فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 3844

هو أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة _ بضم الميم على المشهور ويجوز كسرها في لغة _ ابن يَزْدِزبه _ بفتح أوله وهو مثناة تحت ثم زاي ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ثم موحدة ثم هاء _، ويقال بردزبه [1] بموحدة في أوله بدل المثناة ثم راء والباقي مثله، كذا ضبطه أولًا ابن خلكان عن بعضهم، ثم نقل الثاني عن ابن ماكولا.

قال ابن ماكولا هو بالبخارية، ومعناه بالعربية الزراع.

وقال ابن دحية قال لي أهل خراسان بعد أن لم يعرفوا معنى هذه اللفظة تقال للفلاحين بالفارسية بَرْزِكَر _ بموحدة ثم راء ساكنة ثم زاي مكسورة ثم كاف غير صافية ثم راء ساكنة _، وهو لقب لكل من سكن البادية زراعًا كان أو غيره.

وقيل إنه المغيرة بن الأحنف الجعفي مولاهم ولاء إسلام؛ لأن جده المغيرة أسلم على يد يمان البخاري الجعفي والي بخارى، ويمان هذا هو أبو جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان المسندي شيخ البخاري.

ولد بإجماع بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ص 11 خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأجمعوا على أنه توفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر، ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك، قرية على فرسخين من سمرقند.

كتب رضي الله عنه بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر عن أبي نعيم والفريابي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وخلق يزيدون على ألف، وروى عنه الترمذي والنسائي فيما قيل، ومسلم خارج (( الصحيح ) )وإبراهيم الحربي وأبو زرعة وغيرهم، وكان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفًا يأخذون عنه.

وصفته أنه كان نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير، ومن كلامه المادح والذام عندي سواء، وأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أني اغتبت أحدًا، وقال ما اشتريت منذ ولدت من أحد بدرهم، ولا بعت أحدًا شيئًا، فسئل عن الكاغد والحبر، فقال كنت آمر إنسانًا يشتري لي، وقال ما أتيت شيئًا بغير علم، وقال أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح.

فائدة علمت أن البخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة، ومات مسلم بنيسابور سنة إحدى وستين ومائتين، ومات أبو داود بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين، ومات الترمذي بها سنة تسع وسبعين ومائتين، ومات النسائي بمكة سنة ثلاث وثلاثمائة.

أقول ذكر ابن خلكان في (( تاريخه ) )عن ابن الصلاح أن مولد مسلم في غالب ظنه سنة اثنين ومائتين، وقال ابن خلكان توفي النسائي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة بمكة حرسها الله تعالى، وقيل بالرملة من أرض فلسطين، وقال ابن خلكان توفي الترمذي لثلاث عشر ليلة خلت من رجب سنة سبع وسبعين ومائتين.

فصل

قد أسلفت أن البخاري أمير المؤمنين في الحديث، وقد شاركه في ذلك جماعة أفردهم الحافظ أبو علي الحسن بن محمد البكري في كتابه (( التبيين لذكر من يسمى بأمير المؤمنين ) )قال وأول من يسمى بهذا الاسم فيما أعلمه، وسمي بالإمام أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وبعده إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ثم عد بعدهما محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، والبخاري، والواقدي، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والدارقطني.

وذكر فيه أن أبا إسحاق الشيرازي أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء نقلًا عن الموفق الحنفي إمام صاحب الرأي ببغداد، هذا ما ذكره في تأليفه وأغفل الإمام أبا عبد الله محمد بن يحيى الذهلي، فإن أبا بكر بن أبي داود قال ثنا محمد بن يحيى، وكان أمير المؤمنين في الحديث، وأبا نعيم الفضل بن دكين الملائي الكوفي، فإن الحاكم في (( تاريخ نيسابور ) )قال بسنده عن محمد بن عبد الوهاب قال سمعت بالكوفة يقولون ص 12 أمير المؤمنين في الحديث، وإنما يعنون أبا نعيم الفضل بن دكين لعلمه بالحديث.

وكذلك هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، فإن أبا داود الطيالسي قال كان أمير المؤمنين في الحديث، ومسلم بن الحجاج جدير أن يلقب بذلك وإن لم أرهم نصُّوا عليه.

أقول قال والدي رحمه الله تعالى في شرحه للبخاري المسمى بـ (( الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ) )بعد ما ذكر مشايخه الذين سمع منهم، وأما البخاري فهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المعين بن بردزبه الجعفي البخاري، أسلم المغيرة وكان مجوسيًا على يد اليمان الجعفي والي بخارى، وأبو إسماعيل كان من خيار الناس وأمه كانت مجابة الدعوة.

وكان البخاري قد ذهب بصره وهو صغير فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام وقال لها يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره؛ لكثرة بكائك أو دعائك، فأصبح بصيرًا، ولد ببخارى سنة أربع وتسعين ومائة، وألهم حفظ الحديث في صغره وهو ابن عشرين سنة أو أقل، ثم حج به أبوه فرجع أبوه وهو أقام بمكة المكرمة في طلب العلم، وذلك سنة ثمان عشرة من عمره، وارتحل رحلات واسعات في طلب الحديث إلى الأمصار، وكتب عن شيوخ كثيرة قال كتبت عن ألف وثمانين رجلًا ليس فيهم إلا صاحب حديث كلهم كانوا يقولون (( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) )حتى صار إمام أئمة الحديث.

وذكر نحوًا مما ذكره ابن الملقن إلى أن قال وعظمه العلماء غاية التعظيم حتى إن مسلمًا صاحب الصحيح كان كلما دخل إليه يسلم عليه ويقول دعني أقبل رجليك يا طبيب الحديث في علله، ويا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدثين.

وقال أبو عيسى الترمذي لم أر مثله جعله الله زين هذه الأمة، وقال نعيم فقيه هذه الأمة.

وقال ابن المديني هو ما رأى مثل نفسه، وقال ابن خزيمة ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ. وقال بعضهم هو آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض، وكان في سعة من الدنيا، ورث من أبيه مالًا، وكان يتصدق به وربما كان يأتي عليه نهار ولا يأكل فيه، وإنما كان يأكل أحيانًا لوزتين أو ثلاثًا، وكان يختم كل ثلاث ليال، وكان حفظه في غاية الكمال قال خرجت هذا الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وقال ما وضعت في كتابي هذا حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.

وقيل كان ذلك بمكة شرفها الله تعالى، والغسل بماء زمزم، والصلاة عند المقام، وقيل كان بالمدينة صلى الله على صاحبها، وترجم أبوابه في الروضة الشريفة، وصلى لكل ترجمة ركعتين، وقيل صنف الجامع في ستة عشر سنة، ودخل ص 13 بغداد مرات وانقاد أهلها إليه فيه بلا منازعة، وله معهم حكاية مشهورة في امتحانه بقلب الأسانيد والمتون فصحح كلها في الساعة وحين وقعـ [ـت] الفتنة واشتد [ت] المحنة في مسألة خلق القرآن رجع من بغداد إلى بخارى فتلقاه أهلها في محمل عظيم وبقي مدة يحدثهم في مسجده، فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الذهلي يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره، فامتنع البخاري وقال والله لا أذل العلم، فحصلت وحشة بينهما، فأمره الأمير بالخروج عن البلد، ويقال إن البخاري دعا عليه، فلم يأت شهر حتى ورد أمر دار الخلافة بأن ينادى على خالد في البلد، فنودي عليه على أتان وحبس إلى أن مات.

ولما خرج من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم فسار إليهم، فلما كان بقرية خَرْتَنْك _ بفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الفوقانية وسكون النون _ وهو على فرسخين من سمرقند بلغه أنه قد وقع بينهم بسببه فتنة، فقوم يريدون دخوله وقوم يكرهونه، فأقام بها حتى ينجليَ الأمر، فضجر ليلة فدعا وقد فرغ من صلاة الليل اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فمات في ذلك الشهر سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنان وستون سنة.

فإن قلت كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرج هو في صحيحه (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ) )؟.

قلت نصوا بأن المراد بالضر هو الدنيوي، وأما إذا نزل به ضر ديني فإنه يجوز تمنيه خوفًا من تطرق الخلل في الدين.

ولما دفن فاح من تراب قبره رائحة الغالية أطيب من المسك، وظهر سوار بيض في السماء مستطيل حذاء القبر، وكانوا يرفعون التراب حتى ظهرت الحفرة للناس، ولم يكن يقدر على حفظ القبر بالحراس، فنصب على القبر خشب مشبكات، فصاروا يأخذون ما حواليه من التراب، ودام ريح الطيب أيامًا كثيرة حتى تواتر عند أهل تلك البلاد، وأمثال هذه الكرامات الإلهية لا تستعظم بالنسبة إلى أمثال هؤلاء العُبَّاد، رفع الله ذكره، وقد فعل، وجعل له لسان صدق في الآخرين وقد جعل.

واعلم أن علم الحديث موضوعه هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث أنه رسول الله وحده، هو علم يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله وأفعاله.

وغايته هو الفوز بسعادة الدارين.

وإن عدد كتب الجامع مائة وشيء، وعدد أبوابه ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسون بابًا مع اختلاف قليل في نسخ الأصول، وذكر عدد أحاديثه كما تقدم، وعدد مشايخه الذين خرج عنهم فيه مائتان وتسع وثمانون، وعدد من تفرد بالرواية عنهم دون مسلم مائة وأربع وثلاثون، ص 14 وتفرد أيضًا بمشايخ لم تقع الرواية عنهم لبقية أصحاب الكتب الخمسة إلا بالواسطة، انتهى كلام والدي رحمه الله تعالى.

قال ابن الملقن رحمه الله تعالى

فصل في بيان رجال صحيح البخاري منه إلينا

فأما الفربري راويه عنه فهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر منسوب إلى فربر قرية من قرى بخارى على طرف جِيحون بكسر أوله وقد فتحه بعضهم، وثانيه مفتوح ثم باء موحدة ساكنة وراء، يقال بكسر الفاء وفتحها وفتح الراء وإسكان الموحدة. قال الحازمي والفتح أشهر.

أقول قال ياقوت الحموي في (( معجم البلدان ) )بعد أن ضبطه كما سبق بليدة بين جيحون وبخارى بينها وبين جيحون نحو الفرسخ كان يعرف برباط طاهر بن علي، انتهى.

قال الكلاباذيُّ كان سماع الفربري من البخاري يعني (( صحيحه ) )مرتين مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة ثنتين وخمسين ومائتين، ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات سنة عشرين وثلاثمائة، سمع من قتيبة بن سعيد فشارك البخاري في الرواية عنه.

قال أبو بكر السمعاني في (( أماليه ) )وكان ثقة ورعًا.

وأما الحموي راويه عنه فهو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السَّرَخْسي بفتح السين والراء وإسكان الخاء، وقيل بكسر السين، وقيل بفتحها مع إسكان الراء وفتح الخاء، نسبة إلى بلدة بخراسان.

أقول قال ياقوت مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة بين نيسابور ومرو في وسط الطريق، وهي مدينة معطشة ليس بها ماء إلا نهر يجري في بعض السنة، وشربهم عند انقطاعه من الآبار، انتهى.

والحَمُّوي _ بفتح المهملة وضم الميم المشددة _ نسبة إلى جده نزيل بوشنج هراة، رحل إلى ما وراء النهر، وكان سماعه للصحيح من الفربري بفربر سنة ست عشرة وثلاثمائة، وقيل خمس عشرة.

قال أبو ذرٍّ وكان الحموي ثقة صاحب أصول حسان، مات في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين ومائتين.

والداودي راويه عنه هو أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم بن شيرزاد الداودي البوشنجي، وبُوشَنْج _ بضم الموحدة وفتح المعجمة وإسكان النون ثم جيم _، ويقال أيضًا بالسين المهملة.

قال السمعاني ويقال أيضًا فوشنج، بالفاء، قال ويقال لها أيضًا بوشنك، بلد بخراسان على سبعة فراسخ من هراة، خرج منها جماعة من العلماء، كان سماعه للصحيح من الحموي في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وسمع الحاكم وغيره.

وعنه أبو الوقت وغيره، وكان ثقة إمامًا، تفقه على أبي بكر القفال، والشيخ أبي حامد والصعلوكي وغيرهم، وكان حال التفقه يحمل ما يأكله من بلاده احتياطًا.

قال أبو سعد السمعاني كان وجه مشايخ خراسان، وله قدم راسخ في التقوى قال وحكي أنه بقي أربعين سنة لا يأكل اللحم وقت نهب التركمان، وكان يأكل السمك، فحكي له أن بعض الأمراء أكل على حافة الموضع الذي يصاد له ص 15 منه السمك ونفضت سفرته وما فضل في النهر، فما أكل السمك بعد ذلك، ولد في ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة، ومات ببوشنج في شوال سنة سبع وستين وأربع مائة.

وأبو الوقت هو عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السِّجزي الهروي الصوفي، كان اسمه محمدًا، فسماه الإمام أبو عبد الله الأنصاري عبد الأول، وكناه بأبي الوقت وقال الصوفي ابن وقته، ولد في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وأربع مائة بهراة، ومات في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ودفن ببغداد، وكان شيخًا صالحًا ثقة ألحقَ الصغار بالكبار، ومات وهو صحيح، وكان سماعه للصَّحيح سنة خمس وستين وأربع مائة مع والده وهو في السابعة من عمره، وسمع منه الحفاظ.

والسِّجزي _ بكسر المهملة _ نسبة إلى سجزة. وقال السمعاني سجستان، وقال ابن ماكولا وغيره هي نسبة على غير القياس، والهروي نسبة إلى هراة مدينة مشهورة بخراسان، خرج منها خلائق من الأئمة، قال ياقوت هراة بالفتح مدينة عظيمة من أمهات مدن خراسان، انتهى.

والصوفي نسبة إلى الصوفية، وهم الزهاد العباد، وسموا بذلك للبسهم الصوف غالبًا، وحكى السمعاني قولًا أنهم نسبوا إلى بني صوفة جماعة من العرب كانوا يتزهدون، وأما من قال إنه مشتق من الصفاء أو صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصف ففاسد من حيث العربية، ومن أحسن حدود التصوف أنه استعمل كل خلق سَنِيٍّ، وترك كل خلق دني.

أقول قال الزمخشري في (( أساس البلاغة ) )ويقال كان آل صوفة يجيزون الحاج من عرفات؛ أي يفيضون بهم، ويقال لهم آل صوفان، وآل صوفان [2] وكانوا يخدمون الكعبة ويتنسكون، ولعل الصوفية نسبوا إليهم تشبهًا بهم في النسك والتعبد، أو إلى أهل الصفة فقيل مكان الصفية الصوفية بقلب إحدى الفاءين واوًا للتخفيف أو إلى الصوف الذي هو لباس العباد وأهل الصوامع، انتهى.

والزَّبيدي هو بفتح الزاي، نسبة إلى زبيد بلدة معروفة باليمن.

أقول قال ياقوت زَبِيد _ بالفتح ثم الكسر ومثناة تحت _ اسم واد به مدينة، يقال لها الخصيب، وهي التي تسمى اليوم بزبيد، وهي مدينة مشهورة باليمن، محدثة في أيام المأمون، وزُبَيد _ بالضم ثم الفتح _ موضع آخر، انتهى.

وهو أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى، ورد دمشق وأسمع بها البخاري وألحق الأحفاد بالأجداد، مات في صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة ببغداد، ومولده سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وكان ثقة، وسماعه الصَّحيح من أبي الوقت في اثني عشر مجلسًا آخرها ثالث صفر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وسمع منه جماعة.

ومولد أبي العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة الحجار سنة أربع وعشرين وستمائة أو قبلها كما رأيته بخط للشيخ الحافظ جمال الدين المزني قال وكان سماعة للصحيح من ابن الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة، ومات في خامس عشر من صفر سنة ثلاثين وسبع مائة، ودفن بسفح قاسيون، وهو آخر من روى عن ابن الزبيدي وابن اللتي.

قال ابنُ الملقن إنما علا البخاري من هذا الوجه لأن غالب رواته سمعوه في الصغر، فالسجزي سمعه في ص 16 السابعة، وكذا الحجار والزبيدي في الثامنة، والداودي دون العشرين ونحوه الفربري والحموي وعمَّروا أيضًا، فالداودي والسجزي جاوزا التسعين والباقون قاربوها خلا الحجار فإنه جاوز المائة.

فصل

جملة من حدث عنه البخاري في (( صحيحه ) )خمس طبقات كما نبَّه عليه ابن طاهر المقدسِي وبسطه المؤلف.

فصل

وقد أكثر البخاري في (( صحيحه ) )في تراجم أبوابه من ذكر أحاديث وأقوال الصحابة وغيرهم بغير إسناد، وحكم هذا إذا كان بصيغة جزم كقال وروى وشبهها فهو حكم منه بصحته، وما كان بصيغة تمريض كرُوي وشبهه فليس فيه حكم بصحته، ولكن ليس هو واهيًا إذ لو كان واهيًا لم يدخله في (( صحيحه ) )، ودليل صحة الأول أن هذه الصيغة موضوعة للصحيح، فإذا استعملها هذا الإمام في مثل هذا المصنف مع قوله ما أدخلت إلا ما صح، اقتضى ذلك صحته، ولا يقال يرد على هذا إدخاله ما هو بصيغة تمريض؛ لأنه قد نبه على ضعفه بإيراده إياه بصيغة التمريض.

والمراد بقوله ما أدخلت في الجامع إلا ما صح؛ أي ما ذكرت فيه مسندًا إلا ما صح، كذا قرَّره النووي وابن الصلاح، لكن دفع في البخاري ذكر التعليق مرة بغير صيغة جزم ثم بسنده في موضع آخر فقال في كتاب الصلاة ويذكر عن أبي موسى قال كنا نتناوب النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، ثم أسنده في باب فصل العشاء فقال ثنا محمد بن العلاء ثنا أبو أسامة، عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى.

وقال في كتاب الإشخاص ويذكر عن جابر أنه عليه السلام رد على المتصدق صدقته، ثم أسنده في موضع آخر.

وقال في كتاب الطب ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرقى بفاتحة الكتاب، وأسنده مرة وقال أبو العباس القرطبي في كتابه في السماع البخاري لا يعلق في كتابه إلا ما كان في نفسه صحيحًا مسندًا، لكنه لم يسنده ليفرق بين ما كان على شرطه في أصل كتابه وبين ما ليس كذلك، ولم يصبْ ابن حزم الظاهري في رده تعليق حديث (( ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر ... ) )إلى آخره فإنه ليس منقطعًا بل معلقًا، وقد ثبت اتصاله في غيره كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى.

ثم اعلم أن هذه تسمى تعليقًا إذا كانت بصيغة جزم، كذا سمَّاها الحميدي الأندلسي وغيره، وسبقهم بهذه التسمية الدَّارقطني، وشبهوه بتعليق الجدار لقطع الاتصال، ثم إنه يسمى تعليقًا إذا انقطعَ من أول إسناده واحد فأكثر، ولا يسمى بذلك ما سقط وسط إسناده أو آخره، ولا ما كان بصيغة تمريضٍ، كما نبه عليه ابن الصلاح.

واعلم أنَّ هذا التعليق إنما يفعله كما سيأتي أن مراده بهذا الكتاب الاحتجاج بمسائل الأبواب فيؤثر الاختصار، وكثر من هذا التعليق في هذا الكتاب في باب آخر كما أسلفناه وربما كان قريبًا.

فصل

لا يجوز العمل في الأحكام، ولا يثبت إلا بالحديث الصحيح أو الحسن، ولا يجوز بالضعيف، لكن يعمل به فيما لا يتعلق بالعقائد والأحكام كفضائل الأعمال والمواعظ وشبههما، وإذا كان الحديث ضعيفًا لا يورد بصيغة الجزم بل بصيغة التمريض؛ لأن صيغة الجزم تقتضيص 17 صحته عن المضاف إليه فلا يطلق إلا فيما صح، وإلا فيكون في معنى الكاذب عليه.

وقد اعتنى البخاريُّ بهذا التفصيل في (( صحيحه ) )كما ستعلمه فيذكر في الترجمة الواحدة ما يورد بعضه بجزم وبعضه بتمريض.

فصل

قد أكثر البخاري من إعادة الحديث في أبواب، وفائدته إظهار دقائق الحديث، واستنباط لطائفه، وما اشتمل عليه من الأصول والفروع والزهد والآداب وغيرها من الفنون، وهذا هو مقصود البخاري بهذا الصحيح، وليس مقصوده الاقتصار على الحديث وتكثير المتون، ولهذا أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر على قوله فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو فيه حديث فلان ونحو ذلك.

وقد يذكر متن الحديث بغير إسناد، وقد يحذف من أول الإسناد واحدًا فأكثر، وهذان النوعان يسميان تعليقًا كما سبق، وإنما يفعل هذا؛ لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، واستغنى عن إسناد الحديث أو عن إسناده ومتنه، وأشار إليه لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم، وربما تقدم قريبًا.

وذكر في تراجم الأبواب آيات كثيرة من القرآن العزيز، وربما اقتصرَ في بعض الأبواب عليها، ولا يذكر معها شيئًا أصلًا، وذكر أيضًا في تراجم الأبواب أشياء من فتاوى الصحابة والتابعين فمن بعدهم.

قال ابنُ طاهر كان البخاري يذكر الحديث في موضع يستخرج منه _ بحسن استنباط وغزارة فقه _ معنى يقتضيه الباب، وقل ما يورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، بل يورده ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليقوي الحديث بكثرة طرقه، أو يختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقصه، أو يكون في الإسناد الأول مدلس أو غيره لم يذكر لفظ السماع فيعيده بطريق فيه التصريح بالسماع أو غير ذلك.

أقول فعلى ما قرره ليس في البخاري تكرار، وإليه جنح والدي العلامة رحمه الله، وذكر نحوًا مما ذكره المقدسي.

فصل

استدرك الدارقطني في كتابه المسمى بـ (( الاستدراكات والتتبع على البخاري ومسلم ) )أحاديث وطعن في بعضها، وذلك في مائتي حديث مما في الكتابين، ولأبي مسعود الدمشقي عليها استدراك، وكذا لأبي علي الغساني في تقييده، وقد أجبت عن ذلك وسترى ما يخص البخاري في موضعه إن شاء الله تعالى.

قال النووي الطعن الذي ذكره فاسد مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدًا مخالفة لما عليه الجمهور ولا يغتر بذلك.

فصل

ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا إخراج أحاديث تركا إخراجها مع أن أسانيدها أسانيد أخرجا لرواتها في صحيحهما، وذكر الدارقطني أن جماعة من الصحابة رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا فلزمهما إخراجها على مذهبهما، وهذا الإلزام ليس بلازم، فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلًا في بابه ولم يخرجا له نظيرًا، ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كان روياه ص 18 أو تركاه إيثارًا لتركه الإطالة، أو لأنهما رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده أو لغير ذلك.

فصل

الذي استقر عليه الأمر وعليه الأكثر من العلماء أن المبتدع يحتج بحديثه إذا لم يكن داعية، ولا يحتج بحديثه إذا كان داعية، وفي الصحيح كثير من أحاديثهم في الأصول والشواهد فليحمل على ما إذا لم يكن داعية، وإن كان قد وقع فيه الرواية عمن هو داعية كعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، فإنه كان داعية إلى الإرجاء كما قاله أبو داود.

فصل

ادعى الحاكم في (( مدخله إلى الإكليل ) )أن شرط البخاري ومسلم في (( صحيحيهما ) )أن لا يذكرا إلا ما رواه صحابي مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم له راويان ثقتان فأكثر، يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة، له أيضًا راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط، ثم كذلك، قال والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا تبلغ عددها عشرة آلاف حديث.

وهذا الشرط الذي ذكره عملهما يخالفه، فقد أخرجا في (( الصحيحين ) )حديث عمر بن الخطاب (( إنما الأعمال بالنيات ) )ولا يصح إلا فردًا كما يأتي.

وحديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب ولم يرو عنه غير ابنه سعيد، وأخرج مسلم حديث حميد بن هلال عن أبي رفاعة العدوي ولم يرو عنه غير حميد.

قال ابن الصلاح وتبعه النووي أخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب (( إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي ) )، ولم يرو عنه غير الحسن.

قلت لا، فقد روى عنه أيضًا الحكم بن الأعرج كما نص عليه ابن أبي حاتم قالا وأخرج أيضًا حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي (( يذهب الصالحون الأول فالأول ) )، ولم يرو عنه غير قيس.

قلت لا، فقد روى عنه زياد بن علاقة أيضًا كما ذكره ابن أبي حاتم أيضًا قالا وأخرج مسلم حديث عبد الله بن الصامت عن رافع بن عمرو الغفاري، ولم يرو عنه غير عبد الله.

قلت لا، ففي (( الغيلانيات ) )من حديث سليمان بن المغيرة ثنا ابن أبي الحكم الغفاري حدثني جدي عن رافع بن عمرو فذكر حديثًا قالا وأخرج حديث أبي بردة عن الأغر المزني (( إنه ليغان على قلبي ) )ولم يرو عنه غير أبي بردة.

قلت لا، فقد ذكر العسكري أن ابن عمر روى عنه أيضًا. قلت ومعاوية بن قرة أيضًا، وفي (( معرفة الصحابة ) )لابن قانع قال ثابت البناني عن الأغر أغر مزينة.

وأغرب من قول الحاكم هذا قول الميانشي في (( إيضاح ما لا يسع المحدث جهله ) )شرطهما في صحيحهما أن لا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان من الصحابة فصاعدًا، وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة، والظاهر أن شرطهما ص 19 اتصال الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من مبتدأه إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.

[1] 6 ـ وثيابك فقصر وشمر قاله طاوس، أقول قيل أنه أنقى وأتقى وأبقى.

[2] 7 ـ قلبك فطهر قاله سعيد بن جبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت