فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 3844

عن عائشة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن ) ).

ما ذكره أولًا معلقًا ذكره ابن أبى شيبة، هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في التوحيد، وأخرجه (م) أيضًا.

وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة الأسدي تابعي، وفي أبي داود آخر كنيته كذلك، واسمه عبد الله بن يحيى الصنعاني ولا ثالث لهما في الكتب الستة. وأبو رزين اسمه مسعود بن مالك هو مولى أبي وائل تابعي أيضًا. ومنصور بن صفية هو ابن عبد الرحمن بن طلحة العبدري الحجبي المكي الخاشع البكاء، صالح الحديث، مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائة، ووالدته لها رؤية، ووالدها شيبة العبدري حاجب البيت.

قولها (( في حجري ) )هو بفتح الحاء وكسرها، ووقع للعذري في (م) (( حجرتي ) )بمثناة فوق قبل الياء، وهو وهم، ووقع لبعض رواة (م) (( وأنا حائضة ) )، والأفصح حائض. وللنحاة في الأولى وجهان

أحدهما أن حائض وطالق مما لا شركة ص 613 فيه للمذكر، فاستغنى عن العلامة.

وأصحهما أن ذلك على طريق النسب؛ أي ذات حيض وذات طلاق.

ومعنى (( يتكئ ) )يميل بإحدى شقيه.

ووجه مناسبة ذكر (خ) ما ذكر عن أبي وائل في هذا الباب أنه لما ذكر جواز حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف نظرها بمن يحفظ القرآن، فهو حامله؛ لأنه في جوفه؛ كما روي عن ابن المسيب وابن جبير، وعن ابن عباس أنه كان يقرأ ورده وهو جنب، فقال في جوفي أكثر من ذلك.

ووجه مناسبته إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في حقه وحامله، إذ غرض (خ) بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض للمصحف، وقراءتها القرآن، فالمؤمن الحافظ أكبر أوعيته، وها هو عليه السلام أفضل المؤمنين؛ لعموم رسالته، وحرمة ما أودع من طيب كلامه في حجر حائض تاليًا للقرآن.

لكن قولها (( فيقرأ القرآن ) )قد يقال فيه إشارة إلى المنع؛ لأنه أتاه بحجر التنصيف عليه إذا كان ثم ما يوهم منعه، ولو كانت جائزة لكان هذا التوهم متيقنًا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فممن رخص للحائض والجنب في حمل المصحف بعلاقته الحكم بن عتيبة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم وهو قول أهل الظاهر.

وقال جمهور العلماء لا يمسه حائض ولا جنب، ولا يحمله إلا طاهر غير محدث، روي ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، وأجاز ابن سيرين والشعبي مسه من غير وضع.

ومنع الحكم مسه بباطن الكف خاصة، كذا نقل عنه، وفيه مخالفة لما مضى، حجة من أجاز الحديث السالف (( إن المؤمن لا ينجس ) )، وكتب عليه السلام إلى هرقل آية من القرآن، ولو كان حرامًا ما كتبها إليه؛ لأنه يمسونه بأيديهم، وذكر ابن أبي شيبة أن سعيد بن جبير دفع المصحف بعلاقته إلى غلام له مجوسي.

واحتج الجمهور بقوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة79] وبحديث عمرو بن حزم مرفوعًا (( لا يمس القرآن إلا طاهر ) ). وبأن عائشة كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ويمسكها المصحف، ولا تمسكه هي.

والجواب عن قصة هرقل أنه رخص في ذلك لمصلحة الإبلاغ، ولم يفعله للتلاوة ولا خلاف في جواز ما وافق نظم التلاوة من الدعاء والذكر وفي جواز البسملة والحمدلة على قصد التبرك.

اعترض الأولون بأن المراد بالمطهرين الملائكة، قاله قتادة، والربيع بن أنس، وأنس بن مالك وغيرهم.

ونقله السهيلي عن مالك قال ويؤكده أنه تعالى لم يقل المطهرين، وفرق ما بين المتطهر والمطهر، وذلك أن المتطهر من فعل الطهور، وأدخل نفسه فيه كالمنفعة، كذلك المتفعل في أكثر الكلام واستبعده بعضهم؛ لأنهم كلهم مطهرون، ومسه والاطلاع عليه إنما هو لبعضهم؛ ولأن تخصيص الملائكة من بين سائر المتطهرين على خلاف الأصل.

وقال محمد بن حزم قراءة القرآن والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبلا وضوء وللجنب وللحائض، وهو قول ربيعة وسعيد بن المسيب وابن جبير وابن عباس وداود وجميع أصحابنا.

قال والآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فلا يصح منها شيء؛ لأنها إما مرسلة، وإما صحيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس، عن أبي سفيان حديث هرقل ص 614 الذي فيه و {يا أهل الكتاب تعالوا} الآية [آل عمران64] ، فهذا الشارع قد بعث كتابًا فيه قرآن إلى النصارى، وقد آمن أنهم يمسونه.

وقد أسلفنا الجواب عن هذا.

قال فإن ذكروا حديث ابن عمر (( نهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ) ).

قلنا هذا حق يلزم اتباعه، وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط.

عن سعيد بن جبير في قوله {لا يمسه إلا المطهرون} هم الملائكة الذين في السماء، وعن سلمان أنه الذكر الذي في السماء لا تمسه إلا الملائكة، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفًا أمر نصرانيا فنسخه له.

ثم نقل عن أبي حنيفة أنه لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته، وغير المتوضئ عنده كذلك، وأبى ذلك مالك إلا إن يكون في خرج أو تابوت، فلا بأس أن يحمله الجنب واليهودي والنصراني.

قال ابن حزم وقد جاءت أحاديث في نهي الجنب ومن ليس على طهر من أن يقرأ القرآن، ولا صح منها شيء.

قلت قد روي في ذلك أحاديث منها حديث عبد الله بن رواحة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. قال ابن عبد البر رويناه من وجوه صحاح.

وحديث علي مرفوعًا (( لا يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة ) )صححه (ت) وغيره. وحديث عائشة مرفوعًا (( لا يقرأ الجنب والحائض شيئًا من القرآن ) ). رواه الحاكم في (( تاريخ نيسابور ) ). وحديث ابن عمر مرفوعًا مثله، وحديث جابر مرفوعًا مثله، وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب.

وبها حديث علي مرفوعًا (( يا علي لا تقرأ القرآن وأنت جنب ) )رواه الدارقطني.

وروي عن عمر، وعلي، والحسن، وقتادة. وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وأجاز مالك للحائض القراءة القليلة استحسانًا لطول مقامها، وعنه الإباحة مطلقًا، وأباحه قوم، وكان ابن عباس لا يرى بالقراءة للجنب بأسًا.

وقال إبراهيم النخعي لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض الآية ونحوها، وأجاز عكرمة للجنب أن يقرأ، وليس له أن يتم سورة كاملة، ذكره الطبري، وقال الأوزاعي لا يقرأ إلا آية الركوب وآية النزول.

فروع غريبة

المتيمم يمس المصحف خلافًا للأوزاعي، وقال أبو يوسف لا يمسه الكافر، وخالف محمد فقال لا بأس به إذا اغتسل، ولا بأس بتعليم المعلم الصبيان حرفًا حرفًا للحاجة، كما قاله بعض الحنفية، قال ولا تكره قراءة المبدل من التوراة والإنجيل والزبور، ولا تكره قراءة القنوت في ظاهر الرواية.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( خادمه ) )فإن قلت الخادم يذكر، فكيف قال وهي حائض. قلت الخادم واحد الخدم غلامًا كان أو جارية.

قوله (( أبو رزين ) )بفتح الراء وكسر الزاي وبالنون، كنية لقيط ابن عامر العقيل الصحابي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يكره المسائل فإذا سأله أبو رزين أعجبه مسألته.

قوله (( يتكئ ) )بالهمز في الآخر من باب الافتعال، وجملة (( وأنا حائض ) )في محل الحال إما من فاعل (( يتكئ ) )وإما من المضاف إليه وهو ياء المتكلم.

فإن قلت الحال من المضاف إليه ضعيفة.

قلت ذلك إذا لم يكن بين المضاف والمضاف إليه غاية الاتصال، وقال تعالى {واتبع ملة إبراهيم حنيفا} [البقرة135] ولفظ (( في حجري ) )بمعنى على، كما في قوله تعالى {في جذوع النخل} [طه71] وفائدة العدول عنه بيان التمكن فيه كتمكن المظروف في الظرف.

قال ابن بطال غرض (خ) في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن؛ لأن المؤمن الحافظ له أكبر أوعيته، وساق كلام ابن بطال إلى آخره، كما سبق، ثم قال والدي رحمه الله تعالى

أقول ليس غرض (خ) أن يدل على جواز حمل الحائض للمصحف بل الغرض ص 615 هو مجرد ما ترجم في الباب عليه وهو جواز القراءة بقرب موضع النجاسة، وكيف وكون المؤمن في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، ولهذا اتفقوا على جوازه، واختلفوا في جواز الحمل، والسبب فيه أن الممنوع هو الحمل المخل بالتعظيم ولا إخلال في الاتكاء على الحائض، ولهذا جاز حمل الصندوق الذي فيه الثياب والأمتعة بسواه اتفاقًا، ثم إن مثله لا يسمى مسًا ولا حملًا عرفًا ولا ممنوع سواهما، ثم لا يصح قياس المصحف على الدراهم؛ لأنه لم يثبت فيه القرآن لقصد الدراسة والقراءة ولهذا لا يجري عليها أحكام القرآن ولا قياس للقراءة على الذكر للفرق الظاهر بينهما من جهات كقدمه، وككونه من صفات الله تعالى ثم لا احتجاج بمكتوب هرقل؛ لأنه لم يثبت فيه القراءة ولأنه كان كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية لا يقال أنها عربية إذ الاعتبار بالغالب، ثم جميع هذه الاستدلالات لا تقابل صريح الآية، والحديث اللذين ذكرهما الجمهور.

فإن قلت يحتمل أن يراد به المطهر من الشرك والجنابة. قلت هو مطلق لابد أن يحمل على الكامل سيما وقد ذكر بلفظ المبالغة، فالمقصود المطهر من كل الأنجاس والأحداث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت