فهرس الكتاب

الصفحة 3191 من 3844

وقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) ).

هذا الحديث أسنده قريبا في باب ص 4412 ما ينهى عن التدابر، من طريق أنس رضي الله عنه (( لا تباغضوا ) ) (( ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ) )وذكر في الباب حديث أنس وأبي أيوب وهو صريح في تحريم الهجران فوق ثلاث، وكذا العداوة والإعراض عن المسلم حرامان، وهذا فيمن لم يجن على الدين جناية، فأما من جنى عليه، وعصى ربه، فجاءت الرخصة (في عقوبته) بالهجران، كالثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك، أمر الشارع بهجرانهم،

وآلى عليه السلام من نسائه شهرا. وهذا تخصيص لعموم الخبر.

فإن قلت أيأثم من كلم الفجار والعصاة على علم منهم بها بغير تأويل؟ قلت إن كلمهم بالتقريع والوعظ لم يأثم، وإن كلمهم على غير ذلك خشيت عليه الإثم، قاله ابن جرير، إلا أن يكلم من لا يجد من كلامه بدا، فيكلمه وهو كاره لطريقته وعليه واجد، كالذي كان من أبي قتادة في كعب، إذ ناشده الله أهل تعلمني أحب الله ورسوله؟ كل ذلك لا يجيبه، ثم أجابه بأن قال الله ورسوله أعلم، ولم يزده على ذلك. وقيل كلامهم مكروه.

فرع

اختلف هل يخرج (بالسلام) وحده من الهجران؟ فقالت البغاددة (نعم) ؛ لقوله عليه السلام (( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) )وقاله مالك مرة، وقال إنه حري إن كان يؤذيه برئ من الشحناء، وقال أحمد ينظر إلى حالهم قبل، فإن علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه ذلك، لا يخرجه السلام ليس معه إعراض. قيل وروي نحوه عن مالك.

ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث

أحدها

حديث عوف بن الطفيل هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لأمها أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة الحديث.

عوف هذا هو ابن الحارث بن الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن

سخبرة بن جرثومة بن عادية بن مرة بن جشم بن أوس بن عامر بن حنين بن النمر بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. هكذا ساقه ابن الكلبي. وقال الطفيل أخو عائشة لأمها أم رومان بنت عمير الكناني.

وكانت عائشة رضي الله عنها من أجود الناس، أعطت القاسم بن محمد وابن أبي عتيق ابني أخويها ما أعطت فيه مائة ألف، وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف. وإنما كره لها ابن الزبير بيع رباعها، وتأولت هي في هجرانه أنها كانت أمه؛ لأنها أم المؤمنين، فهي أم له لا (خالة) .

وذكر أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تكنيني؟ فقال (( تكني بابنك عبد الله ) )فكانت تكنى بأم عبد الله، فرأت (عائشة رضي الله عنها) أنه عقها، وأنه أتاها بما يوجب هجرته، فتنكر له الناس إذ هجرته عائشة، وكان هذا قبل أن يلي؛ لأن عائشة ماتت سنة سبع وخمسين، في خلافة معاوية، وكان ابن الزبير حينئذ لم يل.

ومعنى (الهجرة) كما قال الطبري ترك الرجل كلام أخيه إذا اجتمعا، وأعرض كل واحد منهما عن صاحبه مصارمة له، وتركا للكلام له والسلام عليه إذا تلاقيا. وعائشة لم تكن ممن تلقى ابن الزبير، وإنما كانت من وراء حجابص 4413

ص 4414

ص 4415

ورضاك )) . قالت وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال (( إنك إذا كنت راضية قلت بلى ورب محمد. وإذا كنت ساخطة قلت لا ورب إبراهيم ) ). قالت قلت أجل، لست أهاجر إلا اسمك.

(أجل) جواب مثل نعم. قال الأخفش إلا أنها أحسن من في التصديق ونعم أحسن في الإستفهام فإذا قال سوف نذهب، قلت أجل، كان أحسن من نعم، وإذا قال أنذهب؟ قلت (نعم) ، كان أحسن من أجل. والحديث على هذا؛ لأنه أخبرها بصفة حالها معه ولم يستفهمها، فقالت أجل.

قال المهلب غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة الهجران الجائز، وأن ذلك متنوع على قدر الإجرام، فمن كان جرمه كبيرا فينبغي هجرانه واجتنابه وترك مكالمته كما في أمر كعب بن مالك وصاحبيه. وما كان [من] المغاضبة بين الأهل والإخوان فالهجران الجائز فيها هجران التحية والتسمية وبسط الوجه، كما فعلت عائشة في مغاضبتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الطبري في حديث كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي والفسوق والبدع؛ ألا ترى أنه عليه السلام نهى عن كلامهم بتخلفهم عنه، ولم يكن ذلك كفرا ولا ارتدادا، وإنما كان معصية ركبوها فأمر بهجرهم، حتى تاب الله عليهم، ثم أذن في مراجعتهم. فكذلك الحق في كل من أحدث ذنبا خالف به أمر الله ورسوله فيما لا شبهة فيه ولا تأويل، أو ركب معصية على علم أنها معصية لله، أن يهجر غضبا لله ولرسوله ولا يكلم حتى يتوب وتعلم توبته علما ظاهرا، كما قال في قصة الثلاثة الذين خلفوا.

فإن قلت فإنك تبيح كلام أهل الشرك بالله ولا توجب على المسلمين هجرتهم، فكيف ألزمتنا هجرة أهل البدع والفسوق وهم بالله ورسوله مقرون؟

قيل إن حظرنا ما حظرنا وإطلاقنا ما أطلقنا لم يكن إلا عن أمر من لا يسعنا خلاف أمره، وذلك نهيه عليه السلام عن كلام النفر المتخلفين عن تبوك وهم بوحدانية الله مقرون، وبنبوة نبيه معترفون. وأما المشركون فإنما

أطلقت لأهل الإيمان كلامهم؛ لإجماع الجميع على إجازتهم البيع والشراء منهم والأخذ والإعطاء. وقد يلزم في هجرة كثير من المسلمين في بعض الأحوال ما لا يلزم في هجرة كثير من أهل الكفر، وذلك أنهم أجمعوا على أن رجلا من المسلمين لو لزمه حد من حدود الله في غير الحرم ثم استعاذ به أنه لا يبايع ولا يكلم ولا يجالس حتى يخرج من الحرم فيقام عليه حد الله كذا ادعاه الطبري ولا يسلم له؛ فالخلاف ثابت (ولله أحكام في خلقه جعلها) بينهم في الدنيا مصلحة لهم، هو أعلم بأسبابها وعليهم التسليم لأمره فيها؛ لأن له الخلق والأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت