فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
(( فيه حديث أبي هريرة إن عفريتًا من الجن ... إلى آخره ) )هذا الحديث ذكره (خ) هنا، وفي أواخر الصلاة، وأحاديث الأنبياء، وصفة إبليس، وسورة ص، وأخرجه (م) في الصلاة.
و (( سليمان ) )هو ابن داود عليهما السلام، ذكره الله في القرآن في مواضع. وسيأتي في قصة المرأتين في عدو الذئب على أحد ولد إحداهما، وكان والده يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه، قال تعالى {وورث سليمان داوود} [النمل16] أي في نبوته وعلمه وحكمه دون سائر ولد داود.
قال الثعلبي في (( عرائسه ) )، وكان لداود اثنا عشر ابنًا، وكان سليمان ملك الشام، وقيل ملك الأرض كلها.
وروي عن ابن عباس قال ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين، وكافران نمرود وبختنصر.
قال كعب كان سليمان أبيض جسيمًا وسيمًا وضيئًا جميلًا خاشعًا متواضعًا، يلبس الثياب البيض، ويجالس المساكين. وكان حين ملك كبير الغزو لا يكاد يتركه يحمله الريح هو وعسكره وداوبهم حيث أراد، وتمر به وبعسكره الريح على المزارع فلا يحركها.
عن محمد بن كعب القرظي بلغنا أن عسكر سليمان كان مائة فرسخ خمسة وعشرون للوحش، وكان عمر سليمان ثلاثًا وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين.
والعفريت وزنه فعليت، العاتي المتمرد من الجن الخبيث المنكر المعاقد في الأمر المبالغ فيه، ومعنى (( تفلت علي ) )تعرض علي فلتة؛ أي فجأة، وفي (م) (( يفتك ) )بدل (( تفلت ) )، وهو الأخذ في غفلة وخديعة وسرعة، وهو المراد بقوله في (خ) أو كلمة نحوها.
قال ابن قرقول يفتك بضم التاء وكسرها، والفتك هنا تصحيف من تفلت كما في (خ) أي توثب وأسرع، والجمع فلتات.
قوله (( البارحة ) )أقرب ليلة مضت، قال في (( المحكم ) )هي الليلة الخالية ولا تحقر.
قال ثعلب يحكى عن أبي زيد أنه كان يقول مذ غدوة إلى أن تزول قد سرينا الليلة، وفيما بعد الزوال إلى آخر النهار رأيت البارحة.
وفي (( المنتهى ) )لأبي المعالي كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة أدنى ليلة زالت عنك، تقول لقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومذ ثلاث ليال.
وقال قاسم في (( دلائله ) )يقال بارحة الأولى يضاف الاسم إلى الصفة كما يقال مسجد الجامع.
وفيه دلالة على وجود الجن، وأنه قد أسرهم بعض الآدميين، وإن قوله تعالى {من حيث لا ترونهم} محمول على الغالب، فرؤيتهم غير مستحيلة؛ لأنهم أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير مستحيل.
قال الخطابي وقد رآه غير واحد من الثقات وأهل الورع، وبلغنا عن غير واحد من أهل الرياضة من أهل المعرفة أنهم يخبرون أنهم يدركون أشخاصهم.
قلت ورأيت أنا بعضهم في اليقظة.
وسلمت عليه، وسلم علي بعضهم نهارًا من غير رؤية شخصه، قال وروينا عن عمر بن الخطاب وأبي أيوب وغير واحد من الصحابة رؤية الجن، ومعالجتهم إياهم في غير طريق من حديث الأثبات والثقات من النقلة.
وقيل إن رؤيته كانت للعفريت وبجسمه حتى يربطه من خصوصياته كما خص برؤية الملائكة، وقد رآهم يوم انصرافهم عن الخندق، ورأى في هذه الليلة الشيطان وأقدر عليه لتجسمه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، وأما غيره من الناس فلا يتمكن من هذا، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره عليه السلام، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل للأنصاري في بيته صورة حية فقتله، فمات الأنصاري، وبين ذلك عليه السلام في قوله (( إن بالمدينة جنًا قد أسلموا ) ). وسموا جنًا لاستتارهم، وهم نوع من العالم، والإجماع قائم على وجودهم، وإنما أنكرت ص 794 المعتزلة تسلطهم على البشر فقط.
قوله (( فذكرت قول أخي سليمان أنه أعطي مملكة الجن، فلم أرد أن أزحمه فيما أعطي ) )ويبعد أنه قال ذلك مع عدم القدرة عليه، وهذا الربط يحتمل أن يكون بعد تمامها، ويحتمل أن يكون فيها؛ لأنه شغل بشر.
وفيه إباحة ربط الأسير في المسجد، وعليه ترجم والأسير مثله، قال المهلب وفيه ربط من خشي هروبه لحق عليه أو دين، والتوثق منه في المسجد، وغيره.
قوله (( فرده الله خاسئًا ) )أي ذليلًا صاغرًا مطرودًا، يقال خسأ الكلب خسأً تباعد، وخسأته قلت له اخسأ.
وفي بعض نسخ (خ) بعد هذا باب الاغتسال إذا أسلم، وعليه مشى ابن بطال في (( شرحه ) )ونحن أيضًا، وفي بعضها ذكر الحديث الذي فيه من غير تبويب، وهو مطابق له من ربط الأسير مطابقة ظاهرة؛ لأن ثمامة كان أسيرًا.
قال ابن المنذر ويجوز أن يكون (خ) سلك عادته في الاستدلال بالخفي والإعراض عن الجلي اكتفى بسبق الأفهام إليه، ويجوز أن يكون ترك الاستدلال بحديث ثمامة؛ لأنه عليه السلام لم يربط، ولم يأمر بربطه، وحيث رآه مربوطًا فقال (( أطلقوا ثمامة ) )فهو بأن يكون إنكارًا لفعلهم أولى منه بأن يكون تقريرًا بخلاف قصة العفريت، فإنه عليه السلام هم بربطه.
قلت في ذلك دليل وهو أنه عليه السلام غدا على ثمامة بعد ثلاثة أيام، وهو كذلك، فأي تقرير أكثر من ذلك على أن ابن إسحاق ذكر أنه عليه السلام أمر بربطه؛ فزال ما ذكره.
وفي بعض النسخ وكان شريح يأمر بالغريم أن يحبس إلى سارية المسجد، عن ابن سيرين قال كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى حق الغريم، وإلا أمر به إلى السجن.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( الأسير أو الغريم ) ). الجوهري (( أسر ) )أي شد بالإسار وهو القد، ومنه سمي الأسير وكانوا يشدونه بالقد فسمي كل أخيه أسير وإن لم يشد به، و (( الغريم ) )هو الذي عليه الدين، وقد يكون الغريم أيضًا الذي له الدين.
والضمير في نحوها راجع إلى البارحة أو إلى جملة تفلت علي البارحة.
قوله (( رب هب لي ) )القرآن (( رب اغفر لي وهب لي ) )ولعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن والأخوة بين سليمان ونبينا عليهما السلام بحسب أصول الدين أو بحسب المماثلة في النبوة.
فإن قلت كيف وجه دلالته على ربط الغريم. قلت بالقياس على الأسير.
قال الخطابي فيه دليل على أن رؤية البشر الجن غير مستحيلة، وأما قوله {يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال آدم امتحنهم الله بذلك وابتلاهم ليفزعوا إليه ويستعيذوا به من شرهم ويمكن أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك.
أقول لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا إذ المفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة بهذه الحيثية فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت.
قال وفيه دليل على أن أصحاب سليمان كانوا يرون الجن وتصرفهم له وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته عليهم انتهى كلام والدي رحمه الله تعالى [1] .
أقول قوله فذكرت دعوة أخي سليمان رب هب لي ملكًا معناه إني لم أرد أن ينحرم دعوته فأشركه في التسلط على الجن فيردونه.
فإن قيل بالتمكين قد انحرمت الدعوة فإن التمكين من حملة الدعوة وبانتفاء الجزء ينتفي الكل.
قلت يمكن أن يقال المراد انحرام هذه الدعوة بأسرها أن يتمكن منهم وأن يحبسهم ويطلقهم ويأمرهم وينهاهم إلى غير ذلك أو أنه ذكر الدعوة بعد أن تمكن [منه] فترك التعرض للجني فيندفع السؤال، وأما ما سبق أنه من خصوصياته عليه السلام أن رأى الشيطان في صورته كما رأى جبريل والملائكة فيه نظر وذلك أنه في هذه الليلة ما رآه في صورة وإنما رآه في صورة هرة كما جاء في (م) .
وليس من الخصوصيات وأيضًا الخصوصيات لا تكون إلا في الكرامات ورؤية إبليس اللعين في صورته ليست كرامة وإنما الكرامة في عدم رؤيته له وأيضًا فإنه عليه السلام كلما ذهب عنه حظ الشيطان فهو يأتي إلى من ليس له عنده حظ.
[1] في هامش المخطوط (( أقول قوله {إنه يراكم} الخطاب للبشر لا لهذه الأمة وحدهم فيستدل على رؤية أمة سليمان لهم من موضع آخر ) ).