ويحتمل أن يكون قوله (( أن مات بمكة ) (( يرثي له ) )من قول غيره تفسيرًا لمعنى (( البائس ) )وروي في رواية (( لكن سعد بن خولة البائس قد مات في الأرض التي قد هاجر منها ) ).

واختلف في قصة سعد ابن خولة فقيل لم يهاجر من مكة حتى مات فيها. وقيل بل هاجر. أي الثانية، وشهد بدرًا وغيرها ثم انصرف إلى مكة ومات بها. قاله (خ) ، فعلى هذا سبب ترثيه سقوط هجرته لرجوعه مختارًا وموته بها، وعلى الأول سببها موته بمكة على أي حال وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الثواب والأجر الكامل بالموت في دار هجرته.

وسعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. واسم والده مالك، مات سنة خمس وخمسين. وسعد ابن خولة وقال أبو معشر ابن خولي هو زوج سبيعة الأسلمية. وخولة قال ابن التين عند أهل اللغة والعربية ساكن الواو، وكذلك رواه بعضهم.

وقال الشيخ أبو الحسن ما سمعت أحدًا قط قرأه إلا بفتحها، والمحدثون على ذلك. وقال الشيخ أبو عمران عكس ذلك، واختلف فيه هل هو من بني عامر بن لؤي صلبية أو مولاهم؟ مات بمكة عند زوجته في حجة الوداع. قاله يزيد بن أبي حبيب.

وقال الطبري كما قال ابن عبد البر مات في الهدنة التي جاءت بين رسول الله وأهل مكة عام الحديبية فخرج سعد مختارًا لا لحج ولا لجهاد؛ لأنه لم يفرض حجًا.

وأما سعد بن أبي وقاص فإنه خرج حاجًا، ولو مات فيها لم يكن في معنى سعد ابن خولة الذي رثى له الشارع؛ لأن من خرج لفرض وجب عليه وأدركه أجله فلا حرج عليه ص 1339 ولا يقال له البائس، ولا يسمى تاركًا لدار هجرته، وسيأتي أنه عليه السلام قال (( إن من مات بمكة فلا يدفن بها ) ).

وهذه الابنة اسمها عائشة، كما سيأتي في (خ) ، ثم عوفي سعد بعد ذلك وجاءه عدة أولاد ثمانية.

والعيادة الزيارة، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، وعام حجة الوداع هي السنة العاشرة، وسميت حجة الوداع؛ لأنه ودعهم فيها، وتسمى أيضًا البلاغ؛ لأنه قال (( هل بلغت ) )، وحجة الإسلام؛ لأنها الحجة التي تتام فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزهري.

وقال سفيان بن عيينة كان ذلك يوم فتح مكة، حينئذ عاد عليه السلام سعدًا. وهو من أفراده، قال البيهقي خالف سفيان الجماعة وقال عام الفتح، والصحيح في حجة الوداع. والوجع اسم لكل مرض.

قال أبو موسى رويناه بضم الواو على ما لم يسم فاعله، والذي في اللغة وجع على وزن علم، واشتد بي أي قوي، وفي رواية أشفيت منه على الموت. أي قاربت، ولا يقال أشفي إلا في الشر بخلاف أشرف وقارب.

قوله (( ولا يرثني إلا ابنة ) )أي من الولد، وإلا فقد كان له عصبة. وقيل لا يرثني من أصحاب الفروض سواها.

قوله (( فأتصدق ) )وفي نسخة (( أفأتصدق بثلثي مالي؟ ) )يحتمل أن يريد به منجزًا ومعلقًا بما بعد الموت. وفي رواية للبخاري تأتي (( فأوصي ) )بدل قوله فأتصدق.

وقوله (( بالشطر ) )أي النصف. بدليل رواية (خ) الآتية فأوصي بالنصف. قوله (( الثلث والثلث كثير ) )يجوز في الثلث الأول نصبه ورفعه.

قوله (( كثير ) )أو (( كبير ) )بالمثلثة أو بالموحدة.

قوله (( والثلث كثير ) )قال الشافعي رحمه الله تعالى يحتمل أن يكون معناه كثير أي (( غير ) )قليل، وهذا أولى معانيه كما قال.

قوله (( أن تذر ) )بفتح الهمزة وكسرها. قال ابن الجوزي سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وقال لنا عبد الله النحوي إنما هو بالفتح ولا يجوز الكسر لأنه لا جواب له.

قال القرطبي روايتنا بالفتح ووهم من كسرها وإن جعلها شرطًا أو لا جواب له ويبقى حتى لا رافع له.

والعالة الفقراء، جمع عائل. وقيل العيل والعالة الفاقة، وقيل العائل الكثير العيال. وحكاه الكسائي، وليس بمعروف في اللغة. و (( يتكففون الناس ) )أي يسألون الصدقة بأكفهم.

قوله (( لعلك أن تخلف ) )إلى آخره المراد بتخلفه طول عمره، وكان كذلك، عاش زيادة على أربعين سنة فانتفع به قوم وضر به آخرون، قتل الكفار وسبى وغنم.

وقال ابن بطال لما أمر سعد على العراق أتي بقوم ارتدوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وأصر بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب وتضرر به الآخرون.

قال بعض العلماء لعل معناها الترجي، إلا إذا وردت عن الله ورسوله وأوليائه، فإن معناها التحقيق، ومعنى إمضاء هجرتهم إتمامها لهم من غير إبطال، فيرجعون إلى المدينة.

ومعنى (( لا تردهم على أعقابهم ) )أي لا تترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال لكل من رجع من حال إلى آخر دون ما كان عليه رجع على عقبه. والبائس الذي عليه آثار البؤس، وهو الفقر والقلة.

قال الأصيلي البائس الذي ناله البؤس، وقد يكون بمعنى مفعول كقوله {عيشة راضية} أي مرضية. ومعنى يرثي يتوجع ويسوؤه ما فعل بنفسه، وذلك أنها دار هجروها لله، فأحب أن يكون محياهم ومماتهم بغيرها؛ لئلا يكون ذلك عودًا فيما تركوه لله، وإنما رثى له؛ لأنه هاجر ولم يصبر على هجرته حتى يموت في البلد الذي هاجر إليه، ولكنه مات في البلد الذي هاجر منه لغير ضرورة، ص 1340 ولذلك قال عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك؛ لأنه حرم على المهاجر الرجوع إلى وطنه الذي هجره لله.

وفيه استحباب عيادة المريض، وعيادة الإمام أصحابه وأنها مستحبة في السفر كالحضر وأولى، وجواز ذكر المريض ما يجده من شدة المرض لا في معرض السخط والشكوى، بل لمداواة أو لدعاء صالح أو وصية، أو استفتاء عن حاله، ولا يكون ذلك قادحًا في خيره وأجر مرضه، وإباحة جمع المال.

وفي رواية (م) (( إن لي مالًا كثيرًا ) ). واستحباب الصدقة لذوي الأموال، ومراعاة الوارث في الوصية وتخصيص جواز الوصية بالثلث، خلافًا لأهل الظاهر، وشذ من قال إن الثلث إنما هو لمن ليس له وارث يستوفي تركته. ومن قال إنه إذا لم يكن له ورثة يضع جميع ماله حيث يشاء، وإليه ذهب إسحاق، وحكي عن ابن مسعود.

وذهب بعضهم أنه ينقص عن الثلث، وهو الأحسن في الرافعي و (( الروضة ) ). قال ابن عباس الثلث حيف، والربع حيف. وقال الحسن السدس أو الخمس أو الربع.

وقال الشافعي إذا ترك ورثته أغنياء لم يكن له أن يستوعب الثلث، وإذا لم يدعهم أغنياء اخترت له أن لا يستوعبه. وأوصى عمر بالربع، والصديق بالخمس، وقال رضيت لنفسي بما رضي الله لنفسه. يعني خمس الغنيمة.

وأجمع العلماء في الأعصار المتأخرة على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بما زاد على الثلث إلا بإجازته، وشذ بعض السلف في ذلك، وهو قول [أهل] الظاهر به، فمنعوها وإن أجازها الورثة، وأما من لا وارث له فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق، وأحمد في رواية.

وفيه أن طلب الغنى للورثة راجح على تركهم عالة، من هنا أخذ ترجيح الغني على الفقير. وحديث (( ثلاث كيات للذي خلف ثلاثة دنانير ) )لا بد من تأويله، وأوله أبو حاتم بن حبان بأنه كان يسأل الناس إلحافًا.

وفيه الحث على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد، وأن الإخلاص شرط في الثواب والإنفاق في وجوه الخير، وأن المباح بالنية يصير قربة، فإن وضع اللقمة في فم الزوجة إنما تكون عادة عند ملاعبتها وفيه غير ذلك.

وفيه معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول عن سعد وفتح البلاد وانتفاع أقوام وضرهم ومنقبة ظاهر [ة] لسعد.

وفيه أنه عليه السلام لم يأمر سعدًا بالوصية للأقربين بعد أن أخبره أنه لا يرثه إلا ابنة، ولو كانت آية الوصية للأقربين غير منسوخة لأمره به، فدل على أنها لا تجب، والذي عليه عامة العلماء أنها منسوخة.

وقال الشعبي أنها كانت على وجه الندب؛ لأن الشارع مات ولم يوص، ودخل علي على مريض فأراد أن يوصي، فنهاه، وقال الله تعالى يقول {إن ترك خيرا} [البقرة180] وأنت لم تدع مالًا فدع مالك لأهلك.

قال ابن عبد البر اتفق أهل الحديث على صحة سند هذا الحديث، وجعله جمهور العلماء أصلًا في مقدار الوصية، وأنه لا يتجاوز بها الثلث، إلا أن في بعض ألفاظه اختلافًا عند نقلته، فمن ذلك ابن عيينة قال فيه عن الزهري عام الفتح. وانفرد بذلك عن ابن شهاب، وقد رويناه من طريق معمر وجماعات، عن ابن شهاب عام حجة الوداع.

قال القرطبي قوله (( ورثتك ) )دال على أنه كان له ورثة غير الابنة المذكورة. قلت ليس صريحًا فيه. ص 1341

قوله أخلف بعد أصحابي. أي بمكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين معك. قاله أبو عمر. ويحتمل أن يكون لما سمع الشارع يقول (( إنك لن تنفق نفقة ) )وتنفق فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذاك أو ظنه فاستفهمه، هل يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه بضرب من قوله (( لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ) ).

قوله (( إنك لن تخلف فتعمل ... ) )إلى آخره. قال القرطبي هذا الاستفهام إنما صدر من سعد مخافة المقام بمكة إلى الوفاة فيكون قادحًا في هجرته، كما جاء في بعض الروايات خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها.

فأجابه عليه السلام بأن ذلك لا يكون وإن طال عمره. وقال القاضي عياض حكم الهجرة باق بعد الفتح لهذا الحديث. وقيل إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا، وأبعد من قال إن وجوب الهجرة واستدامتها قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة؛ لنصرته عليه السلام والأخذ عنه، فلما مات ارتحل أكثرهم عنها.

وتأولوا بما تقدم؛ لأن ذلك إنما كان مخافة نقص أجورهم، وقيل لا يحبط أجر هجرة المهاجرة بقاؤه بمكة شرفها الله تعالى إذا كان لضرورة دون الاختيار، وقال قوم المهاجر بمكة يحبط هجرته كيفما كان. وقيل لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب رثى النبي صلى الله عليه وسلم ) )بلفظ الماضي من رثيت الميت مرثية إذا عددت محاسنه ورثأت بالهمزة لغة أيضًا، ويقال رثى له أي رق له، وفي بعضها (( رثى النبي ) )بفتح الراء وسكون المثلثة وبالياء مصدرًا، وفي بعضها رثاء بكسر الراء وبالمد.

قوله (( بلغ مني ) )أي أثر الوجع في ووصل غايته، قوله و (( بالشطر ) )تقديره أفأتصدق بالنصف، وفي بعضها (( فالشطر ) )بالفاء ثم قال رسول الله (( بالثلث ) )هو المتصدق به.

قوله (( أخلف ) )يعني في مكة و (( أمض ) )بقطع الهمزة يقال أمضيت الأمر أي أنفذته أي تممها لهم ولا تنقصها عليهم و (( البائس ) )أي شديد الحاجة أو الفقير و (( يرثي ) )بكسر المثلثة؛ أي يرق له ويترحم و (( أن مات ) )بفتح الهمزة أي لأن مات بالأرض التي يهاجر منها.

قال ابن بطال إن تذر يعني لأن تذر وحتى ما تجعل برفع اللام وما كافة كفت حتى عن عملها و (( حتى ينتفع ) )يعني بما يفتح الله على يديك من بلاد الشرك فيأخذ المسلمون من الغنائم و (( يضر بك آخرون ) )يعني المشركين الذين يقتلهم الله ويهلكهم بيديك وأيدي جندك، وقال امض هجرتهم لأنهم كانوا تركوا ديارهم لله وهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكرهوا أن يعودوا إلى مكان تركوه لله.

وأما لفظ لكن البائس سعد بن خولة فهي كلمة ترحم أي كان يكره أن يموت بمكة التي هاجر منها ويتمنى أن يموت بغيرها فلم يعط ما تمنى أي إنك لست تموت بمكة كما مات ابن خولة، وأما يرثى له رسول الله فهو من كلام الزهري وهو تفسير لقوله عليه السلام (( لكن البائس سعد ) )أي رثى له حين مات بمكة وكان يهوى أن يموت بغيرها.

وأما لفظ الثلث الأول فجاز فيه النصب على الإغراء على تقدير فعل أي أعط الثلث والرفع على أنه فاعل أي يكفيك الثلث أو مبتدأ محذوف الخبر أو العكس وروي أن تذر بفتح الهمزة وكسرها.

قال الخطابي فيه دليل على كراهة نقل الموتى من ثلاثة إلى ثلاثة وله كان جائز الأمر بفعله إلى دار مهاجرة.

الزركشي

(( حتى ما تجعل ) )برفع اللام كفت (( ما ) )حتى عن عملها.

(( في في امرأتك ) )أفصح من فم.

(( يرثى له ) )بفتح أوله، وهذا موضع الترجمة، ونازعه الإسماعيلي وقال هذا من مراثي الموتى، وإنما هو من إشفاق ص 1342 النبي عليه السلام من موته بمكة بعد هجرته منها، وكراهة ما حدث عليه من ذلك كقولك أنا أرثي لك مما جرى عليك كأنه يتحزن له، قلت ثم بتقدير تسليمه ليس بمرفوع، وإنما هو مدرج من قول الزهري.

(( أن مات بمكة ) )بفتح (( أن ) )يعني من أجل، ولا يصح الكسر لأنه كان انقضى أمره ومضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت