فهرس الكتاب

الصفحة 1173 من 3844

16 -باب قول الله تعالى {وكلوا واشربوا} الآية [البقرة187]

ثم ذكر

حديث عدي بن حاتم قال لما نزلت {حتى يتبين لكم} ، الحديث.

وحديث سهل بن سعد من طريقين عنه لما أنزلت {وكلوا واشربوا} .

حديث عدي يأتي في التفسير أيضًا، وقال (( إن وسادك إذًا لعريض ) )، وقال في رواية (( إنك لعريض القفا ) ).

والعقال فيه الحبل و (( {الخيط} ) )اللون عند أهل اللغة، وبيانه في حديث عدي (( سواد الليل وبياض النهار ) )، فخيط الفجر بياض الصبح أول ما يبدو عندنا بخيط ثم ينشر.

وقال أبو عبيد {الخيط الأبيض} ص 1815 هو الصبح المصدق، و {الأسود} هو الليل، و {الخيط} هو النور.

واختلف في الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب على من يريد الصوم كما فرضه ابن المنذر، فقال الأربعة وأبو ثور إنه يحرم عند اعتراض الفجر الآخر في الأفق وهو المنتشر ضوؤه معترضًا به، وروي معناه عن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء وعوام علماء الأمصار.

وقال بعض أهل العلم _ فيما حكاه الحازمي _ إن حديث حذيفة كان في أول الأمر ثم نسخ بدليل حديثي الباب. وتأول بعضهم قوله في حديثي عدي (( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) ). وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت.

وقال ابن قزعة {الخيط الأبيض} هو الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، قال وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده، وقد شذ، ولم يعرج أحد على قوله، قال والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى الغروب، هذا قول جماعة المسلمين.

وقال الطبري الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها، وهذا ليس بصحيح منه كما نبه عليه القرطبي؛ لأن الله تعالى أمر بصوم ما يقال عليه يوم لا ما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى {أياما معدودات} [البقرة184] .

واختلف فيمن أكل وهو شاك في طلوع الفجر، فقالت طائفة الأكل والشرب مباح حتى يتبين طلوع الفجر، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور، كلهم قال لا قضاء عليه، وليس كمن يأكل وهو يشك في غروب الشمس إذ الأصل بقاء النهار، والأصل هناك بقاء الليل، وقال مالك من أكل وهو شاك في الفجر فعليه القضاء.

واحتج الأولون بما أسلفناه، وهو القياس، قال تعالى {كلوا واشربوا} الآية، وهو العلم به، وليس الشك علمًا به، ولكن الاحتياط أن لا يأكل في شك، والبناء على اليقين من قواعد الدين، والشك مطرح، كما في الشك في الصلاة، وهذه المسألة مبنية على ما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث.

وفي حديث عدي وسهل أن الحكم للمعاني لا للألفاظ، بخلاف قول أهل الظاهر.

قوله (( فعلموا إنما يعني الليل والنهار ) )حجة في أن النهار من طلوع الفجر. [1]

قوله (( عريض القفا ) )قال الخطابي تفسر على وجهين

أحدهما أن تكون كناية عن الغباوة أو سلامة الصدر، يقال للرجل الغبي إنك لعريض القفا.

والآخر أن يكون أراد إنك غليظ؛ الرقبة، وافر اللحم؛ لأن من أكل بعد الفجر لم ينهكه الصوم ولم يبن له أثر فيه.

قوله (( إن وسادك لعريض ) )أي إن نومك إذًا لطويل، كني بالوسادة عن النوم، ومعنى العريض السعة والكثرة إذا لم يرد ضد الطول.

قوله في حديث سهل (( حتى يتبين له رؤيتهما ) )ضبطت هذه اللفظة على ما في (( المطالع ) )وغيره على ثلاثة أوجه

أحدها (( ريئهما ) )براء مكسورة ثم ياء ساكنة ثم همزة ومعناه منظرهما، ومنه قول تعالى {أحسن أثاثًا ورءيًا} [مريم74] .

ثانيها (( زيهما ) )بزاي مكسورة ثم ياء مشددة بلا همز ومعناه كونهما.

ثالثها رئيهما بفتح الراء وكسرها وتشديد الياء.

قال عياض هذا غلط هنا؛ لأن الرئي التابع من الجن فإن صح فمعناه مرئي.

وفي حديث ص 1816 سهل أن الله تعالى لم ينزل (( {من الفجر} ) )إلا منفصلًا عن قوله (( {من الخيط الأسود} ) )، ويجمع _ كما قال القرطبي _ بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، إنما سمع الآية مجردة، وعلى هذا فيكون (( {من الفجر} ) )متعلقًا بـ (( {يتبين} ) )وعلى مقتضى حديث سهل في موضع الحال متعلقًا بمحذوف.

قال ويحتمل أن تكونا قضية واحدة.

وذكر بعض الرواة (( {من الفجر} ) )متصلًا بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل متفرقًا كما بينه حديث سهل.

وفي حديث سهل (( كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ... فأنزل الله {من الفجر} ) )فدل هذا على أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك إلى أن أسلم عدي في السنة التاسعة، وقيل العاشرة، حتى أخبره رسول الله بأن ذلك سواد الليل وبياض النهار.

[2] قال وقوله (( فأنزل الله بعد ذلك {من الفجر} ) )روي أنه كان بينهما عام.

وقال عياض وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أولًا ثم نسخ بقوله {من الفجر} كما أشار الطحاوي والداودي، وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوله من لم يكن مخالطًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده، أو لم تكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( أمية ) )أي باقون على الحال التي ولدتنا عليها الأمهات من عدم الكتابة والقراءة، وهو نسبة إلى الأم وصفتها؛ لأن هذه صفة النساء غالبًا وقيل إنه منسوب إلى أمة العرب؛ لأنهم ليسوا أهل الكتابة.

قوله (( لا نكتب ) )فإن قلت العرب فيهم الكاتب وأكثرهم يعرفون الحساب؟ قلت المراد أن أكثرهم أميون والحساب هو حساب النجوم وهم لا يعرفونه.

قال ابن بطال أي لا يحسبون بالقوانين الغائبة عنا وإنما يحسبون الموجودات أعيانًا.

قوله (( صومه ) )أي المعتاد كصوم الورد أو النذر أو القضاء أو الكفارة؛ أي لا يستقبلوه بنية رمضان.

قالوا يكره صوم آخر شعبان يومًا أو يومين وعلته أن الرجل ينبغي أن يستريح من الصوم ليحصل له قوة ونشاط ولا يثقل عليه دخول رمضان، وقيل هي اختلاط صوم النفل بالفرض؛ فإنه يورث الشك بين الناس.

وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصوم وقيده بالرؤية فهو كالعلة للحكم فمن قدمه بصوم يوم أو يومين فقد حاول الطعن في العلة، وأما القضاء والنذر ففيه ضرورة؛ لأنها فرض، وأما الورد فتركه أيضًا شديد؛ لأنه فطام عن المألوف ومحصله أن ليس من باب استقبال رمضان.

قوله (( قيس ) )بفتح القاف وسكون التحتانية وبالمهملة (( ابن صرمة ) )بكسر المهملة وسكون الراء وغلبة العينين عبارة عن النوم وفي بعضها بلفظ المفرد.

و (( خيبة ) )مفعول مطلق يجب حذف فاعله.

وقال بعض النحاة إذا كان بدون اللام يجب نصبه ص 1817 وإذا كان مع اللام جاز نصبه، والخيبة الحرمان، يقال خاب الرجل إذا لم ينل ما طلب.

قوله (( فنزلت هذه الآية ) )فإن قلت ما وجه المناسبة بينها وبين حكاية قيس؟

قلت لما صار الرفث حلالًا فالأكل والشرب بالطريق الأولى وحيث كان حلهما بالمفهوم نزلت بعده {كلوا واشربوا} ليعلم بالمنطوق تصريحًا بتسهيل الأمر عليهم ودفعًا لجنس الضرر الذي وقع لقيس ونحوه، أو المراد من الآية هي تمامها إلى آخرها حتى يتناول {كلوا واشربوا} فالغرض من ذكر (( نزلت ) )ثانيًا هو بيان نزول لفظ (( {من الفجر} ) )بعد ذلك.

قوله (( فيه البراء ) )أي روى البراء بن عازب الصحابي فيما يتعلق بهذا الباب حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يكن على شرط (خ) لم يذكر فيه.

والعقال _ بكسر العين المهملة وبالقاف وباللام _ الحبل و (( لا يستبين ) )أي لا يظهر.

قوله (( ابن أبي حازم ) )بالمهملة والزاي واسم الابن عبد العزيز واسم الأب سلمة بن دينار.

قوله (( علموا بعد ) )أي بعد نزول (( {من الفجر} ) ).

فإن قلت لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما تقرر في أصول الفقه؟

قلت كان استعمال الخيطين في الليل والنهار شائعًا غير محتاج إلى البيان فاشتبه على بعضهم فحملوه على العقالين.

قال النووي فعل ذلك من لم يكن مخالطًا لرسول الله، بل هو من الأعراب.

فإن قلت ما المراد بهما؟ قلت الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والأسود ما يمتد معه من غلس الليل شبها بالخيط.

فإن قلت أهو تشبيه أم استعارة أم حقيقة مع قطع النظر عن التشبيه؟

قلت قالوا هو تشبيه؛ لأن الطرفين مذكوران وقبل نزول (( {من الفجر} ) )كان استعارة.

فإن قلت الاستعارة أبلغ فلم عدل إلى التشبيه؟

قلت التشبيه الكامل أولى من الاستعارة الناقصة لفوات شرط حسنها وهو كون الشبه بين المستعار له والمستعار منه جليًا بنفسه معروفًا بين سائر الأقوام، وهذا قد كان مشتبهًا على بعضهم.

فإن قلت على مذهب من يحوجه إلى البيان يقال (( {من الفجر} ) )بيان للخيط الأول فماذا يجعله بيانًا لـ (( {الخيط الأسود} ) )؟

قلت بيان أحدهما مشعر ببيان الآخر فاكتفى بأحدهما عن الآخر.

الزركشي

(( قيس بن صرم ) )بكسر المهملة.

قال الداودي وابن التين يحتمل أن يكون هذا غير محفوظ إنما هو صرمة، يعني كما ذكره أبو نعيم في (( معرفة الصحابة ) )وغيره فقال صرمة بن أبي أنس، وقيل ابن قيس الخطمي.

(( فقالت خيبةً لك ) )نصب على المصدر.

(( حصين بن عبد الرحمن ) )بضم الحاء.

(( العقال ) )الخيط، وباقي الحديث يأتي في التفسير، إلا أن حديث عدي يقتضي نزول قوله تعالى (( {من الفجر} [البقرة 187] ) )من أجل الفجر متصلًا بقوله تعالى (( {من الخيط الأسود} [البقرة 187] ) )فإنه حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله (( {من الفجر} ) )ص 1818 من أجل الفجر، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد الذي بعده؛ فإن فيه أنه لم ينزل إلا منفصلًا، فإن حمل الحديثان على واقعتين في وقتين فلا إشكال، وإلا فيحتمل أن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة ففهمها على ما وصل إليه ذهنه حتى تبين له الصواب، وعلى هذا فيكون (( {الفجر} ) )متعلقًا بـ (( {يتبين} ) )، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف، قاله في (( المفهم ) ).

(( حتى يتبين له رئيهما ) )بكسر الراء وهمزة ساكنة وياء مثناة من تحت مرفوعة بمعنى المنظر، ومنه قوله تعالى {أثاثًا ورئيًا} [مريم74] .

قال القاضي وغيره هذا صواب ضبطه، ولبعضهم بفتح الراء وكسر الهمزة، ولا وجه له هنا؛ لأن الرئي هو التابع من الجن، وحكى النووي ثالثة وهي راء مكسورة وياء مشددة بلا همز، ومعناه لونهما.

[1] في هامش المخطوط (( أقول النهار الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والنهار النبوي من طلوع الشمس إلى غروبها. فإن قلت ما الحكمة في ذلك؟ ولم لم يجعل كنهار أهل الهيئة؟ ) )

[2] في هامش المخطوط (( فائدة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت