فهرس الكتاب

الصفحة 1267 من 3844

فيه حديث عون بن أبي جحيفة قال رأيت أبي اشترى عبدًا، الحديث.

فنزلت الآية في بقية من الربا في جماعة من الصحابة، والآية مدنية، ويدل على تاريخها حديث عائشة السالف في الباب قبله، وحرمت الخمر في شهر ربيع الأول سنة أربع.

قوله {إن كنتم مؤمنين} أي على ظاهره، أو من كان، فهذا حكمه {فأذنوا} أي أيقنوا، أو فأعلموا غيركم أنكم على حربهم {لا تظلمون} بأخذ زيادة على رأس المال {ولا تظلمون} بنقص رأس المال.

{وإن كان ذو عسرة} في مصحف عثمان وأنزلت في الربا أو أعم {فنظرة} أي تأخير، فينظر في دين الربا، أو مطلقًا، أو الإنظار، في دين الربا نصًا، وفي غيره قياسًا {ميسرة} أي يسار، وقيل الموت.

{وأن تصدقوا} على المعسر بالإبراء خير من الإنظار.

{إلى الله} إلى جزائه أو ملكه {ما كسبت} من الأعمال والثواب والعقاب.

وما ذكره (خ) عن ابن عباس أسنده في تفسيره من طريق الشعبي عنه.

وقال ابن جريج مكث الرسول بعدها سبع ليال، وقال ابن عباس إحدى وثمانين يومًا.

واعترض الداودي ص 1945 فقال إما أن يكون وهم في بعض الروايات أو اختلاف من القول، فقد قيل إن آخر آية نزلت {واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله} [البقرة281] والوهم؛ لقربها منها، وقيل آخر آية نزلت خاتمة النساء {يستفتونك} الآية [النساء176] .

وقال أبي بن كعب آخر آية نزلت {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة128] . وقيل إن قوله {واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله} [البقرة281] أنها نزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع.

وحديث ابن أبي جحيفة من أفراده، وذكره في باب ثمن الكلب وغيره، وتفرد منه بلعن المصور أيضًا.

وقد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين موكل الربا وآكله في النهي تعظيمًا لإثمه، كما سوى بين الراشي والمرتشي في الإثم.

وموكل الربا هو معطيه، وآكله الذي يأخذه. وأمر الله تعالى عباده بتركه والتوبة منه بقوله {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} الآية [البقرة278] ، وتوعد الله تعالى من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله، وليس في جميع المعاصي ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا، فحق على كل مؤمن أن يجتنبه ولا يتعرض لما لا طاقة له به من المحاربة المذكورة.

ألا ترى فهم عائشة هذا المعنى حين قالت للمرأة التي قالت لها بعت من زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمان مائة درهم، ثم ابتعتها منه بستمائة درهم هذا، فقالت لها عائشة بئس ما شريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب، ولم تقل لها إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه، فمعنى ذلك _ والله أعلم _ أن من جاهد في سبيل الله فقد حارب الله، ومن أربا فقد أبطل حربه عن الله، فكانت عقوبته من جنس ذنبه.

وهذه الأشياء النهي عنها في الحديث مختلفة الأحكام، فمنها على سبيل البر ككسب الحجام، ومنها ما هو على سبيل التحريم كثمن الكلب عندنا، وكره عند المالكية للضعة والسقوط في حقه، ومنها حرام بين كالربا.

وأما اشتراء ابن أبي جحيفة الحجام، ثم قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم على ما تأوله في الحديث، وقد جاء هذا مبينًا في باب ثمن الكلب بعد هذا، وإنما كسر ابن أبي جحيفة المحاجم على سبيل التورع، وسيأتي القول في كسب الحجام.

واختلف في بيع الكلب، فقال الشافعي لا يجوز بيعها كلها سواء كان كلب صيد أو حرث أو ماشية أو غير ذلك، ولا قيمة فيها، وهو قول أحمد وحماد والحسن.

واختلفت الرواية عن مالك في بيعه، وقال ابن القاسم لا بأس بشراء كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها.

وفي (( مختصر ابن الحاجب ) )وفي كلب الصيد قولان.

وعن أبي حنيفة من قتل كلبًا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته، وكذلك السباع كلها.

حجة الشافعي حديث الباب، فإن النهي فيه عام، حجة المخالف أن الله لما أباح الذي علمناه أفادنا ذلك إباحة التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك.

وقال أشهب في قتل المعلم القيمة، وأوجب ابن عمر فيه أربعون درهمًا، وفي كلب ماشية شاة، وفي كلب الزرع فرق من طعام، وفي كلب الدار فرق من بر.

وأجاز عثمان الكلب الضاري في المهر، وجعل فيه عشرين من الإبل على من قتله.

وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز ص 1946 بيعه؛ وكذلك لما أعطى الحجام أجرة كان ناسخًا لما تقدمه.

وأما النهي عن ثمن الدم فهو على التنزيه على المشهور، وبه قال الأكثرون، وهو مقصور مذهب أحمد، فإنه عليه السلام أعطاه أجرة، ولو كان حرامًا لم يعطه، وقال لمحيصة (( اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك ) ).

ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة، كالبناء، والخياط، وسائر الصناعات، والنهي عن ثمن السائل الذي حرم الله. وقال ابن أبي جحيفة أجرة الحجام من ذلك، وهو قول أبي حنيفة والنخعي؛ لأنه قرنه بمهر البغي، وهو حرام، فكذا هو. قالوا ولأن عمله غير معلوم، وكذا مدة عمله، فالإجارة فاسدة.

وقال آخرون إنه يأخذها على أخذ الشعر، وهو قول عطاء إذا رأى الشعر قبله، وقال آخرون يجوز للمحتجم إعطاؤها، ولا يجوز للحجام أخذها، ورواه ابن جرير عن أبي قلابة؛ فإن الشارع أعطاها مع أنه قال (( إن كسبه خبيث ) )وفي رواية (( سحت ) )، وبه قال ابن جرير إلا أنه قال يعلفها ناضحه ولا يأكله، فإن أكله كان حرامًا.

وعن أحمد _ وبه قال فقهاء المحدثين _ يحرم على الحر دون العبد؛ لحديث (( اعلفه ناضحك ورقيقك ) )، رواه حرام بن محيصة، عن أبيه مرفوعًا.

والقصد بالحجام الذي يحجم ليس الذي يزين للناس.

وذكر ابن الجوزي أن أجرة الحجام إنما كرهت؛ لأنه مما يعين به المسلم أخاه إذا احتاج إليه، فلا ينبغي له أن يأخذ من أخيه على ذلك أجرًا.

وروى ابن حبيب أن قريشًا كانت تتكرم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور.

وروى ربيعة أنه كان للحجامين سوق على عهد عمر، ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين.

وقال يحيى بن سعيد لم يزل المسلمون مقرين بأجر الحجامة ولا ينكرونها.

وحاصل الخلاف كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ، قول ابن جرير.

قوله (( ونهى عن الواشمة والموشومة ) )؛ أي عن جعل الواشمة. والوشم أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يحشى بالكحل أو نيل فيزرق أثره أو يخضر.

وقال الداودي يسود موضعه إذا حشي بالإثمد، وهو من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله.

والموشومة التي يفعل بها ذلك، وفي حديث آخر (( الموتشمة ) )، وفي آخر (( المستوشمة ) ).

وفسر القتيبي في حديث آخر (( لعن الواشمة ) )أي التي تكتحل.

قوله (( وآكل الربا ) )قال الداودي هو الذي يأكله، هو المربي أو غيره. وقال القزاز هو الذي يعمل به ويأكل منه.

(( وموكله ) )الذي يزيد في المال؛ لأنه هو الذي جعل له ذلك وأطعمه إياه.

وقال الداودي (( موكله ) )الذي يطعمه غيره، وهذا من قوله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة2] .

قال الخطابي وإنما سوى في الإثم بين آكله وموكله وإن كان أحدهما _ وهو الرابح _ مغتبطًا والآخر منتقصًا؛ لأنهما في الفعل شريكان، وذلك حدود لا تتجاوز في حال العدم والوجد.

قوله (( ولعن المصور ) )ظاهره العموم، وخصص منه ص 1947 ما لا روح فيه كالشجر، وجاء أنه يقول لهم يوم القيامة (( أحيوا ما خلقتم ) )، وسيأتي باب بيع التصاوير، والنهي عن كسب الإماء؛ لأنه رذيلة. انتهى.

أقول فإن قلت الممنوع هو التشبه بالله في الخلق أعم من أن يكون حيوانًا أو شجرًا فيلزم منه عموم تحريم التصوير، وقد جاء في حديث آخر فعليك بهذا الشجر؟

قلت التشبه في الحيوان أعظم، فلذلك جاز في الشجر دون الحيوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت