فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 3844

قوله (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما القتال ) )إلى آخره هذا الحديث أخرجه (خ) هنا وفي الجهاد عن سليمان بن حرب، وفي الخمس عن بندار، وفي التوحيد عن محمد بن كثير، وأخرجه (م) في الجهاد عن أبي موسى. وسلف رواته.

وفيه جواز سؤال العالم وهو واقف كما ترجم له لعذر ص 411 من ضيق مكان ونحوه، ولا يكون ذلك تركًا لتوقير العالم، ألا ترى أنه عليه السلام لم ينكر ذلك عليه، ولا أمره بالجلوس؛ ولا من باب (( من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار ) )فمثل هذه الهيئة مع سلامة النفس مشروعة.

وفيه أيضًا ما أعطي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة وجوامع الكلم، فإنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله لا بلفظه من أجل أن الغضب والحمية قد تكون لله تعالى، وقد تكون لعرض الدنيا، فأجابه بالمعنى مختصرًا، إذ لو ذهب يقيم وجوه الغضب لطال ولربما التبس على السائل، وجاء أيضًا في (( الصحيح ) )الرجل يقاتل للمغنم، ويقاتل للذكر، ويقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فأجاب بذلك.

وفيه أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي، فقد خسر ومن غلب الدنيا ففائز عند الجمهور خلافًا للحارث المحاسبي.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( عالمًا ) )مفعول سأل وجالسًا حال عنه وهو قائم حال عن الفاعل. قوله (( إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) )فإن قلت ما جاء متعد بنفسه فلم عدى بكلمة الانتهاء. قلت الإشعار بأن المقصود بيان انتهاء المجيء إليه.

قوله (( غضبًا ) )الغضب هو حالة تحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام والحمية هي المحافظة على الحرم، وقيل هو الأنفة والغيرة والمحاباة عن العشيرة والأول إشارة إلى مقتضى القوة الغضبية، والثاني إلى مقتضى القوة الشهوانية أو الأول لأجل دفع المضرة والثاني لأجل جلب المنفعة.

قوله (( فرفع ) )أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إلى السائل و (( إلا أنه كان قائمًا ) )استثناء مفرغ وأن مع الاسم والخبر في تقدير مصدر الخبر أي ما رفع لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل.

قوله (( كلمة الله ) )أي دعوته إلى الإسلام و (( هي ) )فصل أو مبتدأ وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلن وأنها المختصة به دون سائر الكلام. فإن قلت السؤال من ماهية القتال والجواب ليس عنها بل عن المقاتل. قلت فيه الجواب وزيادة أو أن القتال بمعنى اسم الفاعل أي المقاتل بقرينة لفظ فإن أحدنا وما أن قلنا أنه عام للعالم ولغيره فظاهر، وإن قلنا أنه بغيره فذلك إذا لم يعتبر معنى الوصفية فيه إذ صرحوا بلفظ الفرق بين العالم وغيره عند اعتبارها.

الزمخشري في قوله تعالى {بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون} فإن قلت كيف جاء بما الذي لغير أولى العلم مع قوله قانتون؟ قلت هو كقوله سبحان ما سخركن لنا أو تقول ضمير فهو راجع إلى القتال الذي في ضمن قاتل؛ أي فقتاله قتال في سبيل الله.

فإن قلت فمن قاتل لطلب ثواب الآخرة أو لطلب رضا الله فهو في سبيل الله. قلت نعم لأن طلب إعلاء الكلمة وطلب الثواب والرضا كلها متلازمة، وحاصل الجواب أن القتال في سبيل الله تعالى منشؤه القوة العقلية لا القوة الغضبية والشهوانية وانحصار القوى الإنسانية في هذه الثلاث مذكور في موضعه.

قال ابن بطال جواب النبي صلى الله عليه وسلم بغير لفظ سؤاله والله أعلم من أجل أن الغضب والحمية قد يكونان لله تعالى وهو كلام مشترك فجاوبه النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى لا باللفظ الذي سأله به السائل إرادة إفهامه وخشية التباس الجواب عليه لو قسم له وجوه الغضب والحمية، وهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم.

النووي فيه بيان أن الأعمال إنما هي تحسب بالنيات الصالحة وأن الفضل الذي ورد ص 412 في المجاهدين يختص بمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى، وفيه أنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفًا إذا كان هناك عذر وكذلك طالب الحاجة وفيه إقبال المتكلم على المخاطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت