فهرس الكتاب

الصفحة 1245 من 3844

1 -باب ما جاء في قول الله عز وجل {فإذا قضيت الصلاة} الآية [الجمعة10 _ 11]

فيه حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال إنكم تقولون، الحديث. وقد سلف في باب حفظ العلم.

وذكر حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال قال عبد الرحمن لما قدم المدينة، الحديث.

وذكر بعده حديث حميد، عن أنس بنحوه.

وحديث ابن عباس قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا، الحديث.

وقد سلف في الحج.

لما فرغ البخاري من بيان العبادات المقصود بها التحصيل الأخروي شرع في بيان المعاملات المقصود بها التحصيل الدنيوي، فقدم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات؛ لأنها ضرورية، وأخر النكاح؛ لأن شهوته متأخرة عن الأكل ونحوه، وأخر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو عند الفراغ من شهوة البطن والفرج.

وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد، وأخر البيوع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور، ولا أدري لم فعل ذلك؟ وأسلفنا أنه قدم الصوم على الحج.

وجمع البيوع بأنواعه، وغيره أفرده تبركًا بلفظ القرآن، وهو في اللغة مقابلة شيء بشيء ويسمى شراء أيضًا، قال تعالى {وشروه بثمن بخس} [يوسف20] ويسمى كل واحد من المتبايعين بائعًا ومشتريًا.

ونحوه بعته وأبعته ص 1907 بمعنى، وكذا باع وأباع، قيل سمي بيعًا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا، وغلط قائله؛ لأن المصادر غير مشتقة، ولأن الباع من ذوات الواو، والبيع من ذوات الياء.

ثم استفتحه بقوله (( {أحل الله البيع} [البقرة؛ 275] ) )ولم يذكر الواو فيما رأيناه من أصوله، وأصح أقوال الشافعي؛ أنها عامة مخصوصة؛ وهو بناء على أن المفرد المعرف بأل يعم، وهو ما عليه الأكثرون.

والآية الثالثة (( {فإذا قضيت الصلاة} [الجمعة10] ) )إلى آخر السورة، وهي مدنية بإجماع.

قوله {فانتشروا} جماعة أهل العلم على أنه إباحة بعد حظر، وقيل هو أمر على بابه.

وقال الداودي هو على الإباحة لمن له كفاف أو لا يطيق التكسب، وفرض على من لا شيء له ويطيق التكسب.

وقال غيره من يعطف عليه بسؤال أو غيره ليس طلب الكفاف عليه بفريضة.

{وابتغوا من فضل الله} أي اطلبوا {واذكروا الله كثيرًا} [الجمعة10] أي على كل حال، ولعل من الله واجب، والفلاح الفوز والبقاء. واللهو الطبل.

هو دحية الكلبي وافى بتجارة، وقال كانوا في مجاعة وكان الطعام إذا جاءوا به ضرب الطبل، وقيل الغناء، وقيل اللعب [1] .

{انفضوا إليها} في الكلام حذف إن كان لهوًا انفضوا إليه، أو تجارة إليها، كقوله

~نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف

وأعاد الضمير على التجارة؛ لأنها المقصود لا اللهو.

{وتركوك قائمًا} أي في خطبتك ومعه اثني عشر رجلًا، منهم أبو بكر، وعمر، أو ثمانية.

قال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لو تبع آخرهم أولهم اضطرم الوادي نارًا عليهم ) ).

{قل ما عند الله خير} أي ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة. {والله خير الرازقين} [الجمعة11] فارغبوا إليه في سعتها.

واستفتحه أيضًا بقوله تعالى (( {إلا أن تكون تجارة عن تراض} [النساء29] ) )أي فليست من الباطل؛ لأنه بحق، والباطل بغير حق، وهذا استثناء منقطع بالإجماع؛ أي لكن لكم أكلها تجارة عن تراض منكم، وخص الأكل بالنهي؛ تنبيه على غيره؛ لكونه معظم المقصود من المال، كما قال {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا} [النساء10] و {الذين يأكلون الربا} [البقرة275] ، وقام الإجماع على التصرف في المال الحرام باطل حرام، سواء كان أكلًا أو بيعًا أو هبة أو غير ذلك.

والباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالزنا، والغصب والسرقة، وكل محرم ورد الشرع به.

وفي {تجارة} قولان الرفع على أن {تكون} تامة، والنصب على تقدير لا يكون المأكول تجارة، أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف.

وقال الواقدي الأجود الرفع لأنه أدل على انقطاع الاستثناء؛ ولأنه لا يحتاج إلى إضمار.

ثم الآيات التي ذكرها (خ) ظاهرة في إباحة التجارة، إلا قوله {وإذا رأوا تجارة} فإنها عتب عليها، وهي أدخل في النهي منها في الإباحة لها، لكن مفهوم النهي عن تركه قائمًا اهتمام أيضًا تشعر أنها لو خلت من المعارض الراجح لم تدخل في العتب، بل كانت حينئذ مباحة.

وقد أباح الله تعالى التجارة في كتابه وأمر بالابتغاء من فضله، وكان أفاضل الصحابة يتجرون ويحترفون في طلب المعاش، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة؛ خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم.

روي عن حماد بن زيد أنه قال كنت عند الأوزاعي فحدثه شيخ كان عنده أن عيسى عليه السلام قال إن الله يحب العبد يتعلم المهنة ص 1908 يستغني بها عن الناس، وإن الله تعالى يبغض العبد يتعلم العلم يجعله مهنة.

وقال أبو قلابة لأيوب السختياني يا أيوب الزم السوق؛ فإن الغنى من العافية. وقد سلف قريبًا ما يخالف ذلك.

والحديث الأول فيه (( ابن المسيب ) )بفتح الياء، وكسرها.

قال علي بن المديني أهل المدينة على الثاني، وأهل الكوفة على الأول.

و (( يشغلهم ) )بفتح الياء و (( السفق ) )بالسين، كذا وقع في بعض روايات أبي الحسن، وفي بعضها ورواية أبي ذر بالصاد.

قال الخليل كل صاد تجيء قبل القاف، وكل سين تجيء بعد القاف فللعرب فيها لغتان سين وصاد، ولا يبالوا إن اتصلت أو انفصلت بعد أن يكونا في كلمة، إلا أن الصاد في بعض أحسن، والسين في بعض أحسن.

وموضع الترجمة قوله (( سفق بالأسواق ) )وأراد بالصفق صفق الأكف عند البيع، كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف علامة على انبرام البيع؛ وذلك لأن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي والقبض بها يقع، فإذا تصافقت الأكف استقرت كل يد بها على ما اشترت.

قوله (( وكنت امرأ مسكينًا ) )فيه ذكر ما كانوا عليه من المسكنة على غير الشكوى.

وفيه ذكره للزومه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله (( وكان يشغل إخوتي ) )قال الداودي وإنما أصلحوها؛ للنهي عن إضاعة المال، وشغل ثلاثي.

قال ابن فارس لا يكادون يقولون أشغل وهو جائز [2] .

قوله (( أعي حين ينسون ) )أي أحفظ.

قوله (( فبسطت نمرة ) )قال ثعلب النمرة ثوب مخطط تلبسه العجوز، وقال ابن فارس هي كساء ملون، وقال القتبي هي بردة تلبسها الإماء، وجمعها نمرات ونمار.

وقال الهروي هو إزار من صوف، وقال القزاز هي دراعة تلبس أو تجعل على الرأس، فيها سواد وبياض. وجزم ابن بطال أنه ثوب مخمل من وبر أو صوف.

قوله (( فما نسيت من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم ) )يريد ما بعد ذلك، وفيه جواز نسيانه لما قبله.

وفي الحديث الثاني مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه.

وفيه مواساة النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار، وقد مدحهم الله في كتابه فقال {ويؤثرون على أنفسهم} الآية [الحشر9] وكان هذا القول قبل أن يسأل رسول الله الأنصار أن يكفوا المهاجرين العمل، ويعطوهم نصف الثمرة.

وفيه تعفف عبد الرحمن عن أخذ ما يجوز، وكان مجيدًا في التجارة، ومات عن مال جسيم.

و (( قينقاع ) )مثلث النون.

قال ابن التين ضبط في أكثر نسخ أبي الحسن بكسر النون، وفي بعضها بضمها، ولم يذكر الفتح، وهو شعب من يهود المدينة أضيفت إليهم السوق، وينصرف على إرادة الحي ولا ينصرف على إرادة القبيلة، وهم أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم ص 1909 حتى نزلوا على حكمه.

وأثر الصفرة المذكور هو الوضر _ بالضاد والراء _ في الرواية الأخرى، وهو التلطخ بخلوق أو طيب له لون.

قال أبو عبد الملك كانت الأنصار إذا دخل الزوج بزوجة كسته ثوبًا مصبوغًا بصفرة يعرف بأنه عروس.

وقال الداودي فيه ما يصيب العروس من طرف الزوجة.

وفيه سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن أحوالهم وكم مقدار صداقهم.

قوله (( زنة نواة من ذهب _ أو نواة من ذهب _ ) )النواة خمسة دراهم، قاله أوس وغيره، وقيل إنه وهم.

قال أبو عبيد كان بعض الناس يقول لم يكن ثم ذهب إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما سميت الأربعون أوقية والعشرون.

وقال الأزهري لفظ الحديث يدل على أنه تزوجها على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال (( نواة من ذهب ) )، فلست أدري لم أنكره أبو عبيد؟ وقال أبو عبد الملك (( زنة نواة من ذهب ) )مثل ثمن دينار أو سدس، وعوضه خمسة دراهم من الفضة.

وقال الخطابي هي زنة خمسة دراهم ذهبًا كان أو فضة، وعن أحمد زنة ثلاثة دراهم، زاد (ت) عنه وثلث، وقيل وزن نواة التمر من ذهب، وقيل ربع دينار.

قوله (( أولم ولو بشاة ) )أخذ بظاهره الشافعي في أحد قوليه وأحمد وقالا الوليمة واجبة، وبه قال داود، وقال مالك والشافعي في أظهر قوليه إنها مستحبة وحملا على الاستحباب.

وظاهر الحديث بعد الدخول _ كما قال أبو عبد الملك _ والمعروف أنها عنده.

وفيه أن العيش بالتجارة والصناعة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش بالصدقات أو الهبات.

ثم اعلم أن هذا الحديث رواه (خ) هنا عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال قال عبد الرحمن لما قدمنا المدينة، وذكره في فضائل الأنصار عن إسماعيل بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال لما قدموا المدينة، وظاهره الإرسال؛ لأنه إن كان الضمير في جده يعود إلى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، فيكون الجد فيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وإبراهيم لم يشهد من المؤاخاة؛ لأنه توفي بعد التسعين قطعًا عن خمس وسبعين سنة، وقيل إنه ولد في حياته، ولا تصح له رواية عنه، وأمر المؤاخاة كان حين الهجرة، وإن عاد إلى جد سعد بن إبراهيم، فيكون على هذا سعد روى عن جده عبد الرحمن، وهذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن توفي سنة اثنين وثلاثين، ومات سعد سنة ست وعشرين ومائة عن ثلاث وسبعين سنة، ولكن الحديث المذكور هنا ويبطل لأن إبراهيم قال فيه (( قال عبد الرحمن بن عوف ) )، يوضح ذلك رواية أبي نعيم لما قال عن جده، عن عبد الرحمن بن عوف قال لما قدمنا المدينة، الحديث.

وكذا ذكره أصحاب الأطراف، وقد أخرجه (م) من حديث أنس، عن ابن عوف، وكذا هو في (( الموطأ ) ).

وأما حديث أنس بقوله في سعد (( وكان ذا غنى ) )هو مقصور؛ أي المال، وكانوا يستكثرون منه ص 1910 للمواساة، ونعم المغبط عليه. والأقط من اللبن معروف كالجبن.

وهذه المؤاخاة ذكرها ابن إسحاق في أول سنة من سني الهجرة بين المهاجرين والأنصار، ولها سببان

أحدهما أنه أجراهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف، فإنهم كانوا يتوارثون به، فقال عليه السلام (( لا حلف في الإسلام ) )، وأثبت المؤاخاة؛ لأن الإنسان إذا فطم مما يألفه علل بجنسه.

ثانيها أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال وإلى المنزل فنزلوا على الأنصار، فأكدوا هذه المخالطة بالمؤاخاة، ولم يكن بعد بدر مؤاخاة؛ لأن الغنائم استغني بها.

والمؤاخاة مفاعلة من الأخوة، ومعناها أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمواساة حتى يصيرا كالأخوين نسبًا، وقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الصحابة مرتين مرة بمكة قبل الهجرة، والأخرى بعدها، ذكره القرطبي.

وقال ابن عبد البر والصحيح في المؤاخاة في المدينة بعد بنائه المسجد، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حتى نزلت {وأولو الأرحام} الآية [الأنفال75] ، وقيل كان قبل ذلك والمسجد يبنى.

وقيل بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر.

وفي (( تاريخ ابن خيثمة ) )عن زيد بن [أبي] أوفى أنها كانت في المسجد، وكانوا مائة خمسون من الأنصار، وخمسون من المهاجرين.

والمرأة التي تزوجها عبد الرحمن بن عوف هي ابنة أبي الحيس أنيس بن رافع بن امرئ القيس ابن زيد بن عبد الأشهل.

فإن قلت جاء النهي عن التزعفر فكيف الجمع بينه وبين أثر الصفرة والوضر؟

قلت من أوجه

1 أنه كان يسيرًا فلم ينكره.

2 أن ذلك علق من ثوبها من غير قصد.

3 أنه كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا لسروره وزواجه، وقيل كانت المرأة تكسوه إياه وقد سلف، وقيل إن هذا غير معروف، وقيل إنه كان يفعل ذلك ليعان على الوليمة.

4 قاله أبو عبيد كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه.

5 أنه يحتمل أن ذلك كان في ثوبه دون بدنه، ومذهب مالك جوازه وحكاه عن علماء بلده، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرجال.

وذكر الصفرة في الحديث؛ لأنها أحسن الألوان كما قاله ابن عباس، قال تعالى {فاقع لونها تسر الناظرين} [البقرة69] قال فقرن السرور بالصفرة.

قوله (( مهيم؟ ) )هو بفتح الميم وسكون الهاء ثم مثناة تحت، ثم ميم، وهي كلمة يمانية؛ أي ما شانك؟.

وذكر (خ) هذا الحديث في النكاح، في باب كيف يدعى للمتزوج؟ لقوله (( بارك الله لك ) )فيه ردًا على ما كانت العرب تقوله بالرفاء والبنين، لما قيل ذلك لعقيل بن أبي طالب قال لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قال صلى الله عليه وسلم (( بارك الله لك وبارك عليك ) )، أخرجه (ن) .

وفي (ت) _ وقال حسن صحيح _ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان _ إذا تزوج _ قال (( بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ) ).

أقول قال ابن الأثير (( نهى أن يقال بالرفاء والبنين ) )الرفاء الالتئام والاتفاق ص 1911 والبركة والنماء، وهو من قولهم رفأت الثوب رفأ ورفوته رفوًا، وإنما نهى عنه كراهية؛ لأنه كان من عادتهم، ولهذا سن فيه غيره. انتهى.

قوله (( أولم ولو بشاة ) )ظاهر قوله أنها أقل ما تتأدى به السنة، وفيه دلالة على الاستكثار منها ما لم يرد إلى الرياء، قاله الداودي.

قال القاضي والإجماع أنه لا حد لقدرها المجزئ. وقال الخطابي الشاة للقادر عليها وإلا فلا حرج، قد أولم صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بسويق وتمر.

فرع كرهت طائفة الوليمة أكثر من يومين. وعن مالك أسبوعًا.

و (( عكاظ ومجنة ) )بفتح الميم و (( ذو المجاز ) )أسواق في الجاهلية عند عرفات.

وقول ابن عباس (( في مواسم الحج ) )كالتفسير، إذا لم يكتب بين اللوحين.

وفيه من الفوائد في حديث عبد الرحمن لا بأس بالشريف أن يتصرف في الأسوق بالبيع والشراء، ويتعفف بذلك عما يبذل له من المال وغيره، والأخذ بالشدة على نفسه في أمر معاشه، وأن العيش من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبهها، وبركة التجارة والمؤاخاة على التعاون في أمر الله تعالى، وبذل المال لمن يوافي عليه.

وفي حديث أبي هريرة الحرص على التعلم، وإيثار طلبه على طلب المال، وفضيلة ظاهرة لأبي هريرة، وأنه عليه السلام خصه ببسط ردائه وضمه.

قوله (( من مساكين الصفة ) )كان رئيسهم، والعرب تقول صففت البيت وأصففته جعلت له صفة _ وهي السقيفة _ أمامه، وأصحاب الصفة الملازمون لمسجده صلى الله عليه وسلم.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( البيوع ) )جمع البيع جاء بمعناه المشهور وبمعنى الاشتراء وكذلك الشراء جاء بالمعنيين فهما من الأضداد وكل واحد من المتعاقدين بائع والثمن والمثمن كل منهما مبيع، هذا بحسب اللغة وأما اصطلاحًا فقال الرافعي هو مقابلة مال بمال, وقال غيره مقابلة مال بمال على سبيل التمليك الأبدي.

قوله (( ما بال ) )أي ما حال و (( إخوتي ) )يريد بها الإخوة في الدين و (( الصفق ) )بالسين والصاد صفق الكف عند البيع.

الخطابي قال الخليل كل صاد قبل القاف وكل سين بعد القاف، فللعرب فيها لغتان سين وصاد لا يبالون اتصلت أو انفصلت بعد أن يكونا في كلمة إلا أن السين في بعضها والصاد في بعضها أحسن.

قال وكانوا تبايعوا تصافقوا بالأكف أمارة لانبرام البيع؛ وذلك لأن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي والقبوض تبع لها فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك واستقرت كل يد منهما على ما صار لكل واحد منهما من ملك صاحبه.

وكان المهاجرون تجارًا والأنصار أصحاب زرع فيغيبون لها عن حضرة رسول الله في أكثر أحواله ولا يسمعون من حديثه إلا ما كان يحدث به في أوقات شهودهم، وأبو هريرة حاضر دهره لا يفوته شيء منها إلا ما شاء الله، ثم لا يستولي عليه النسيان لصدق عنايته بضبطه وقلة اشتغاله بغيره، وقد لحقته دعوة رسول الله فقامت له الحجة على من أنكر أمره واستغرب شأنه.

قوله (( على ملء بطني ) )أي متسعًا بالقوت والمراد بعمل أموالهم الزراعة و (( الصفة ) )أي صفة مسجد رسول الله التي كانت منزل غرباء فقراء الصحابة؛ أي لم يكن لي غيبة واشتغال لا بالتجارة ولا بالزراعة.

قوله (( أعي ) )أي أحفظ.

فإن قلت هو حال عن فاعل ص 1912 (( كنت ) )، والحال مقارن له فكيف يكون هو ماضيًا وهذا مستقبلًا؟.

قلت هو استئناف مع أنه لو كان حالًا لصح؛ لأن المضارع يكون لحكاية الحال الماضية.

فإن قلت لم اختصر في حق الأنصار بهذا وترك ذكر (( أشهد إذا غابوا ) )؟.

قلت إما لأن غيبة الأنصار كانت أقل وكيف لا والمدينة بلدهم ومسكنهم ووقت الزراعة وقت هو معلوم فلم يعتد بغيبتهم لقلتها، أو أن هذا عام للطائفتين كما أن (( أشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ) )يعمم بأن مقدرًا في قصة الأنصار أيضًا بقرينة السياق وسائر الروايات المعممة كما مر في باب حفظ العلم.

قوله (( نمرة ) )أي كساء ملونًا ولعله أخذ من النمر لما فيه من سواد وبياض.

وفيه فضيلة أبي هريرة وكان حافظ الأمة.

وفيه أن الاشتغال بالدنيا وتحصيل العلم قلما يجتمعان.

فإن قلت فإذا كان أبو هريرة أكثر أخذًا للعلم وأزهد فهو أفضل من غيره؛ لأن الفضيلة ليست إلا بالعلم والعمل؟.

قلت لا يلزم من أكثرية الأخذ كونه أعلم ولا من اشتغالهم عدم زهدهم مع أن الأفضلية معناها كثرة الثواب عند الله وأسبابه لا تنحصر في أخذ العلم ونحوه فقد يكون بإعلاء كلمة الله ونحوه.

قوله (( آخى رسول الله ) )أي جعلنا أخوين و (( سعد بن الربيع ) )ضد الخريف الأنصاري الخزرجي النقيب العقبي البدري، استشهد يوم أحد.

قوله (( أي زوجتي ) )بلفظ المثنى المضاف و (( أي ) )إذا أضيفت إلى المؤنث يؤنث ويذكر يقال أي امرأة، أية امرأة و (( هويت ) )أي أردت نكاحها (( نزلت لك عنها ) )أي طلقتها لك و (( حلت ) )أي انقضت عدتها و (( قينقاع ) )بفتح القاف الأولى وسكون التحتانية وضم النون وبالقاف والمهملة منصرفًا وغير منصرف.

أقول قال ابن قرقول قينقاع بضم النون وكسرها وفتحها، وهم شعب من يهود المدينة أضيفت إليهم السوق. انتهى.

وقال ياقوت بالفتح ثم السكون، وضم النون وفتح القاف، وآخره عين مهملة شعب من اليهود كانوا يسكنون بالمدينة مضاف إليهم سوق بها. انتهى.

قوله (( تابع الغدو ) )بلفظ المصدر؛ أي غدا اليوم الثاني إليه والمتابعة إلحاق الشيء بغيره، وفي بعضها بلفظ (( الغد ) )ضد الأمس.

قوله (( صفرة ) )أي من الطيب الذي استعمله عند الزفاف.

قوله (( ومن؟ ) )أي ومن التي تزوجت بها (( وسقت ) )أي أعطيت، يقال ساق إليه كذا إذا أعطاه و (( النواة ) )اسم خمسة دراهم كما أن النش اسم لعشرين درهمًا والأوقية لأربعين؛ أي مقدار خمسة دراهم وزنًا من الذهب، يعني ثلاثة مثاقيل ونصفًا.

وقيل المراد بالنواة نواة التمر؛ أي وزنها من الذهب. وقال أحمد بن حنبل النواة هي ثلاثة دراهم وثلث. وبعض المالكية هي ربع الدينار.

التيمي النواة خمسة دراهم إما أن تكون اسم صنجة يوزن بها ويسمى هذا القدر من الذهب نواة.

قوله (( أولم ) )أي اتخذ وليمة وهي الطعام الذي يصنع عند العرس ومن ذهب إلى إيجابها أخذ بظاهر الأمر وهو محمول عند الأكثر على الندب.

الخطابي إنما قدر الشاة لمن يقدر عليها فمن لم يجد فلا حرج عليه، فقد أولم رسول الله بالسويق والتمر على بعض نسائه.

قوله (( استفضل ) )أي ربح و (( الوضر ) )اللطخ من الطيب أو من الخلوق له لون والوضر بقية الهباء وغيره و (( مهيم؟ ) )بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتانية كلمة يستفهم بها معناها ما حالك وما شأنك ص 1913 وقيل هي كلمة يمانية، وكأنه استنكر الصفرة التي رآها عليه و (( عكاظ ) )بضم المهملة وخفة الكاف وبالمعجمة و (( مجنة ) )بفتح الميم والجيم والنون المشددة و (( ذو المجاز ) )ضد الحقيقة (( وكان الإسلام ) ) (( كان ) )تامة و (( تأثموا ) )أي اجتنبوا الإثم؛ أي تركوا التجارة فيها احترازًا عن الإثم و (( المواسم ) )جمع الموسم وسمي موسمًا؛ لأنه موضع [3] يجتمع الناس إليه وقرأ ابن عباس لفظ (( ?في مواسم الحج? [البقرة198] ) )في جملة القرآن زائدًا على ما هو المشهور.

الزركشي

(( الصفق بالأسواق ) )أي التبايع؛ لأن المتعاقدين يضع أحدهما يده في يد الآخر.

(( يشغلني ) )بفتح أوله، ويجوز ضمه.

قال صاحب (( الأفعال ) )و (( الصحاح ) )شغلني الشيء، وأشغلني لغة رديئة.

(( مساكين الصفة ) )فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه.

(( آخى ) )من أخوت الرجل إخاوة صرت له أخًا.

(( قينقاع ) )بتثليث النون ويجوز صرفه على إرادة الحي، وتركه على إرادة القبيلة أو الطائفة شعب من يهود المدينة أضيفت إليهم السوق.

(( وضر ) )بضاد معجمة مفتوحة؛ أي لطخ، والوضر الأثر من غير الطيب.

(( مهيم؟ ) )أي ما شأنك؟ وقيل اسم استفهام مبني على السكون.

(( قال وزن نواة ) )الأحسن نصبه؛ لأن السؤال جملة فعلية؛ فإن ما مفعول أصدقها فليكن الجواب كذلك للتشاكل، ويجوز الرفع بتقدير الجملة الاسمية بأن تكون (( ما ) )مبتدأ، لكن لا بد من تقدير عائد؛ أي أصدقها إياه.

والنواة اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين أوقية، وللعشرين نش.

(( مجنة ) )بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم سوق هجر.

قال البكري في (( معجمه ) )على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران، وكان سوقه عشرة أيام آخر ذي القعدة، والعشرون قبلها سوق عكاظ، ثم يقوم سوق المجاز هلال ذي الحجة.

(( ذو المجاز ) )بالجيم والزاي سوق عند عرفة من أسواق الجاهلية.

(( تأثموا فيه ) )أي اعتقدوا الإثم في حضورها، ويروى (( منه ) ).

[1] في هامش المخطوط (( سبق الحديث في الجمعة ) )

[2] في هامش المخطوط (( أقول قال الحريري في (( درة الغواص ) )كتب بعض المنفصلين عن ولايته إلى بعض الوزراء يسأل إشغاله في بعض أشغاله، فكتب على حصته من يقول الإشغال لا يصلح لأشغال )) .

[3] في هامش المخطوط في (خ) (( معلم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت