فهرس الكتاب

الصفحة 1808 من 3844

فيه الحديث الثلاثي ثنا المكي بن إبراهيم .. فذكر قصة في الغابة.

وهي غزوة ذي قرد بفتح القاف والراء وبالدال المهملة، ويقال بضمتين، قال السهيلي كذا ألفيته مقيدًا عن أبي علي، والقرد في اللغة الصوت الرديء.

أقول قال ياقوت قرد بالتحريك ذو قرد ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر خرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم في طلب عيينة بن حصين حين أغار على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معدود في الغزوات.

قال ابن سعد والغابة على يوم من المدينة في طريق الشام، كانت في ربيع الأول سنة ست.

ولابن سعد كانت لقاح رسول الله عشرين لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن يوم الأربعاء في أربعين فارسًا، فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر، فصاح الصريخ فنودي يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله، وخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعًا فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو عليه الدرع والمغفر شاهرًا سيفه، فعقد له رسول الله لواء في رمحه وقال (( امض حتى تلحقك الخيول وأنا في إثرك ) )واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة، قال المقداد فأدركت أخريات العدو، وقد قتل أبو قتادة، وقتل عكاشة أبان بن عمرو، وقتل المقداد حبيب بن عيينة وفرقد بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول

~خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع

حتى انتهى بهم إلى ذي قرد، وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ، قال سلمة فلحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس عشاء، قلت يا رسول الله، إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرج، وأخذت بأعناق القوم، فقال (( ملكت فتسجح ) )ثم قال (( إنهم الآن ليقرون في غطفان ) )ولم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم حتى انتهوا إلى رسول الله بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت ما بقي وهي عشر وصلى رسول الله صلاة الخوف بذي قرد وأقام بها يومًا وليلة، ورجع رسول الله إلى المدينة يوم الاثنين، وقد غاب خمس ليال وقال (( خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالنا سلمة ) )، وأعطاني سهم الفارس والراجل.

وفي (( الإكليل ) )للحاكم باب غزوة ذي قرد، قال هذه الغزوة هي الثالثة لذي قرد، فإن الأولى سرية زيد بن حارثة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من الهجرة، والثانية خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى بني فزارة، وهي على رأس ثمانية وأربعين شهرًا من الهجرة، والثالثة هي التي أغار فيها عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، فخرج أبو قتادة وابن الأكوع في طلبها، وذلك في سنة ست.

ففيه النذير بالعسكر والسرية بالصراخ، وهي رفع الصوت بكلمة تدل على ذلك.

ومعنى (( يا صباحاه ) )أغير عليكم في الصباح، أوَصوبحتم فخذوا حذركم، ومعناه الإعلام بهذا الأمر الذي دهمهم في الصباح.

وقال ابن المنير الهاء للندب، وهي تسقط وصلًا والرواية إثباتها فيقف على الهاء، وقيل لأنهم كانوا يغيرون وقت الصباح، وقيل جاء وقت الصباح فتأهبوا للقاء فإن الأعداء يتراجعون عن القتال ليلًا فإذا جاء النهار عاودوه. ص 2673

وفيه جواز الأخذ بالشدة، ولقاء الواحد أكثر من المثلين؛ لأن سلمة كان وحده وألقى نفسه إلى التهلكة، وفيه تعريف الإنسان بنفسه في الحرب لشجاعته وتقدمه.

وفيه فضل الرمي لأنه وحده راماهم، ورد الغنيمة والثنية من الأرض كالمرتفع، وقيل هي أعلى الجبل.

و (( اللقاح ) )النوق ذات الدر، واحدها لقحة بكسر اللام، وقيل بفتحها، و (( غطفان وفزارة ) )قبيلتان من العرب.

قوله (( واليوم يوم الرضع ) )فيه أقوال منها أن معناه من أرضعته الحرب من صغره، فهو الظاهر، وقيل معناه إن اليوم يعرف من رضع كريمة أو لئيمة، قيل أمة أو حرة، فيبدو فعله في الدفع.

وقال الخطابي معناه إن اليوم يوم هلاك اللئام، من قولهم لئيم راضع، وهو الذي يرضع الغنم لا يحلبها فيسمع صوت الحلب وعبارة غيره وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، يقال راضع ورضع مثل راكع وركع، وقيل في المثل ألأم من راضع، وذلك إذا أحس بالضيف رضع اللبن بفيه.

وقال أبو عبد الملك يحتمل أن يريد اليوم تعلم المرضعة هل أرضعت شجاعًا أم جبانًا؟ وقال الداودي أراد يومًا شديدًا عليكم تفارق فيه المرضعة رضيعها، فلا يجد من يرضعه أو شيئًا معها وأتى به على السجع، وهو قريب من الشعر [1] ، وروي أنه قال لهم إني رجل شديد الطلب قليل السلب، وفي الكنانة ثلاثون سهمًا, ولا والله أرد يدي إليها وأضع سهمًا منها إلا في كبد إنسان منكم وأنه استبل منهم ثلاثين بردة، ذكره (خ) بعد هذا.

وقال الأنباري في (( زاهره ) )هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه؛ أي غذي به، وقيل هو الذي يرضع ما بين أسنانه يستكثر من الشجع بذلك، وقال أبو عمر هو الذي يرضع الشاة أو الناقة من قبل أن يحلبها من شدة الشره.

وقال قوم الراضع الذي لا يمسك معه محلبًا، فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج أنه لا محلب معه، وإذا أراد أن يشرب هو رضع الناقة أو الشاة.

وقال ابن دريد أصل الحديث أن رجلًا من العماليق طرقه ضيف ليلًا فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف صوت الشخب، فكثر حتى صار كل لئيم راضعًا، فعل ذلك أو لم يفعل.

قوله (( ملكت فاسجح ) )أي سهل العقوبة ولا تأخذ بالشدة، بل ارفق فقد حصل الكناية فيهم يقال أسجح الكريم إلى من أذنب عليه يسجح إسجاحًا.

قوله (( فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا ) )يعني الماء، وعلى ذلك يدل قوله (( إن القوم عطاش ) )يحضه على اتباعهم وإهلاكهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (( ملكت فاسجح ) )أي استنقذت الغنيمة فملكتها، وملكت الحماية فاسجح؛ أي لا تبالغ في المطالبة، فربما عادت عليك كبيرة من حيث لا تظن، فبعد أن كنت ظفرت يظفر بك، وقال ذلك عليه السلام حضًا لهم ورجاء توبتهم وإنابتهم ودخولهم في الإسلام.

قوله (( إن القوم يقرون في قومهم ) )هو من القرى وهو الضيافة، والمعنى أنهم قد وصلوا إلى قولهم، وقيل إنهم يضيفون الأضياف، وقال ابن بطال (( يقرون ) )يتلقون أولادهم فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ منهم ما تريد، قال ومن روى (( يقرون ) )جعل القرى لهم أنهم يضيفون الأضياف، وصحفه بعضهم فقال يغزون بغين معجمة، ونقل ابن الجوزي عن بعضهم يقرون، وفسره بأنهم يجمعون الماء واللبن.

وفي (( دلائل البيهقي ) ) (( إنهم ليغبقون الآن في غطفان ) )فجاء رجل من غطفان فقال مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا، ص 2674 فلما أخذوا كشطوا جلدها رأوا غبرة فتركوه وخرجوا هرابًا.

[1] في هامش المخطوط أقول فإنه أخذ من قوله تعالى {يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت