فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 3844

فيه ثلاثة أحاديث

حديث أبي سعيد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء، وقد ذكره في البيوع أيضًا، واللباس، وسيأتي قريبًا، وقد اشتمل على حكمين الأول اشتمال الصماء وهو أن يجلل جسده كله بالأزار فيرده من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه ص 710 الأيسر، ثم يرده.

ثانيًا من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا، وذكر ابن الأثير أنها التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه، وإنما قيل له الصماء؛ لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، فالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع.

والفقهاء يقولون هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فتكشف عورته.

قال القزاز وقيل إنما نهى عن ذلك؛ لأن الرجل يجب أن يحترس في صلاته من أن يصيبه شيء، فإذا فعل ذلك لم يقدر على الدفع، وفسرها صاحب (( المهذب ) )بأن يلتحف بثوب ثم يخرج به من قبل صدره وهو غريب. واختلف قول مالك في اشتمال الصماء، إذا كان تحتها ثوب، فمرة أجازها ومرة كرهها.

فرع في (د) من حديث ابن عمر النهي عن اشتمال اليهود وإسناده صحيح، وهو كما قال الخطابي أن يجلل بدنه بالثوب ويسبله من غير أن يرفع طرفه.

وقد روي أنه نهى عن الصماء اشتمال اليهود، فجعلها شيئًا واحدًا.

الحكم الثاني الاحتباء وهو أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه يحزم بالثوب على حقويه وركبتيه، وفرجه، إذ كانت العرب تفعله؛ لأنه أرفق لها في جلوسها.

وقال (خ) في اللباس هو أن يحتبي بثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شيء.

وقال الخطابي هو أن يجمع ظهره ورجليه بثوب، يقال العمائم تيجان العرب، والحباء حيطانها وحبوة بالكسر أعلى من الضم، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض عن الثوب، والاحتباء على ثوب جائز؛ لأنه عليه السلام إنما نهى عنه خشية أن يكشف فرجه عند التحرك أو زوال الثوب وكره الصلاة محتبيًا ابن سيرين، وأجازها الحسن والنخعي وعروة وكان سعيد بن جبير يصلي محتبيًا، فإذا أراد أن يركع حل حبوته، ثم قام وركع. وصلى التطوع محتبيًا عطاء وعمر بن عبد العزيز.

الحديث الثاني

حديث أبي هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين.

هذا الحديث سيأتي في النهي عن الصلاة بعد الفجر وغيره أيضًا، وأخرجه (م) أيضًا في البيوع، وسفيان المذكور في إسناده هو الثوري، وفيه أربعة أحكام، سلف منها اشتمال الصماء والاحتباء.

واللماس هو بيع الملامسة؛ بأن يلمس ثوبًا مطويًا ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، هذا تأويل الشافعي أو يجعل نفس اللمس بيعًا، فيقول إذا لمسته فهو مبيع كذا وأن يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه انقطع الخيار ولزم البيع وكله باطل؛ لأنه غرر أو تعليق أو عدول عن الصيغة الشرعية.

والنباذ هو بيع المنابذة ويفسر الشافعي أن يجعلا نفس النبذ بيعًا أو يقول بعتك على أني إذا نبذت إليك وجب البيع، أو المراد نبذ الحصاة وكله باطل، وسيأتي.

الحديث الثالث

حديث أبي هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنًى ... الحديث.

وسيأتي في الحج بزيادة، وفي المغازي، وفي التفسير في سورة براء، والجزية، وأخرجه (م) أيضًا.

إسحاق شيخ (خ) في هذا الحديث هو الكوسج إسحاق بن منصور ص 711 فما صرح به أبو نعيم في (( مستخرجه ) )وذكر المزي أن الذي هنا ابن إبراهيم، وأن الذي في براءة ابن منصور.

هذا الحديث ذكره أبو مسعود وابن عساكر وابن أبي أحد عشر في (( جمعه ) )والحميدي في (( مسند أبي بكر ) ).

وهذه الحجة هي في السنة التاسعة كما ذكره في المغازي حج أبو بكر بالناس.

قوله (( لا يحج بعد العام مشرك ) )هو موافق لقوله تعالى {إنما المشركون نجس} الآية [التوبة28] والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم.

قوله (( ولا يطوف بالبيت عريان ) )هو إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل به أصحابنا على اشتراط ستر العورة في الطواف، قال ابن عبد البر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالخروج إلى الحج وإمامته للناس فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر يقرؤها على الناس في الموسم، فقال (( إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي ) )، ثم دعا عليًا، فقال (( اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر بمنى ) )، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق فقيل بذي الحليفة، وقيل بالعرج، فوصل في السحر، فسمع أبو بكر رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علي، فقال أبو بكر أستعملك رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج؟ قال لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، فقال له أبو بكر أميرًا أو مأمورًا؟ فقال بل مأمورًا.

وفي (( فضائل علي ) )لأحمد بن حنبل لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ بالجحفة، بعث صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فرده، وقال (( لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي ) ).

وفي لفظ فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله، نزل في شيء؟ فقال (( لا، ولكن جبريل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ) ).

قيل الحكمة في إعطاء براءة لعلي أن براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب أن لا يحل العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد عليه السلام أن غيره يقرأها.

أقول قال الدمياطي قوله ثم أردف عليًا الحكمة في ذلك أن براء فيها فضل الصديق فأراد عليه السلام أن يقرأها غيره.

قال الزركشي قوله (( عن بيعتين ) )اشتهر على الألسنة بفتح الياء والأحسن ضبطه بكسرها لأن المراد به الهيئة. قال في (( الصحاح ) )يقال إنه يحسن البيعة بكسر الباء من البيع مثل الركبة والجلسة، و (( لا يحج ) )بضم الجيم المشددة ولا يطوف بالرفع.

قال والدي رحمه الله تعالى

قال ابن بطال اختلف في حد العورة فقال أهل الظاهر لا عورة للرجل إلا القبل والدبر، وقال الشافعي ومالك حدها ما بين السرة والركبة، وقال أبو حنيفة وأحمد الركبة أيضًا عورة.

قوله (( في مؤذنين ) )أي رهط يؤذنون في الناس يوم النحر كأنه مقتبس مما قال تعالى {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة3] .

قوله (( ألا يحج بعد العام ) )بإدغام النون في لا، وهو موافق لقوله تعالى {إنما المشركون نجس} الآية، فإن قلت هل يكون ذلك العام داخلًا تحت هذا الحكم أم لا؟ قلت لا إذ الظاهر أن المراد بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله.

قوله (( ببراءة ) )بالجر والتنوين؛ أي بسورة براءة، وفي بعضها بالرفع حكاية عما في القرآن، وفي بعضها بالفتح بأنها علم السورة فلا ينصرف.

قوله (( معنا ) )يجوز فيه فتح العين وإسكانها، ولفظ قال حميد. وقال أبو هريرة يحتمل أن يكون كل منهما تعليقًا من (خ) وأن يكونا داخلين تحت الإسناد، لكن ظاهر أن مسألة الأرداف لم يسندها

ص 712 حميد وليس بصحابي حتى يقال أنه يشاهده بنفسه فهو من قبيل مراسيل التابعي.

فإن قلت علي كان مأمورًا بتأذين براءة فكيف قال فأذن معنا بأنه لا يحج. قلت إما لأن ذلك داخل في سورة براءة، وإما أن معناه أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد تأذينه ببراءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت