فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
2 -باب إذا وكل المسلم حربيًا في دار الحرب أو دار الإسلام جاز
فيه حديث عبد الرحمن بن عوف، قال كاتبت أمية بن خلف كتابًا.
هذا الحديث ليس مطابقًا للتبويب، إذ ليس فيه وكالة، إنما تعاقدا أن يجير كل واحد منهما صاغية صاحبه، كذا قال ابن التين، وقد يقال هو في معنى التوكيل؛ لأن الوكالة إرصاد شخص لمصالحه، وهذا منه.
والصاغية المال والأهل، وغير ذلك، وقيل هم حاشية الرجل، ومن يصغى إليه؛ أي يميل، ومنه أصغيت إلى فلان؛ أي ملت بسمعي إليه، ومنه {ولتصغى إليه أفئدة الذين} [الأنعام113] ، وكل مائل إلى شيء أو معه فقد صغى إليه وأصغى.
ورواه الداودي (( في ظاعنته ) )، قال والظاعنة ما ظعن إلى حيث سمى، يقال للمسافر وللجماعة ظاعنة، ولم يذكر أحد هذه الرواية غيره.
قال ابن سيده وأراهم إنما أنثوا على معنى الجماعة. وقال الهروي خالصته.
قوله (( لا أعرف الرحمن ) )أي لا أعيذ من يعبده، وهذه حمية الجاهلية التي ذكرت، حين لم يقروا كتابه يوم الحديبية (( بسم الله الرحمن الرحيم ) )، قالوا لا نعرف الرحمن، اكتب باسمك اللهم.
قوله (( خرجت إلى جبل لأحرزه ) )أي لأحفظه، وهو بضم الهمزة رباعي؛ لأن ماضيه أحرز.
وفيه أن قريشًا لم يكن لهم يوم بدر ما كان لغيرهم من الأمان، إذ لم يجز بلال وأصحابه أمان عبد الرحمن.
وفيه الوفاء بالعهد.
وفيه أن من أصيب حين يتقى عن مشرك، أنه لا شيء فيه.
وفيه ذكر عبد الرحمن لذلك فخرًا لا بلال والأنصار.
وابن أمية المقتول اسمه علي كما ستعلمه.
وقول بلال (( لا نجوت إن نجا ) )لأنه هو الذي كان يعذبه.
وما ترجم به (خ) لائح، وهو جواز توكيل المسلم الحربي المستأمن، وكذا توكيل الحربي المستأمن المسلم، وصرح به ابن المنذر، ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف وكل أمية بأهله وحاشيته بمكة أن يحفظهم وأمية مشرك؟ والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة، مثل ذلك؛ مجازاة لصنعه.
وترك عبد الرحمن بن عوف أن يكتب إليه عبد الرحمن؛ لأن التسمية علامة كما في عام الحديبية، ولم يضره محوه، ولا تشاحح فيه، إذ ما محي من الكتاب ليس بمحو من الصدور، وأن لا تشاحح في مثل هذا وبما آل إلى فساد ما أحكموه في المقاضاة.
قوله (( فألقيت عليه نفسي لأمنعه ) )هو منسوخ بحديث (( يجير على المسلمين أدناهم ) )؛ لأن حديث أم هانئ كان يوم فتح مكة.
وفيه مجازاة المسلم الكافر على البر يكون منه للمسلم، والإحسان إليه ومعاوضته على جميل فعله، والسعي له في تخليصه من القتل وشبهه.
وفيه أيضا المجازاة على سوء الفعل ص 2112 بمثله، والانتقام من الظالم، وإنما سعى بلال في قتل أمية واستصراخ الأنصار عليه، وأغراهم به في ندائه أمية لا نجوت إن نجا أمية لأنه كان عذب بلالًا بمكة على ترك الإسلام.
قال عبد الرحمن بن عوف فكنت بين أمية وابنه [1] آخذا بأيديهما، فلما رآه بلال صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا وأنا أذب عنه، فضرب رجل أمية بالسيف فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، قلت انج بنفسك فو الله لا أغني عنك شيئًا، فهزموهما بأسيافهم حتى فرغوا منها، ذكره ابن إسحاق.
وقول بلال (( أمية بن خلف ) )أي عليكم به، ونصبه على الإغراء، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره هذا أمية بن خلف. انتهى.
أقول قاتل أمية بلال، وقيل قاتلوه معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وحبيب بن يساف، ويؤيده قوله (( فتخللوه بالسيوف ) ).
قال والدي رحمه الله تعالى
(( الوكالة ) )بفتح الواو وكسرها، يقال وكلت الأمر إليه وكلًا ووكولًا إذا فوضته إليه وجعلته نائبًا فيه.
قوله (( البدن ) )بضم الدال وسكونها.
فإن قلت كيف دل على الترجمة؟ قلت لما علم أنه صلى الله عليه وسلم أشركه في هدية.
قال ابن بطال وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل. فإن قيل ليس في حديث عقبة ذكر الشريك؟ قلنا إنما وكله النبي صلى الله عليه وسلم على قسمة الضحايا، وهو شريك للموهوب إليهم فتوكيله على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الأضاحي.
قوله (( أمية بن خلف ) )بضم الهمزة وفتح الميم الخفيفة وشدة التحتانية (( ابن خلف ) )بالمعجمة واللام المفتوحتين، الجمحي و (( الصاغية ) )هم القوم الذين يميلون إليه ويأتونه؛ أي أتباعه وحواشيه, وقيل المراد بها المال.
قوله (( أمية ) )بالرفع؛ أي هذا أمية، وبالنصب؛ أي الزموا أمية و (( أتوا ) )من الإتيان وفي بعضها من الإباء وتخللته إذا غشيته وعلوته.
ولما قتلوه قال أبو بكر رضي الله عنه أبياتا منها
~هنيئا زادك الرحمن فضلا فقد أدركت ثأرك يا بلال
قال المهلب وترك عبد الرحمن أن يكتب إليه لفظ الرحمن؛ لأن التسمية علامة كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وأما سعى بلال في قتل أمية واستصراخ الأنصار وإغرائهم به فلأنه كان عذب بلالًا بمكة على الإسلام.
قوله (( وإبراهيم ) )بالرفع. فإن قلت ما الغرض من ذكره وقد علم سماعهما من الإسناد؟
قلت تحقيقًا لمعنى السماع حتى لا يظن أنه عنعن بمجرد إمكان السماع كما هو مذهب بعض المحدثين كمسلم وغيره.
الزركشي
(( فتجللوه بالسيوف ) )بالجيم للأصيلي وأبي ذر، أي علوه وغشوه، وعند الباقين بالخاء المعجمة، وهو أظهر لقول عبد الرحمن (( فألقيت عليه نفسي ) )، فكأنهم أدخلوا أسيافهم خلاله حتى وصلوا إليه وطعنوا بها من تحته من قولهم خللته بالرمح واختللته إذا طعنته به.
[1] في هامش المخطوط (( أقول اسمه علي ) ).