فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 3844

قوله (( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ) )إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (د، ن) من طريق مالك، وأخرجه (م) من طريق آخر. قوله (( توضأ ) )أراد الوضوء.

قوله (( فليجعل في أنفه ) )أي ماءً، حذف للعلم به، فيؤخذ منه حذف المفعول إذا دل الكلام عليه، أي ومعنى (( يجعل ) )هنا يلقي، قوله (( في وضوئه ) )بفتح الواو.

فيه مطلوبية الاستنثار، وفيه الأمر بالإيتار. والمراد بالإيتار عندنا أن يكون عدد المسحات ثلاثًا، أو خمسًا، أو فوق ذلك من الأوتار.

وفيه مشروعية غسل اليدين، وكراهة غمسها في الإناء في الوضوء ليس مختصا بنوم الليل، بل لا فرق بين نوم الليل والنهار؛ لإطلاقه عليه السلام النوم من غير تقييد، وخصصها أحمد بنوم الليل؛ لقوله (( أين باتت يده ) )والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ويؤيده رواية (د، ت) وصححها (( إذا قام أحدكم من الليل ) )وعنه رواية أخرى وافقه عليها داود أن كراهته إن كان من نوم الليل للتحريم، وإلا فللتنزيه.

وحمله غيرهما على أن ذكر الليل للغالب لا للتقييد ويرشد إلى ذلك أنه علله بأمر يقتضي الشك وهو (( فإنه لا يدري أين باتت يده ) )فدل على أن الليل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد، ثم هذه المشروعية أعني تقديم الغسل على الغمس على وجه الندب عند الشافعي ومالك والجمهور، وعلى وجه الوجوب عند داود والطبري، فلو خالف وغمس به لم ينجس الماء، خلافًا للحسن البصري وإسحاق وابن جرير ورواته عن أحمد، وهو بعيد؛ لأنه يتنجس بالشك، وفي رواية منكرة الأمر بإراقة ذلك الماء، وقال بعض المالكية بمقتضاها استحبابًا.

وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيى من التصريح به، فإنه عليه السلام قال (( لا يدري أين باتت يده ) )ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو على ذكره أو على نجاسة، أو نحو ذلك، وإن كان مرادًا.

وفي قوله (( من نومه ) )خروج الغفلة ونحوها، وفي إضافة النوم إلى ضمير أحدكم؛ ليخرج نومه عليه السلام فإنه تنام عينه دون قلبه.

وفيه دلالة على الفرق بين وروده النجاسة وورودها عليه، فإذا ورد عليها الماء أزالها، وإذا وردت عليه نجسته إذا كان قليلًا؛ لنهيه عليه السلام عن إيرادها عليه؛ وأمره بإيراده عليها وذلك يقتضي أن ملاقاة النجاسة إذا كان الماء واردًا عليها غير مفسد له، وإلا لما حصل المقصود من التطهير.

وفيه دلالة على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها فيه، فإنه عليه السلام إذا منع من إدخال اليد فيه باحتمال النجاسة، فمن تبعها أولى.

قوله (( قبل أن يدخلها في وضوئه ) )يشعر بأن السياق ص 472 للماء، والحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( فليجعل في أنفه ) )إشارة إلى الاستنشاق ثم لينتثر إشارة إلى الاستنثار، وفي بعضها (( لينتثر ) )، وفي بعضها (( ليسنتثر ) ).

فإن قلت ما وجه المناسبة في تخليل هذا الباب بين أبواب الوضوء ولما كان الاستجمار مقدمًا في الوجود على الاستنثار كان المناسب في الترتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب، قلت معظم نظر (خ) إلى نقل الحديث وإلى ما يتعلق بتصحيحه غير مهتم بتحسين الوضع وتدبيره ترتيب الأبواب؛ لأن أمره سهل.

الخطابي الأمر فيه أمر استحباب لا أمر إيجاب وذلك لأنه قد علقه بالشك والأمر المضمن بالشك لا يكون واجبًا، وأصل الماء الطهارة وكذلك بدن الإنسان، وإذا ثبتت الطهارة يقينًا لم تزل بأمر مشكوك فيه، وإنما جاء هذا في المياه التي هي في حد القلة إذ كان قد جرت عادتهم باستعمال الأواني الصغار في طهورهم كالمخاضب دون المياه التي في الحياض والمصانع الواسعة، وإذا كان الماء في حد الكثرة لم يكن هذا المعنى موهومًا.

وفرق أحمد بين نوم الليل والنهار، قال لأن الحديث إنما جاء في نوم الليل بدليل لفظ باتت، والمبيت إنما يكون ليلًا، ولأن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما لنوم الليل فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلًا فربما أصابت موضع العورة، وكانوا قلما يستعملون الماء إنما يستنجون بالحجارة، وقد يكون هناك لوث من أثر الحدث لم ينقه الاستنجاء بالحجارة فيعلق بيده، وإذا غمسها في الإناء فسد الماء لمخالطة النجاسة إياه، وقلنا هذا الذي قاله يحتمل أن يكون وأن لا يكون، والطهارة المتيقنة لا تزول بالتردد بين أن يكون وأن لا يكون فالاحتياط أن يغسلها، والقياس أن لا وجوب [1] .

[1] في هامش المخطوط أقول استنبطت من قوله ويل للأعقاب الحديث .. وجوب الترتيب في الوضوء فإنهم استعملوا في إكمال الوضوء ليدركوا النبي عليه السلام في الصلاة فلم يكملوا غسل أرجلهم فدل أن غسل أرجلهم كان متأخرًا عن غسل باقي أعضاء الوضوء فإنهم لو بدأوا بغسل الأرجل وغسلوها كاملة وكلهم كانوا غسلوا أعضاء الوضوء فلما شرعوا في غسل أرجلهم خافوا فوات صلاتهم مع النبي عليه السلام فتركوا بعض أرجلهم غير مغسولة فتأمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت