وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (( خمس لا يعلمهن إلا الله ) ).
هذا التعليق سبق في باب سؤال جبريل عن الإيمان. ثم ساق عن محمد بن يوسف بسنده عن ابن عمر قال قال النبي (( مفتاح الغيب خمس .. ) )الحديث.
وأخرجه أيضًا في التفسير. وأخرجه (ن) في النعوت، ومحمد بن يوسف هذا هو الفريابي كما صرح به أبو نعيم، ثم قال رواه يعني (خ) عن الفريابي وإذا كان هو الفريابي سفيان هو الثوري.
وسبق هذا الحديث فيما أسلفناه. ويأتي في التفسير. قوله (( لا يدري أحد متى يجيء المطر ) )يدل على صحة التأويل السالف في الباب قبله، أن نسبة الغيث إلى الأنواء كفر؛ لأنه عليه السلام قد أخبر أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان الغيث من قبل الأنواء لعلم متى يكون المطر على ما رسمه أهل الجاهلية، وقد وجدنا خلاف ص 1162 رسمهم في ذلك بالشهادة، وذلك أنه من فعل الله وحده.
ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى {إن الله عنده علم الساعة} الآية، وهذه الآية مع هذا الحديث يبطل تحريض المنجمين في تعاطيهم علم الغيب، ومن ادعى علم ما أخبر الله ورسوله، أن الله منفرد بعلمه وأنه لا يعلمه سواه فقد كذب الله ورسوله، وذلك كفر من قائله. وفي حديث آخر (( ولا يدري أحد متى الساعة ) )ودليله {إن الله عنده علم الساعة} .
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( مفتاح الغيب ) )هو إما استعارة مكنية بأن يجعل الغيب كالمخزن المستوثق بالإغلاق فيضاف إليه ما هو من خواص المخزن المذكور وهو المفتاح، وإما استعارة مصرحة بأن يجعل ما يتوصل به إلى جزئية الغيب كالمفتاح للمخزن فيكون لفظ الغيب قرينة له.
فإن قلت الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة لا يعلم مبلغها إلا الله تعالى فما وجه التخصيص بالخمس؟ قلت التخصيص بالعدد لا يدل على النفي الزائد أو ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس، أو لأنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس أو لأن أمهات الأمور هذه لأنها إما أن تتعلق بالآخرة وهو علم الساعة، وإما بالدنيا وذلك إما متعلق بالجماد أو بالحيوان.
والثاني إما بحسب مبدأ وجوده أو بحسب معاده أو بحسب معاشه.
فإن قلت من أين يفهم منه علم الساعة وقد ذكره الله من الخمسة حيث قال {إن الله عنده علم الساعة} قلت الأول من هذه إشارة إليه إذ يحتمل وقوع أشراط الساعة في الغد.
فإن قلت لم قال في موضعين نفس وفي الثلاث أحد, قلت النفس هي الكاسبة وهي المانعة قال تعالى {كل نفس بما كسبت رهين} وقال تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها} فلو قيل بدلها لفظ أحد فيهما لاحتمل أن يفهم منه لا يعلم أحد ما تكسب نفسه أي بأي أرض تموت نفسه بثبوت المبالغة المقصودة، وهي أن النفس لا تعرف حال نفسها حالًا ومآلًا، وإذا لم يكن لها طريقة إلى معرفتها فكان إلى معرفة ما عداها أشد.
فإن قلت ما الفرق بين العلم والدراية؟ قلت الدراية أخص لأنها علم باحتيال أي إنها لا تعرف وإن أعملت حيلتها.
فإن قلت لم عدل عن لفظ الدراية وهو تدري إلى لفظ تعلم في ماذا كسبت غدًا؟ قلت لإرادة زيادة المبالغة إذ نفي العام مستلزم لنفي الخاص بدون العكس فكأنه قال لا تعلم أصلًا سواء احتالت أم لا.