فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وسئل أن معبد .. إلى آخره.
معنى قوله {إلا الذين تابوا} [البقرة160] أنه يزول فسقهم ولا يسقط الحد عنهم، وتقبل شهادتهم قبل الحد وبعده؛ لارتفاع فسقه، قاله الجمهور، وقيل لا تقبل مطلقًا.
وقيل لا تقبل بعد الحد وتقبل قبله وقيل عكسه.
وتوبته بإكذابه نفسه أو بالندم والاستغفار، وترك العود إلى مثله، وقال ابن التين في الآية ثلاثة أقوال
1 هو استثناء من قبول الشهادة، وهو مذهب المدنيين.
والثاني الاستثناء من الفسق، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث الاستثناء من الأحكام الثابتة.
فإذا تاب قبلت ص 2383 شهادته وزال عنه الحد واسم التفسيق.
ذكر هذا عن الشعبي قال وهو خلاف ما ذكره عنه (خ) أولًا.
والتعليق الأول رواه الشافعي، عن سفيان وروى أبو الفرج الأصفهاني في (( تاريخه الكبير ) )بإسناد جيد عن ابن عثمان النهدي قال لما شهد على المغيرة استتاب أبا بكرة وقال إنما تستتيبني لتقبل شهادتي قال أجل.
ولأبي داود الطيالسي بإسناده عن قيس بن عاصم قال كان أبو بكرة إذا أتاه رجل ليشهده قال أشهد غيري فإن المسلمين قد فسقوني.
فإن قلت إذا لم يتب فكيف ذكر في الصحيح، وأجاب الإسماعيلي في (( مدخله ) )بأن الخبر مخالف للشهادة ولهذا لم يتوقف أحد من المصريين عن الرواية عنه، ولا طعن أحد على روايته من هذه الجهة مع إجماعهم أن لا شهادة لمحدود في قذف غير ثابت، فصار قبول خبره جاريًا مجرى الإجماع؛ كما كان رد الشهادة قبل التولية.
شهادة العبد إذا جلد قبل العتق.
وهذا تناقض؛ لأن من قذف فقد فسق، وليس العتق توبة، وهو لو قذف بعد العتق وتاب لم تجز شهادته عنده، وكذلك أجاز قضايا المحدود في القذف، وهذا تناقض؛ وكيف يجوز قضاء المحدود ولا تجوز شهادته؟ وكذلك يلزم أبا حنيفة التناقض في إجازته النكاح بشهادة محدودين، وإنما أجاز ذلك؛ لأن مذهبه أن الشهود في النكاح خاصة على العدالة، وفيما سوى ذلك على الجرحة، وهذا تحكم.
وحكاية هذا القول مغن عن الرد عليه وقال ابن المنذر أجاز أبو حنيفة النكاح بشهادة فاسقين.
وقد أجمع أهل العلم على رد شهادتهم، وأبطل النكاح بشهادة عبدين.
وقد اختلف أهل العلم في قبول شهادتهم والنظر دال على أن شهادتهم مقبولة إذا كانا عدلين.
ودليل القرآن وهو قوله {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات13] وأما إجازته شهادة المحدود في هلال رمضان، فإنه أجرى ذلك مجرى الخبر، وهو يخالف الشهادة في المعنى لأن المخبر له مدخل في حكم ما شهد به.
وهذا غلط؛ لأن الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم شاهد ولا يسمى مخبرًا، فحكمه حكم الشاهد في المعنى؛ لاستحقاقه ذلك بالاسم.
وأيضًا فإن الشهادة على هلال رمضان حكم من الأحكام، ولا يجوز أن يقبل في الأحكام إلا من تجوز شهادته في كل شيء، ومن جازت شهادته في هلال رمضان ولم تجز في القذف فليس بعدل، ولا هو ممن يرضى؛ لأن الله تعالى إنما تعبدنا بقبول من نرضى من الشهداء.
وأوضح الخلاف في مسألة القاذف ابن بطال فقال اختلف في شهادة القاذف هل ترد شهادته؛ حتى يحد، وهو قول الكوفيين، وقال الليث والأوزاعي والشافعي ترد شهادته وإن لم يحد، وهو قول ابن الماجشون.
قال واختلف إذا حد وتاب فقال جمهور السلف إذا تاب وحسنت حالته قبلت شهادته.
وممن روي عنه سوى ما ذكره (خ) في قول ابن المنذر وعطاء، واختلف فيه عن ابن المسيب، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيدة.
وممن قال إن شهادته لا تجوز أبدًا وإن تاب شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير، وهو قول الثوري والكوفيين وقالوا توبته فيما بينه وبين الله.
قال وأما المحدود في الزنا والسرقة والخمر، إذا تابوا قبلت شهادتهم أبدًا.
وقالوا إن الاستثناء في قوله {إلا الذين تابوا} [النور5] راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة.
وقال آخرون الاستثناء راجع ص 2384 إلى الفسق والتوبة جميعًا، إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له، وإذا قبل الكوفيون شهادة الزاني والمحدود في الخمر والقاذف إذا تابوا، والمشرك إذا أسلم وقاطع الطريق ثم لا تقبل شهادة من شهد بالزنا فلم تتم الشهادة فجعل قاذفًا.
وقام الإجماع على أن التوبة تمحو الكفر، فوجب أن يكون ما دونه أولى، وقد قال الشعبي يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته.
واحتجوا بأن عمر جلد الذين قذفوا المغيرة واستتابهم وقال من تاب قبلت شهادته. وكان هذا بمحضر من الصحابة من غير نكير، ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر لا يجوز قبولها أبدًا.
ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب فسقط قولهم.
واختلف قول مالك وأصحابه، هل تقبل شهادته في كل شيء، فروى عنه ابن نافع أن المحدود إذا حسنت حاله قبلت شهادته في كل شيء، وهي رواية ابن عبد الحكم عنه، وذكر الوقار عن مالك أنه لا تقبل شهادته، فيما حد فيه خاصة، وتقبل فيما سوى ذلك إذا تاب، وهو قول مطرف وابن الماجشون، والقول الأول أولى؛ لعموم الاستثناء ورجوعه إلى أول الكلام وآخره، ومن ادعى تخصيصه فعليه الدليل.
واختلف مالك والشافعي في توبة القاذف ما هي؟
فقال الشافعي توبته أن يكذب نفسه.
روي ذلك عن عمر، وقال مالك توبته أن يزداد خيرًا.
ولم يشترط إكذاب نفسه في توبته لجواز أن يكون صادقًا في قذفه.
وقال المهلب وكان المسلمون احتجوا في هذا على أبي بكرة؛ ألا ترى أنهم يروون عنه الأحاديث ويحملون عنه السنة، وهو لم يكذب نفسه وقد قال له عمر ارجع عن قذفك المغيرة ونقبل شهادتك.
وإنما قال له عمر ذلك استظهارًا له في كمال التوبة والرجوع عما قال في القذف، وإن كان يجزئ بصلاح حاله عن تكذيب نفسه في قبول شهادته [1] .
وزاد (خ) عن بعض الناس أبا حنيفة وقد حكاه ابن حزم عن ابن عباس بإسناد من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عنه أنه قال شهادة القاذف لا تجوز وإن تاب.
قال ابن حزم وصح ذلك أيضًا عن الشعبي ومسروق في أحد قوليها والنخعي وابن المسيب في أحد قوليه وعكرمة في أحد قوليه وشريح وسفيان بن سعيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
ثم قال بعده أما أبو حنيفة فما نعلم له سلفًا في قوله إلا شريحًا وحده فقد خالف جمهور العلماء في ذلك وهو غريب منه مع جلالته.
وغيب (خ) على أبي حنيفة الرد حينئذ بشهادة محدودين قد يجاب عنه بأن حالة التحمل لا يشترط فيها العدالة كما ذكر عن بعض الصحابة أنه يحمل في حال كفره ثم روى بعد إسلامه وعتبه عليه أيضًا بأنه أجاز شهادة المحدود والعبد والأمة يرويه الهلال بعد فقال إنه أجراه مجرى الخبر وهو مخالف الشهادة في المعنى لأن المخبر له يدخل في حكم ما شهد به.
وقول (خ) وكيف نعرف توبته وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الزناي سنة ونهى عن كلام كعب وصاحبيه حتى مضى خمسون ليلة هذان قد أسندهما كما سيأتي.
قال ابن بطال بأن شهادة القاذف والزاني والسارق وباب كيف تعرف توبته وكثيرًا ما يفعله (خ) يردف ترجمة على ترجمة وأن بعدما بينهما وأراد بقوله وكيف يعرف توبته إلى آخر الكلام الاحتجاج بقول مالك أنه ليس من شرط توبة ص 2385 القاذف تكذيب نفسه وتخطئتها والرد على من خالفه بأنه من شروط التوبة.
ووجه ذلك أنه عليه السلام بعث معلمًا للناس وأمرهم بالتوبة من ذنوبهم ولم يأمرهم بأن يعلموا بأنهم كانوا على معاصي الله بل يأمرهم بسترها.
واستدل (خ) أن القاذف تائب بصلاح حاله دون إكذابه لنفسه أو اعترافه أنه عصى الله أو خالف أمره بلسانه حين لم يشترط ذلك على الزاني في مدة تغريبه ولا كعب بن مالك وصاحبيه في الخمسين ليلة فإن ادعى اختصاص توبة القاذف فالبيان لازم عليه.
وقال ابن المنير المشكل في هذا توبة القاذف المحق إذا لم يكمل النصاب، أما الكاذب في القذف فتوبته بينة، وأما الصادق في قذفه كيف يتوب فيما بينه وبين الله تعالى وأشبه ما في ذلك عندي أن المعاين للفاحشة لا يجوز أن يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه فإذا كشفه حيث لا نصاب فقد عصى الله وإن كان صادقًا فيتوب من المعصية في الإعلان لا من الصدق.
وحديث السارقة أخرجه (م) والأربعة.
وقوله فيه (( ثنا إسماعيل ثني ابن وهب عن يونس وقال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب عن عروة ) )هذا التعليق أعني تعليق الليث أخرجه (د) عن محمد بن يحيى بن فارس عن أبي صالح عبد الله بن صالح عن الليث عن ثويبة.
وهذه المرأة اسمها فاطمة بنت الأسود ووجه إدخال (خ) حديث عائشة في الباب لقولها فيه فحسنت توبتها؛ لأن فيه دلالة أن السارق إذا تاب وحسنت توبته قبلت شهادته.
وأما حديث زيد بن خالد فوجه إدخاله هنا أنه عليه السلام لم يشترط عليه بعد الحد والتغريب شيئًا ولو كان شرطًا لقبول شهادته لذكره وإنما ذكر قول الثوري وأبي حنيفة للزوم التقابض في قولهما أن القاذف لا تجوز شهادته وهم يجيزونها في مواضع.
وأجاز الثوري شهادته وهو ما حكاه (خ) عن بعض الناس وهو الكوفي وهي مناقضة بينة.
وحديث زيد بن خالد حجة على أبي حنيفة في التغريب أنه لا يجب إلا إذا رآه الإمام.
وقال الشافعي به في المرأة والعبد، وخالفه مالك فيهما.
قال الداودي وما ذكره (خ) من تغريب الزاني وجلده ليس من طريق الشهادة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أبو بكرة ) )هو نفيع مصغر النفع بالفاء ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والمهملة المفتوحات الثقفي و (( شبل ) )بكسر المعجمة وسكون الموحدة (( ابن معبد ) )بفتح الميم والموحدة البجلي أخو أبي بكرة لأمه.
(( ونافع ) )ابن الحارث أخو أبي بكرة لأبيه وأمه والثلاثة الأخوة صحابيون شهدوا مع أخ آخر لأبي بكرة لأمه اسمه زياد بخفة التحتانية على المغيرة وسعيد الثقفي بالزنا، لكن لم يجزم زياد بالشهادة بحقيقة الزنا فلم يثبت فلم يحد المغيرة وجلد الثلاثة، واسم أمهم سمية بضم المهملة وفتح الميم وشدة التحتانية، وزياد ليس له صحبة ولا رواية وكان من دهاة العرب وفصحائهم مات سنة ثلاثة وخمسين.
قوله (( عبد الله بن عتبة ) )بضم المهملة وسكون الفوقانية ابن مسعود الهذلي الصحابي و (( محارب ) )بكسر الراء ضد المصالح (( ابن دثار ) )ضد الشعار و (( شريح ) )بضم المهملة وبإهمال الحاء القاضي.
و (( معاوية بن قرة ) )بضم القاف وشدة الراء البصري و (( أبو الزناد ) )بفتح النون عبد الله بن ذكوان.
قوله (( بعض الناس ) )أراد به أبا حنفية وغرضه أنه تناقض حيث لا يجوز شهادة القاذف وصحح النكاح بشهادته ص 2386 وتحكم حيث جوز شهادة المحدود ولم يجوز شهادة العبد مع أنهما ناقصان عنده، وحيث خصص شهادة الهلال من بين سائر الشهادات.
قال ابن بطال ذكر قول أبي حنيفة ليلزمه التناقض في إجازته النكاح بشهادة محدودين قال وقال أبو حنيفة لا تقبل شهادة القاذف أبدًا وإن تاب.
وأما المحدود بالزنا والسرقة والخمر إذا تابوا قبلت شهادتهم، وقال الاستثناء في قوله تعالى {إلا الذين تابوا} راجع إلى الفسق خاصة.
وقال الشافعي راجع إلى قبول الشهادة أيضًا وهو محقق في أصول الفقه، ثم إن القياس على الزاني والقاتل والشارب بل على الكافر يقتضي القبول، إذ التوبة تمحو الكفر فما دون الكفر بالطريق الأولى.
ثم إن عمر جلد القاذفين للمغيرة واستتابهم وقال من تاب قبلت شهادته وقال هذا بحضرة الصحابة ولو كان تأويل الآية كما أوله الكوفيون لم يسكتوا ولقالوا لعمر لا تجوز قبول توبة القاذف.
قوله (( وكيف تعرف توبته ) )عطف على أول الترجمة وكثيرًا ما يفعله (خ) مثله يردف ترجمة على ترجمة وإن بعد ما بينهما.
قوله (( نفي ) )أي عن البلد أي غربة و (( صاحبيه ) )أي مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
فإن قلت ما وجه تعلق قصتهم بالباب؟ قلت تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك والتخلف عنه من دون إذنه معصية كالسرقة ونحوها.
قال ابن بطال استدل (خ) على أنه لا حاجة إلى إكذاب نفسه بأنه لم يشترط ذلك على الزاني في مدة التغريب ولا على كعب وصاحبيه في الخمسين ليلة، وبحديث عائشة أن السارق إذا تاب وحسن حالته قبلت شهادته، وبحديث زيد أنه صلى الله عليه سلم لم يشترط على الزاني بعد الجلد والتغريب أن لا تقبل شهادته ولو كان ذلك شرطًا لذكره.
قوله (( لم يحصن ) )بفتح الصاد وكسرها، وفيه أن التغريب لازم شرعًا.
قال شارح التراجم لفظ (( وكيف تعرف توبته ) )إشارة إلى أنها تعرف بالقرائن، وفي قصة كعب دليل عليه فإنه لم يعرف توبته إلا بعد مدة.
وأما مطابقة حديث السارقة للترجمة فبقولها حسنت توبتها ومطابقة حديث الزاني فلأنه صلى الله عليه وسلم قال في ماعز (( التوبة حصلت بالحد ) )وهذا مثله.
الزركشي
قول (خ) في ترجمة (( باب شهادة القاذف، إلى أن قال وكيف تعرف توبته ) )هذه كالترجمة المستقلة المعروفة، ثم بين كيفية المعرفة بالتوبة بتعريف من يغرب مدة معلومة، وهجران الشخص مدة معلومة، حتى تتحقق ويحسن الحال، وهو معنى قول أصحابنا الفقهاء لا بد من مضي مدة الاستبراء.
(( شبل ) )بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة.
(( أن امرأةً سرقت في غزوة الفتح ) )هي فاطمة بنت الأسود، انتهى كلام الزركشي.
أقول هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، وقيل أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لو أن فاطمة بنت محمد سرقت فإن الصحيح أن السارقة هي فاطمة بنت الأسود لا أم عمرو.
[1] في هامش المخطوط (( أقول المشهور أن(خ) يعني ببعض الناس أبا حنيفة وقد ذكر ابن المنذر في كتابه الأشراف عن أبي ثور في مسألة في باب الغضب أنه قال قال بعض الناس يعني به أبا حنيفة فكيف هذا من قول (خ) وحده بل وافقه أبو ثور في ذلك )).