فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 3844

قوله (( إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ) )إلى آخره.

رواته أبو أيوب هو خالد بن زيد بن كلب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدرًا، والعقبة الثانية، وعليه نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة شهرًا، وهو من نجباء الصحابة، له مائة وخمسة وخمسون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد (خ) بحديث و (م) بخمسة وفد علي ابن عباس البصرة فقال إني أخرج عن مسكني كما خرجت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنك، فأعطاه ما أغلق عليه، ولما قفل أعطاه عشرين ألفًا وأربعين عبدًا، ومناقبه جمة.

ولما مرض قال احملوني فإذا صففتم العدو فارموني تحت أرجلكم؛ فقبره مع سور القسطنطينة يتبرك به ويستشفي. مات سنة خمسين، وقيل إحدى وخمسين.

أبو أيوب في الصحابة ثلاثة وعطاء هو أبو يزيد عطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي المديني ويقال الشامي التابعي، سمع أبا أيوب وغيره. وعنه الزهري وغيره، مات سنة سبع، وقيل خمس ومائة عن اثنتين وثمانين سنة، الزهري هو الإمام محمد بن مسلم، سلف ذكره.

وابن أبي ذئب هو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني العامري، روى عن نافع وخلق. وعنه ابن المبارك وخلق، وكان كبير الشأن. ولد سنة ثمانين، ومات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة.

هذا الحديث ليس مطابقًا ص 451 لما بوب له، بل راويه فهم منه عموم النهي في الصحراء والبنيان، فإنه قال فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها، ونستغفر الله عز وجل.

لا جرم تعقبه الإسماعيلي فقال ليس في الحديث الذي أورده دلالة على الاستثناء الذي ذكره، إلا أن يريد أن في نفس الخبر الذهاب إلى الغائط، وذكر في التبرز إلى الصحراء.

وأجاب ابن بطال عن ذلك فقال هذا الاستثناء ليس مأخوذًا من الحديث، ولكن لما علم في حديث ابن عمر استثناء البيوت بوب به؛ لأن حديثه عليه السلام كله كأنه شيء واحد، وإن اختلفت طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر. وتبعه ابن التين في (( شرحه ) ).

والغائط المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط لتفرقته في الحديث الآخر بينهما في قوله (( الغائط ولا بول ) )، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإن الحكم عام، وهو دال على المنع من استقبال القبلة واستدبارها.

وحاصل ما للعلماء في ذلك أربعة مذاهب

1 المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي الحديث وجماعة منهم أحمد في رواية، وحكاه ابن التين في (( شرحه ) )عن أبي حنيفة، وهؤلاء حملوا النهي على العموم، وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة، فإن موضوعها الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، وهو معنى مناسب ورد النهي على وفقه فيكون علة له.

فلا فرق فيه بين البنيان والصحراء، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى، وورد من قول الشعبي أنه علل ذلك بأن لله خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم.

2 أنهما جائزان مطلقًا، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي، وداود. ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخًا، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد، عن جابر نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، حسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه (خ) وغيره، واستدلالهم بالنسخ ضعيف؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو كما ذكر ممكن كما ستعلمه.

3 أنه لا يجوز الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ويرده حديث أبي أيوب هذا.

4 وهو قول الجمهور، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن العباس وابن عمر، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث ورد النسخ، إذ لا يصار إليه إلا بالتصريح به أو بمعرفة تاريخه، والجمع ولو من وجه أولى إذ في تركه إلغاء للبعض، واستدلوا بأحاديث أخر، ولما في المنع في البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف الصحراء.

قوله (( شرقوا أو غربوا ) )هو خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم ممن قبلته على هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامن أو يتشأم.

واستنبط ابن التين من الحديث منع استقبال النيرين في حال الغائط والبول، وقال إن الحديث يدل له. وكأنه قاسه على استقبال القبلة وليس الإلحاق بظاهر.

قال والدي رحمه الله تعالى ص 452

قوله (( بغائط أو بول ) )وفي بعضها ولا بول. الخطابي أصله المطمئن من الأرض كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاص اسمه، ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها واستعمال الكناية في كلامها وصون الألسنة عما تصان الأبصار والأسماع عنه.

قوله (( جدار ) )بدل للبناء (( أو نحوه ) )كالحجار الكبار، وفي بعضها (( أو غيره ) ). قال الزركشي لا تستقبل القبلة بضم اللام وكسرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت