قوله ثلاثة لهم أجران الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) في مواضع هذا أحدها، وفي العتق مختصرًا وفي الجهاد وفي النكاح، وأخرجه (م) في الإيمان من طريق أبي الشعبي وفي النكاح مختصرًا.
وقد سلف التعريف برواته خلا صالح بن حيان، والمحاربي، أما صالح فهو أبو الحسن صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، ويقال صالح بن حي وحي لقب الهمداني الكوفي الثوري ثور همدان، وهو ثور بن مالك بن معاوية بن دومان بن بكيل بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان، وهو والد الحسن وعلي.
أخرج له (خ) في العتق والجهاد والنكاح والأنبياء، ونسبه هنا إلى جده الأعلى. فقال صالح بن حيان، وليس بصالح بن حيان القرشي الكوفي الذي يحدث عن أبي وائل وابن بريدة. وعنه يعلى بن عبيد، ومروان بن معاوية، فإن فيه نظر، قاله (خ) في (( تاريخه ) )، وغيره نبه عليه.
قال الدارقطني هما رجلان أخرج لهما (خ) صالح بن حي الهمداني وصالح بن حيان. وقال أحمد ويحيى صالح بن صالح بن مسلم ثقة. قال الكلاباذي مات هو وابنه علي سنة ثلاث وخمسين وابنه الحسن سنة سبع وستين ومائة.
والمحاربي هو عبد الله بن محمد بن زياد، عنه محمد بن سلام وغيره. قال يحيى بن معين ثقة. وقال أبو حاتم صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة. مات سنة خمس وتسعين ومائة.
قوله (( يطؤها ) )هو مهموز، وكان تأويله (( يوطؤها ) )مثل يوجل؛ لأن الواو إنما تحذف إذا وقعت بين الياء ونظائرها. قال الجوهري إنما سقطت الواو لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلا لازمًا، فلما جاءا من بين أخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما.
وقول الشعبي أعطيناكها بغير شيء، فيه تعريف المتعلم قدر ما أفاده من العلم، وما خصه به ليكون ذلك أدعى لحفظه وأجلب لحرصه.
قوله (( قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة ) )فيه إثبات فضل المدينة، وأنها معدن العلم وموطنه.
ونطق الشارع بأن هؤلاء الثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، والمراد بالكتابي من كان على الحق في شرعه، ثم تمسك به إلى أن جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، فله أجران باتباع الحق الأول ص 356 والحق الثاني، فأما من لم يكن على الحق في شرعه، ثم أسلم فلا يؤجر إلا على الإسلام خاصة، وإليه يرشد تبويب البخاري في الجهاد باب فضل من أسلم من أهل الكتاب، فقال في الحديث (( ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا، ثم آمن بالنبي فله أجران ) )، وقيل ذلك في كعب وعبد الله بن سلام.
وقال الداودي يريد النبي صلى الله عليه وسلم النصارى خاصة الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم على دين عيسى، ولا يصح أن يرجع إلى اليهود؛ لأنهم كفروا بعيسى، ولا ينفع معه الإيمان بموسى ولا إلى غيرهم ممن كان على غير الإسلام، وإنما يوضع عنه بالإسلام ما كان عليه من الكفر.
قال ويحتمل أن يكون ذلك في سائر الأمم فيما فعلوه من خير؛ لقوله عليه السلام لحكيم بن حزام (( أسلمت على ما أسلفت من خير ) )، وقوله (( إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب له بكل حسنة كان زلفها ) ).
وقال المهلب فيه دليل على أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البر فله أجره مرتين والله يضاعف لمن يشاء، وحصول الأجر مرتين بكونه أدى حق الله وحق مواليه كما نطق به الحديث، وفي رواية (( ونصح لسيده ) )وحصول الأجر مرتين في حق الأمة بأجر التأديب والتعليم والعتق والتزويج إذا قارنته النية.
والمعنى أن الفاعل لهذا بريء من الكبر والمباهاة إذا لم ينكح ذا شرف ومنصب. والرواية السالفة (( أعتقها ثم أصدقها ) )لا ينافيه. وفي أخرى (( ومن كانت عنده جارية فعالها وأحسن إليها، ثم أعتقها وتزوجها ) ).
وفي (م) (( فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها ) )وفي أوله (( أن رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال يابا عمرو، إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته ) ). وفي طريق (( كالراكب هديه ) ). كأنهم توهموا في العتق التزوج، والرجوع بالنكاح فيما خرج عنه بالعتق، فأجابه الشعبي بما يدل على أنه محسن إليها إحسانًا بعد إحسان، وأنه ليس من الرجوع في شيء فذكر الحديث.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أمته ) )الأمة خلاف الحرة، وأصلها أموة بالتحريك، وعطف الأهل على الأمة من باب عطف العام على الخاص. قوله (( ثلاثة ) )مبتدأ، وتقديره ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة (( ولهم أجران ) )جملة خبرية (( رجل ) )بدل من ثلاثة أو الجملة صفة، ورجل وما عطف عليه خبره.
فإن قلت إذا كان بدلًا أهو بدل البعض أم بدل الكل. قلت بالنظر إلى كل رجل بدل البعض وبالنظر إلى المجموع بدل الكل.
قوله (( من أهل الكتاب ) )لفظ الكتاب وإن كان أعم بحسب المفهوم من التوراة والإنجيل لكن خصصه عرف استعمال الشرع بهما، وقيل ذلك لأن غير اليهود والنصارى لم يوجدوا زمان البعثة المباركة، أو المراد نصراني تنصر قبل البعثة، أو بلوغ الدعوة والمعجزة إليه، ويهودي تهود قبل ذلك أيضًا.
فإن قلت ينبغي أن لا يكون الأجر المضاعف إلا للنصارى إذ لا ثواب على العمل بالدين المنسوخ ص 357 قلت لا نسلم أن النصرانية ناسخة لليهودية نعم لو ثبت ذلك لكان كذلك لكن الشأن في الدقيق [1] .
فإن قلت يحتمل إجراؤه على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان سببًا لقبول تلك الأعمال وإن كانت منسوخة كما ورد في الحديث أن حسنات الكفار مقبولة بعد إسلامهم. قلت لا يحتمل إذ هذا الحكم حينئذ لا يكون مخصوصًا بأهل الكتاب؛ لأن لفظ الكفار في الحديث يتناول الكافر الحربي وليس له أجران قطعًا.
وقد جاء في (( الصحيح ) )أيضًا بدل آمن بنبيه آمن بعيسى، وفي الجملة اللام في الكتاب للعهد إما عن التوراة والإنجيل، وإما عن الإنجيل قال تعالى {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} إلى قوله {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} .
قوله (( آمن بنبيه ) )أي بعيسى أو به وبموسى. فإن قلت ما الفائدة في ذكر آمن بنبيه إذ أهل الكتاب لا يكون إلا إذا كان مؤمنًا بنبيه. قلت فائدته الإشعار بعلية الأجر؛ أي سبب الأجرين الإيمان بالنبيين.
فإن قلت أهذا مختص من آمن منهم في عهد البعثة أم شامل لمن آمن منهم في زماننا أيضًا. قلت مختص بهم؛ لأن عيسى ليس نبيهم بعد البعثة بل نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بعدها.
فإن قلت أحكم المرأة الكتابية حكم الرجل الكتابي فيه. قلت نعم كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يذكر الرجال وتدخل النساء فيهم بالتبعية.
قوله (( العبد المملوك ) )وصف بالمملوك؛ لأن جميع الأناسي عباد الله فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للناس. فإن قلت هذا مخالف لسابقه وللاحقه من وجهين من جهة التنكير والتعريف، ومن جهة زيادة كلمة إذا، والظاهر يقتضي أن يقال عبد أو رجل مملوك أدى حق الله. قلت لا مخالفة عند التحقيق إذ المعرف باللام الجنسي مؤداه مؤدى النكرة، وكذا لا مخالفة في دخول إذا لأن إذا هو للظرف وآمن حال، والحال في حكم الظرف إذ معنى جاء زيد راكبًا جاء في وقت الركوب، وفي حاله أو تقول خالف بينهما إشعارًا بفائدة عظيمة، وهي أن الإيمان بنبيه لا يفيد في الاستقبال للأجرين بل لا بد من الإيمان في عهده حتى يستحق أجرين بخلاف العبد، فإنه في زمان الاستقبال أيضًا يستحق الأجرين فجاء بلفظ إذا الدالة على الاستقبال.
قوله (( حق الله ) )أي مثل حق الصلاة والصوم (( وحق مواليه ) )مثل خدمته، والموالي جمع المولي، وهو مشترك بين المعتق والعتيق، وابن العم والناصر، والجار والحليف، وكل من ولي أمر أحد، والمراد هنا الأخير أي السيد أو هو المتولي لأمر العبد والقرينة المعينة له لفظ العبد.
فإن قلت لم لا يحمل على جميع المعاني كما هو مذهب الشافعي إذ عنده يجب الحمل على جميع معانيه الغير المتضادة. قلت ذاك عند عدم القرينة أما عند القرينة يجب حمله على ما عينته القرينة اتفاقًا.
فإن قلت فهو هو مجازًا في المعنى المعين إذ لا يحتاج إلى القرينة هو من علامات المجاز أم لا. قلت هو حقيقة فيه، وليس كل محتاج إليها مجازًا نعم المحتاج إلى القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي مجاز، ومحصله أن قرينة التجوز قرينة الدلالة، وهو غير قرينة الاشتراك التي هي قرينة التعيين، والأولى هي من علامات المجاز لا الثانية.
فإن قلت لم عدل عن لفظ المولى إلى لفظ الموالي. قلت لما كان المراد من العبد جنس العبيد جمع حتى يكون عند التوزيع لكل عبد مولى؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه مفيدة للتوزيع، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء حق جميع مواليه لو كان مشتركًا بين طائفة مملوكًا ص 358 لهم.
فإن قلت فأجر المماليك ضعف أجر السادات. قلت لا محذور في التزام ذلك أو يكون أجره ضعفه من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخر يستحق فيها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للخفين على العبد المؤدي لأحدهما.
فإن قلت فعلى هذا يلزم أن يكون الصحابي الذي كان كتابيًا أجره زائدًا على أجر أكابر الصحابة، وذلك باطل بالإجماع. قلت الإجماع خصصهم وأخرجهم من ذلك الحكم ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابيًا.
قوله (( يطؤها ) )فإن قلت فلو لم يطأها لكن أدبها إلى آخره هل له أجران. قلت نعم إذ المراد يطؤها يحل وطؤها سواء صارت موطوءة أم لا.
قوله (( فأدبها ) )الأدب هو حسن الأحوال والأخلاق (( فأحسن تأديبها ) )أي أدبها من غير عنف وضرب بل باللطف والرفق (( وعلمها ) )أي أحكام الشريعة ما يجب عليها (( فأحسن تعليمها ) )أي علمها بالرفق والخلق.
فإن قلت أليس التأديب داخلًا تحت التعليم. قلت لا إذ التأديب يتعلق بالمروءات والتعليم بالشرعيات؛ أي الأول عرفي والثاني شرعي أو الأول دنيوي والثاني ديني.
قوله (( أعتقها ) )فإن قلت لم ذكر في أخواته بالفاء وهذا بثم. قلت لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطء بل لا بد منهما في نفس الوطء بل قبله أيضًا لوجوبهما على السيد بعد التملك بخلاف الإعتاق أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسي إلى صنف أخر منها، ولا يخفى ما بين الصنفين المنتقل منه والمنتقل إليه من التعديل من الضدية في الأحكام والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًا على التراخي بخلاف التأديب وأخواته.
قوله (( فله أجران ) )الظاهر أن الضمير راجع إلى الرجل الثالث، ويحتمل أن يرجع إلى كل من الثلاث. فإن قلت ما العلة في التخصيص بهؤلاء الثلاث، والحال أن غيره أيضًا كذلك مثل من صلى وصام، فإن للصلاة أجرًا وللصوم أجرًا آخر وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله وحق والده. قلت الفرق بين هذه الثلاث وغيرها أن الفاعل في كل منهما جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة كان الفاعل لهما فاعل للضدين عامل بالمتنافيين بخلاف غيره.
فإن قلت ينبغي أن يكون لهذا الأخير أجور أربعة أجر التأديب والتعليم والإعتاق والتزوج بل سبعة. قلت المناسبة بين هذه الصورة وإخوتها الجمع بين الأمرين اللذين هما كالمتنافيين، ولهذا لم يعتبر فيهما إلا الأجر الذي من جهة الأحوال التي للرقبة والذي من جهة الأحوال التي للحرية، ولهذا ميز بينهما بلفظ ثم دون غيرهما.
فإن قلت فلم كرر لفظ الأجران. قلت البلغاء يكررون بعض الكلام حين طوله اهتمامًا به قال الحماسي
~وإن امرئ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريم
المظهري المراد بحصول الأجرين له هنا بالإعتاق والتزوج؛ لأن التأديب والتعليم موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلم يكن مختصًا بالإماء، وقيد بالتأديب والتعليم لأنه أكمل الأجر إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه.
قوله (( عامر ) )أي الشعبي (( أعطيناكها ) )الخطاب بمصالح الضمير راجع إلى المسألة أو إلى المقالة. قوله (( بغير شيء ) )أي بغير أخذ مال منك على جهة الأجرة عليه، وإلا فلا شيء أعظم من الأجر الأخروي الذي هو ثواب التبليغ والتعليم.
قوله (( قد كان ) )في بعض النسخ (( فقد كان ) )و (( يركب ) )أي يرحل واللام في المدينة للعهد من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قلت الحديث كيف يدل على الترجمة إذ ليس فيه ما يدل على تعليم الأهل؟. ص 359 قلت بالقياس على تعليم الأمة، أو ترجم وأراد أن يلحق إليه حديثًا يدل عليه فلم يتفق له.
النواوي وفي قول الشعبي جواز قول العالم مثله تحريضًا للسامع، وفيه بيان ما كان السلف عليه من الرحلة إلى البلدان البعيدة في حديث واحد أو مسألة واحدة.
[1] في هامش المخطوط أقول قول والدي رحمه الله تعالى الشأن في الدقيق بهي كله عن حكاية وذلك أن رجلًا قال لبعض أصحابه لو كان عندنا عسل كما ليس عندنا ممن لا يجدنا عضده ولكن الشأن في الدقيق.