فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله (( يصبغ أربعًا ) )إلى آخره، هذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس، وأخرجه (م، د) في الحج، و (ت) في (( شمائله ) )، وسلف تعريف رواته خلا عبيد بن جريج، وهو مدني ثقة مولى بني تيم كما قال (خ) ، أو بني تميم كما قاله ابن إسحاق.
وجه مطابقة الحديث للترجمة أن ابن عمر حكى من فعله عليه السلام أنه كان يلبس النعال ويتوضأ فيها، ويلزم منه عدم المسح عليها، وحقيقة الوضوء فيها أن يكون في حال كونه لابسها، وإن كان النووي في (م) قال معناه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان؛ قال الإسماعيلي فيما ذكره (خ) في النعلين والوضوء فيها نظر، قال السفاقسي وأراد (خ) الرد على من يجوز المسح على النعلين.
قال الطحاوي ونظرنا في اختلاف هذه الآثار فرأينا الخفين اللذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان منهما أو أكثرهما، فكل قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيبا القدمين، ويبطل إذا لم يغيبا وكانت النعلان غير مغيبة لهما ثبت أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين، فلا يجوز المسح عليهما.
قوله (( رأيتك تصنع أربعًا لم أر ص 474 أحدًا من أصحابك يصنعها ) )يحتمل كما قال المازري أن يكون مراده لا يصنعهن غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها.
قوله (( تمس ) )بفتح الميم؛ أي تلمس بيدك، ومسست _بالكسر_ أفصح من الفتح، قوله (( إلا اليمانيين ) )هو بتخفيف الياء وحكي التشديد، وهما الركن الأسود واليماني، وجاء في رواية لم يكن يستلم إلا الركن الأسود والذي يليه من دون الجمحيين، وإنما قيل لهذين الركنين اليمانيين؛ للتغليب كالعمرين.
فإن قلت فلم لم يعبر عنهما بالأسودين؟
أجيب بأنه لو عبر بذلك ربما اشتبه على بعض العوام أن في كل منهما الحجر الأسود بخلاف اليمانيين، وإنما سميت يمنًا؛ لأنها عن يمين الكعبة. وقيل سميت بيمن بن قحطان بن عابر، وهو هود عليه السلام، وهو أول من قال الشعر ووزنه. وقيل سمي؛ ليمنه. وقيل لتيامنهم إليها.
واستلام هذين الركنين؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، وإنما لم يستلم الآخران؛ لأنهما ليسا على قواعده، ولما ردهما ابن الزبير على القواعد استلمهما أيضًا، ولو بني الآن كذلك لاستلمت كلها اقتداءً به صرح به القاضي، وركن الحجر الأسود خص بشيئين الاستلام والتقبيل والآخر خص بالاستلام فقط، والآخران لا يقبلان ولا يستلمان، وكان بعض الصحابة والتابعين يمسحهما على وجه الاستحباب.
قال ابن عبد البر روي عن جابر وأنس وابن الزبير والحسن والحسين أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثل ذلك، ولما رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر سأله عن ذلك.
قوله (( ورأيتك تلبس النعال السبتية ) )تلبس بفتح الباء، والسبتية مكسورة السين معرب، وقد ذكر أنها التي لا شعر عليها، وهي مشتقة من السبت بفتح السين وهو الحلق والإزالة، يقال ذلك لكل جلد مدبوغ أو غير مدبوغ، أو جلود البقر إذا دبغت أو لم تدبغ أو سود لا شعر فيها، لولا سوقها ولا تتقيد بالسود، والتي عليها شعر؛ أقوال.
وعن الداودي أنها منسوبة إلى سوق السبت، وقيل لأنها أنسبت بالدباغ، أي لانت. وزعم قطرب أنه بضم السين قال وهو نبت، وفي (( المنتهى ) )لأبي المعالي أن السبت بكسر السين جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وإنما اعترض عليه؛ لأنها نعال أهل النعمة والسعة ولبس أشراف الناس وكانوا يتمدحون بلبسها.
قال أبو عمر ولا أعلم خلافًا في جواز لبسها في غير المقابر؛ وحسبك أن ابن عمر يروي عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ لبسها، وقد روي عنه أنه رأى رجلًا يلبسها في المقبرة فأمره بخلعها. ويجوز أن يكون لأذى رآه فيها أو لما شاء الله، فكرهها قوم لذلك بين القبور، بل قيل بعدم الجواز، وقد قال عليه السلام لذلك الماشي بين المقابر (( ألق سبتيتيك ) ).
وقال آخرون لا بأس بذلك لقوله عليه السلام (( إذا وضع الميت في قبره، إنه يسمع قرع نعالهم [1] ) )، وذكر الترمذي الحكيم في (( نوادره ) )أنه عليه السلام إنما قال لذلك الرجل (( ألق سبتيتك ) )لأن الميت كان يسأل فلما صر نعل ذلك الرجل شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله.
قوله تصبغ مثلث الباء قال ابن سيده في (( محكمه ) )صبغ الثوب ص 475 والشيب ونحوهما يصبغه ويصبغه ويصبغه الكسر عن اللحياني صبغًا وصبغًا، وصبغه لونه. التثقيل عن أبي حنيفة، والضم والفتح مشهوران في أصبغ أيضًا.
وهل المراد هنا صبغ الثياب أو الشعر؟ والأشبه والأظهر كما قال القاضي الأول؛ لأنه أخبر أنه عليه السلام صبغ؛ ولم ينقل عنه أنه عليه السلام صبغ شعره، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر بين فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأنه عليه السلام كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه (د) ، وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه بأنه عليه السلام كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته.
وكان أكثرهم يعني الصحابة والتابعين تخضب بالصفرة منهم أبو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن علي، والهلال هنا هلال ذي الحجة، ويوم التروية هو اليوم الثامن منه، واختلف في سبب تسميته بذلك على قولين حكاهما الماوردي.
أحدهما لأن الناس يروون فيه الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بعرفة ولا منى ماء. وقال آخرون لأنه اليوم الذي رأى فيه آدم حواء. وحكى قولًا ثالثًا لأن جبريل أرى فيه إبراهيم أول المناسك.
وقال ابن عباس سمي بذلك؛ لأن إبراهيم أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه فروى في نفسه من الله هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي فعرف أنه الحق من ربه فسميت عرفة، رواه البيهقي في (( فضائل الأوقات ) ).
وروى أبو الطفيل، عن ابن عباس أن إبراهيم لما ابتلي بذبح ابنه أتاه جبريل فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة. قال وقال ابن عباس سميت عرفة؛ لأن جبريل قال لإبراهيم هل عرفت؟ قال نعم. فمن ثم سميت عرفة.
والإهلال الإحرام. قال صاحب (( العين ) )يقال أهل بعمرة أو بحجة؛ أي أحرم بها، وجرى على ألسنتهم؛ لأنهم أكثر ما كانوا يحجون إذا أهل الهلال.
وقال صاحب (( الموعب ) )كل شيء ارتفع صوته فقد استهل، ومنه الإهلال بالحج لهما هو رفع الصوت بالتلبية، ومنه أهل بالعمرة والحج.
وقال أبو الخطاب كل متكلم رافع الصوت أو خافضه فهو مهل ومستهل، وفي (( مجمع الغرائب ) )يقال استهل وأهل. وإجابة ابن عمر بالإهلال يوم التروية بنوع من القياس؛ لأنه قاس يوم التروية؛ لأنه اليوم الذي ينبعث فيه إلى الحج، كما أنه إذا استوت به راحلته أهل، فقاس عليه.
وبعض العلماء يرى أن يهل لاستقبال ذي الحجة، والأفضل عند الشافعي ومالك، والجمهور أن يحرم إذا انبعثت به راحلته.
وقال أبو حنيفة يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعي. وفيه حديث ضعيف.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( عبيد بن جريج ) )بالجيمين واللفظان كلاهما بصيغة التصغير للعبد والجرج، وهو وعاء يشبه الخرج، وهو التيمي المولى المدني الأصل روي له الجماعة (( وأبو عبد الرحمن ) )كنيته عبد الله بن عمر بن الخطاب.
قوله (( أربعًا ) )أي أربع خصال و (( من أصحابك ) )أي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها (( من أصحابنا ) ). فإن قلت أهو كان منفردًا من بين جميع الصحابة بذلك أو المراد بعض الصحابة، وأعطى للأكثر حكم الكل. قلت يحتمل أن مراده لا يصنعها مجتمعة غيرك.
(( واليمانيين ) )بتخفيف الياء هي اللغة المشهورة الفصيحة وحكي بتشديدها في لغة قليلة، والصحيح التخفيف؛ لأنه نسبةً إلى اليمن فأبدلوا من إحدى باءي النسبة ألفًا فلو قالوا اليماني بالتشديد لزم الجمع بين البدل والمبدل منه والذين شددوها قالوا هذه الألف زائدة، وقد يزاد في النسب كما زيد النون في صنعاني والزاي في رازي، والمراد بهما الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له العراقي لكونه إلى جهة العراق ص 476 والذي قبله يماني؛ لأنه من جهة اليمن ويقال لهما اليمانيان تغليبًا.
(( والسبتية ) )بكسر السين وسكون الموحدة، هي التي أشار ابن عمر إلى تفسيرها بقوله ليس فيها شعر. وقال ابن وهب النعال السبتية كانت سودًا لا شعر فيها، وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرفاهية.
قوله (( رأيتك ) )اعلم أن لفظ رأيتك يحتمل أن يكون بمعنى الإبصار وبمعنى العلم و (( كنت ) )يحتمل أن تكون تامة وناقصة، و (( بمكة ) )ظرف لقوله أو مستقر (( وإذا ) )في إذا كنت، وفي إذا رأوا يحتمل كونهما شرطيتين وظرفيتين وكون الأول شرطية والثاني ظرفية وبالعكس.
(( وأهل ) )إما حال وإما جزاء للأول وإما جزاء للثاني على مذهب الكوفية حيث جوزوا تقديمه على الشرط، وإما مفسر لجزاء الثاني على مذهب البصرية، (( ويوم ) )إما مرفوع بأنه اسم كان التامة وإما منصوب بأنه خبر كان الناقصة والاسم الزمان المقدر الدال عليه السياق.
فإن قلت ذكر في أجواب كل من رأيتك الرابع فعلًا رآه منه فما هو ههنا، وكأن القياس أن يقول رأيتك لم تهل حتى كان يوم التروية. قلت إما أن يكون محذوفًا والمذكور دليل، وإما أن تكون الشرطية قائمة مقامه.
قوله (( قال عبد الله ) )أي ابن عمر في جواب ابن جريج. قوله (( يتوضأ فيها ) )ظاهره أنه يتوضأ في حال كون الرجل في النعل غير مخلوعة عنها. النووي معناه أنه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان بعد.
فإن قلت هذا يدل على الترجمة قلت الوضوء إذا أطلق لا يتبادر الذهن إلا إلى الوضوء الذي تغسل فيه الرجل لا إلى ما نمسح فيه لما ورد ظاهر القرآن بالغسل، ولأن الغسل هو الأصل.
قوله (( تنبعث به راحلته ) )انبعاثها كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج قالوا معنى انبعاثها استواؤها قائمة.
[1] في هامش المخطوط أقول لا يلزم من ذلك أنهم يلبسونها في المقابر بل معناه أن لو كان في أرجلهم نعال ومشوا بها لسمعهم الميت أو يسمع قرع بعد أن يخرجوا من المقبرة.