قال مجاهد لا يتعلم العلم سيجيء إلى آخره. قوله إن الله لا يستحيي من الحق إلى آخره، قوله إن من الشجر شجرة الحديث، أراد (خ) بهذا الباب أن الحياء المانع من تحصيل العلم مذموم، ولذلك بدأ بقول مجاهد وعائشة، والحياء الواقع على وجه التوقير والإجلال مطلوب حسن كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها.
وحديث أم سلمة سلف رواته خلا زينب بنت أم سلمة، وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال كان اسمها برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها، وهي أخت عمر وسلمة ودرة. روى لها (خ) حديثًا، و (م) آخر، وقتل لها يوم الحرة ابنان فاسترجعت، ماتت سنة ثلاث وسبعين.
هذا الحديث أخرجه (خ) هنا، وفي الطهارة، والأدب، وخلق آدم، وأخرجه (م) والأربعة في الطهارة.
قوله (( لا يستحيي من الحق ) )أي لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره فتعتذر به، فعبر بالحياء عن الأمر به، من باب إطلاق اسم التعليق على المتعلق؛ لأن الله لا يوصف بالاستحياء على حد ما يوصف به المخلوق؛ لأنه منهم تغير وانكسار بتغير الأحوال، والله منزه عن ذلك، قدمت أم سليم هذا القول بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره.
ومعنى (( تربت ) )افتقرت. يقال ترب الرجل إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، هذا هو المشهور، وهذه الكلمة وشبهها تجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء، وعليه يحمل كل ما في الحديث من هذا وشبهه.
ومنه قوله في حديث خزيمة (( أنعم صباحًا تربت يداك ) )فأراد الدعاء له ولم يرد الدعاء عليه. والعرب تقول لا أم لك، ولا أب لك، يريدون لله درك، فتستعمل هذه الألفاظ عند الإنكار على الشيء أو التأنيب أو الإعجاب أو الاستعظام، دون إرادة معناها الأصلي.
وأخرج (م) منفردًا به من حديث أنس أن أم سليم سألت ذلك بحضرة عائشة، وأن عائشة أنكرت ذلك عليها، فيحتمل كما قال القاضي أن عائشة وأم سلمة كانتا أنكرتا عليها، فأجاب عليه السلام كل واحدة بما أجاب، وإن كان أهل الحديث يقولون إن الصحيح هنا أم سلمة لا عائشة.
وإنما قالت أم سلمة ما قالت؛ لأنهن يستحيين منه؛ لأن خروجه منهن يدل على قوة شهوتهن، أو لأنه يقل فيهن، ولهذا جاء في (م) فضحت النساء، أي كشفت من أسرارهن ما يكنه من الحاجة إلى الرجال، ورؤية الاحتلام.
قوله يشبهها الشبه، والشبه واحد يريد شبه الابن لأحد أبويه كما جاء مبينًا في (( الصحيح ) ) (( إذا علا ماؤها ماءه؛ آنث أي أشبه أخواله وإذا عكس أذكر ) )، أي أشبه أعمامه، واستدل بعضهم على رد من يقول إن ماء الرجل يخالط دم المرأة، وإن ماءه كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب.
وفيه أن المرأة تحتلم ويعرف منيها بالتدفق والتلذذ والرائحة كمني الرجل وأنكر جماعة تدفقه، وفيه أن الحياء لا يمنع ص 423 من طلب الحق.
فائدة جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم، منهن خولة بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وبسر، وسهلة بنت سهيل رواه الطبراني في (( الأوسط ) )وفي إسناده ابن لهيعة، وسلف حديث ابن عمر في باب قول المحدث ثنا وأنبا.
وفيه حرص الرجل على ظهور ابنه في العلم على من هو أكبر سنا منه، فإن في آخره (( قال عبد الله فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال لأن أكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا ) ).
وإنما تمنى ذلك رجاء أن يسر النبي صلى الله عليه وسلم بإجابته، فيدعو له، وقد كان عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس قد نزع الناس بلسانه فقال من هذا الذي نزل عن القوم في سنه ومدته وتقدمهم في قوله وحكمته.
~وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
أقول وعكست أنا هذا وقلت
~وإن صغير القوم ذا العلم والتقى كبير إذا التفت عليه المحافل
وفيه أن الابن العالم الموفق أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( الحياء ) )ممدود هو الاستحياء وقد مر تعريفه ومباحثه في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس قال أهل العربية يقال استحيا بياء قبل الألف يستحيي بياءين، ويقال أيضًا استحى يستحي بياء واحدة في المضارع، فعلى هذا يجوز يستحيي ويستح بدون الياء، فوزنه يستفع أو مستفا. والاستكبار والتكبر هو التعظم.
و (( قالت ) )هو عطف على قال مجاهد وذكرهما (خ) تعليقًا منهما، ويحتمل أن يكون وقال عطفًا على لا يتعلم فيكون من مقول مجاهد أيضًا، والأصح أن مجاهدًا سمع من عائشة لكن الظاهر الأول ونساء الأنصار نساء أهل المدينة من المؤمنين.
قوله (( زينب ) )بنت أم سلمة بفتح اللام هي بنت عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أبي سلمة، ونسبت إلى الأم التي هي أم المؤمنين بيانًا لشرفها؛ لأنها ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإشعارًا بأن روايتها من أمها.
قوله (( أم سليم ) )بضم المهملة وفتح اللام بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالمهملة وبالنون النجارية الأنصارية اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة بالراء فيهما، وبالمثلثة في الثاني أو مليكة أو الغميصاء أو الرميصاء بالصاد المهملة فيهما، والخمسة الأخيرة بصيغة التصغير تزوجها مالك بن النضر بالضاد المنقوطة، أبو أنس بن مالك فولدت له أنسًا، ثم قتل عنها مشركًا فأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم فقالت له إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة، روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر حديثًا، خرج (خ) منها ثلاثًا وهي من فاضلات الصحابيات.
قوله (( لا يستحيي ) )أي لا يمتنع من بيان الحق فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما تستحي النساء في العادة من السؤال عنه؛ لأن نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال.
قوله (( من غسل ) )بضم الغين واسم الفعل المشهور وبفتح الغين وهو مصدر، وأما الغسل بالكسر فهو اسم ما يغتسل ومن زائدة؛ أي هل غسل يجب على المرأة و (( احتلمت ) )مشتق من الحلم بالضم وهو ما يراه النائم تقول فيه حلم بالفتح واحتلم.
قوله (( إذا رأت الماء ) )ص 424 أي عليها غسل حين رأت المني إذا انتبهت وإذا ظرفية أو إذا رأت وجب عليها غسل فإذا شرطية فلو رأى النائم أنه يجامع وأنه قد أنزل ثم يستيقظ فلا يرى منيًا فلا غسل عليه.
قوله (( فغطت أم سلمة ) )الظاهر أنه من كلام زينب، والحديث ملفق من رواية صحابيتين ويحتمل أن يكون من أم سلمة على سبيل الالتفات كأنها جردت من نفسها شخصًا فأسندت إليه التغطية إذ أصل الكلام فغطيت وجهي وقلت يا رسول الله.
قوله (( تعني وجهها ) )هذا الإدراج من عروة ظاهرًا، ويحتمل أن يكون من راو آخر، وهذا إدراج في إدراج، قوله (( وتحتلم المرأة ) )هو عطف على مقدر يقتضيه السياق أي أتقول ذلك أو أترى المرأة الماء وتحتلم ونحوه.
قوله (( تربت يمينك ) )أي يدك وفيه خلاف كثير، والأقوى في معناه أنها كلمة أصلها افتقرت، ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي فيذكرون تربت يمينك أو يداك، وقاتله الله ولا أب لك وما أشبهه يقولونها عند إنكار الشيء أو الزجر عنه أو الذم عليه أو الحث عليه أو الإعجاب به، قيل إنه ليس بدعاء بل هو خبر لا يراد حقيقته.
قوله (( فيم ) )أصله فيما فحذفت الألف، ومعناه أن الولد لا يشبه الأم إلا لأن ماءها يغلب ماء الرجل عند الجماع، ومن كان منه إنزال الماء عند المجامعة أمكن منه إنزال الماء عند الاحتلام، وفيه أن المرأة تحتلم غير أن ذلك نادر في النساء ولذلك أنكرته أم سلمة.
قوله (( لأن يكون ) )بفتح اللام. فإن قلت يكون مستقبل وقلت ماض، وحق الظاهر أن يقال لأن كنت قلبها، قلت الغرض منه لأن يكون في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي أحب إلي من كذا وكذا؛ أي من حمر النعم وغيرها ولفظ كذا موضوع للعدد وهو من الكنايات.