2 -باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلها سنين كسني يوسف
ذكر فيه حديثًا معلقًا، وهو (( اللهم اجعلها عليهم سنين ) )وهذا يأتي بعد مسندًا. وذكر بعده حديثين
أحدهما حديث أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق كنا عند عبد الله فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارًا ... الحديث.
ويأتي في باب استشفاع المشركين بالمسلمين، وفي مواضع من التفسير في سورة يوسف والروم والدخان.
وأخرجه (م) في التوبة و (ت، ن) في التفسير.
قوله (( كنا عند عبد الله ) )وجاء عنه كنا جلوسا عنده، وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، وتأخذ المؤمن كهيئة الزكام فقال عبد الله وجلس وهو غضبان يا أيها الناس، اتقوا الله من علم منكم شيئًا، فليقل بما علم، ومن لا يعلم، فليقل الله أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه {قل ما أسألكم عليه أجرا وما أنا من المتكلفين} [ص86] والمراد بالناس هنا كفار قريش، كما قاله ابن التين.
وجاء في رواية لما دعا قريشًا كذبوه، واستعصوا عليه، فقال (( اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ) ).
قوله (( سبعًا كسبع يوسف ) )هو إشارة إلى قوله تعالى {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} [يوسف48] ، وقوله {تزرعون سبع سنين دأبا} [يو سف47] .
وفيه جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيرهما. وإنما دعا عليهم بالسبع إرادة بالإضعاف بالجوع عن طغيانهم؛ فإن نفس الجائع أخشع لله، وأقرب ص 1141 إلى الانقياد والتذلل، فأجاب الله دعاء نبيه، فأخذتهم سنة حصت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف.
وأعلمه أنهم سيعودون بعد أن يرغبوا في رد العذاب عنهم.
والسنة بفتح السين القحط والجدب و (( حصت ) )بالحاء والصاد المهملتين أي استأصلت وأذهبت النبات، فانكشفت الأرض، والأحص القليل الشعر، وحص رحمه قطعها.
قوله (( فينظر أحدهم إلى السماء فينظر الدخان ) )قد فسر ابن مسعود كما ذكره ابن الجوزي الدخان في هذا الحديث بأنه كان من شدة جوع أهل مكة كأن أحدهم يرى ما بينه وبين السماء، كهيئة الدخان، وأنه يجوز فأنكر أن يكون دخان يجيء قبل يوم القيامة، وقال أفيكشف عذاب الآخرة، يشير إلى قوله تعالى {إنا كاشفو العذاب} [الدخان15] وقد ذهب إلى ما أنكره ابن مسعود جماعة، وقالوا إنه دخان يأتي قبل قيام الساعة، وهو مروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وعن حذيفة بن أسيد مرفوعا (( إن من أشراط الساعة دخانًا يمكث في الأرض أربعين يومًا ) )ويؤيد هذا القول قوله تعالى {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} [الدخان12] وقوله {إنا كاشفو العذاب قليلًا} .
قوله (( فأتاه أبو سفيان ) )هو صخر بن حرب والد معاوية، وكان إذ ذاك كافرا؛ لأن هذه القصة قبل الهجرة.
قوله (( إن قومك ) )أي قريش قد هلكوا أي من القحط والجدب قوله فذلك {يوم نبطش البطشة الكبرى} [الدخان16] يعني يوم بدر، وقال جماعة إنها يوم القيامة. وفي رواية أسباط عن منصور، فدعا عليه السلام فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا.
وفيه إجازة استشفاع المشركين بالمسلمين، والإجابة إذا رجي رجوعهم إلى الحق، وقد ترجم عليه (خ) بذلك كما ستعلمه قريبًا.
وفيه أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن يسلم أهلها أن يرفق بهم ويأخذ عفوهم، ويدعو لهم بالصلاح، ويكف عن ثمارهم وزرعهم، وإن أيس من إنابتهم فلا يدعو لهم بل عليهم، ولا بأس حينئذ بقطع ثمارهم وزرعهم.
وقال المهلب الدعاء على المشركين يختلف معناه، فإذا كانوا منتهكين لحرم الدين وحرم أهله، فالدعاء عليهم واجب وعلى كل من سار بسيرهم من أهل المعاصي، فإن لم ينتهكوا حرم الدين وأهله، وجب أن يدعى لهم بالتوبة، كما قال عليه السلام حين سئل أن يدعو على دوس (( اللهم اهد دوسا ) )وقيل إنما يجب الدعاء على أهل المعاصي في حين انتهاكهم وأما عند إدبارهم وتركهم، فيجب أن يدعى لهم بالتوبة [1] .
وفيه أيضا إقرار الكفار بفضل نبينا صلى الله عليه وسلم، وقربه من الله تعالى، والتشفع به، وأن ذلك عادة من الله علموها، لولاها ما لجأوا إليه في كشف الضر عند إشرافهم على الهلاك، وذلك أدل دليل على معرفتهم بصدقه، ولكن الحسد والأنفة الجاهلية حملتهم على معاندته ومخالفته، لما سبق في أم الكتاب من كفرهم.
قوله (( وقد مضت البطشة يوم بدر ) )هذا على قول ابن مسعود وقد مضت، وعلى قول الجماعة السالفة تكون يوم القيامة.
قوله (( وقد مضت الدخان ) )هو مجاز على قول ابن مسعود، واللزام هو ما أصابهم من القتل يوم بدر، ذكره ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود، وأبي ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك.
قال القرطبي وعلى هذا فالبطشة واللزام واحد، وإليه ذهب يحيى ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس. وعن الحسن إن اللزام يوم القيامة، وعنه يكون موتًا، وقيل يكون بذنبكم عذابًا لازما لكم.
وفي رواية البرقاني قوله فسوف يكون لزامًا يوم بدر. وقال ابن المقري قال أبو عيسى اللزام يوم بدر، والذي عندي أن المراد به الأسقام ص 1142 فيهم بظهوره عليهم حتى يؤمنوا أو يهلكوا.
قال وقال (خ) في حديث مسروق، عن عبد الله أن البطشة الكبرى يوم بدر وهو الصحيح.
وفي (( الصحيح ) )عن مسروق، عن عبد الله قال خمس قد قضين الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر.
قوله (( وآية الروم ) )تأتي في سورة الروم إن شاء الله تعالى وحاصلها أن المسلمين حين اقتتلت فارس والروم كانوا يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان كفار قريش يحبون ظهور فارس؛ لأنهم مجوس، وكفار قريش عبدة أوثان، فتخاطر أبو بكر وأبو جهل في ذلك أي أخرجا سبقا وجعلوا بينهم مدة بضع سنين. فقال صلى الله عليه وسلم للصديق (( إن البضع قد يكون إلى تسع أو قال إلى سبع فزد في المدة أو في الخطار ) )ففعل، فغلبت الروم فقال تعالى {الم غلبت الروم} يعني المدة الأولى قبل الخطار ثم قال {وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} إلى قوله {يفرح المؤمنون بنصر الله} [الروم4 5] يعني تغليظ الروم فارسًا وربما أخذوا من الخطار، ويفرحون بالآية العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى خبرهم بما سيكون.
قال الشعبي كان القمار في ذلك الوقت حلالًا.
2 حديث سمرة بن عبد الرحمن بسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه .. الحديث.
وأخرجه أيضًا في التفسير في مواضع، وفي الجهاد والأدب والإكراه، وأخرجه (م) أيضًا.
قوله (( كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة ) )صريح في الدعاء بعد ذلك. وكذا جاء مصرحًا به في رواية (( لقد سمع الله لمن حمده وهو قائم ) )وفي أخرى (( من الركعة الثانية ) )، وهو دال على أنه كان في صلاة الصبح، ولهذا قال أبو الزناد وهذا كله في الصبح.
نعم جاء في أخرى أن ذلك كان في العشاء، وفي أخرى الظهر والعشاء.
(( عياش ) )بالمثناة تحت وبالعين المهملة وبالشين المعجمة، واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة مع عمر، فقدم عليه أبو جهل والحارث ابنا هشام، فذكرا له أن أمه حلفت أن لا يدخل رأسها دهن، ولا تستظل، حتى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه وحبساه بمكة، وقتل يوم اليرموك، وقيل مات بمكة.
و (( سلمة بن هشام ) )هو ابن المغيرة بن عم خالد بن الوليد، أخو أبي جهل، أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فأخذه أخوه أبو جهل فحبسه وضربه، ثم هاجر إلى المدينة بعد الخندق، ولم يزل بها حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل بمرج الصفر في ربيع الأول سنة أربع عشرة، وقيل بأجنادين.
و (( الوليد ) )هو أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرا، فافتدى أي افتكه أخوه خالد وهشام بأربعة آلاف درهم، ولما افتدي خرجا به، فلما بلغا ذا الحليفة أفلت، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقيل هلا أسلمت قبل أن تفتدى؟ قال كرهت أن يقال جزعت من الأسر، فأخذ وخرجا به إلى مكة وحبس ثم أفلت ولحق برسول الله، وشهد عمرة القضية، وقيل لم يشهدها، ص 1143 وقيل بل لما أفلت بمكة مشى على رجله، ومات عند بئر أبي عنبة.
معنى (( اشدد وطأتك ) )أي اشدد بأسك وعقوبتك، وهو ما أصابهم من الجوع والشدة.
وفيه الدعاء على الظالم وللمستضعفين من المؤمنين، ولأسرى المؤمنين بالنجاة، وجواز الدعاء في الفرض بما ليس من القرآن، وخالف في ذلك الكوفيون.
وقوله (( في غفار وأسلم ) )قال ذلك تفاؤلًا لهما من أسمائهما فألا حسنا، وكان يحبه.
وقال الخطابي خص غفار والله أعلم بالمغفرة لمبادرتهم إلى الإسلام، وحسن بلائهم فيه، ودعا لأسلم؛ لأن إسلامهم كان مسلمًا من غير خوف، وقال كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين من أسلم أربعمائة، ومن غفار مثلها.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( الاستسقاء ) )هو طلب إنزال المطر من الله تعالى بالتضرع.
قوله (( سنين ) )جمع سنة وفيه شذوذان تغيير مفرده من الفتح إلى الكسر وكونه غير علم عاقل وحكمه أيضًا مخالف لسائر الجموع في أنه يجوز فيه ثلاث أوجه أن يعرب كمسلمين وأن يجعل نونه متعقب الإعراب منصرفًا وغير منصرف.
قوله (( عياش ) )بفتح المهملة وشدة التحتانية وبالمعجمة (( ابن أبي ربيعة ) )بفتح الراء و (( سلمة ) )بفتح اللام (( ابن هشام ) )بكسر الهاء و (( الوليد ) )بفتح الواو وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة المخزومي.
قوله (( المستضعفين ) )عام بعد الخاص و (( الوطأة ) )بفتح الواو هي الدوس بالقدم وسمي بها الإهلاك لأن من يطأ على شيء برجله فقد استقصى في هلاكه.
والمعنى خذهم أخذًا شديدًا، والضمير في اجعلها للوطأة، ووجه التشبيه غاية الشدة أو للسنين وإن لم يجر لها ذكر دل عليه لفظ كسني يوسف.
قوله (( غفار ) )بكسر المعجمة وخفة الفاء وبالراء أبو قبيلة من كنانة (( وأسلم ) )بالهمز واللام المفتوحتين قبيلة أيضًا، وفي الدعاء لهما صيغة الاشتقاق.
قوله (( الناس ) )أي من قريش واللام للعهد و (( إدبارًا ) )أي عن الإسلام و (( سبع ) )مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي البلاء المطلوب نزوله سبع سنين كالسنين السبع التي كانت في زمن يوسف وهي السبع الشداد التي أصابهم فيها القحط أو المدعو عليهم قحط كقحط يوسف أو غير فعل مقدر نحو ليكن سبع وكان تامة أو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي سبع كسبع يوسف مطلوب أو اجعلها عليهم ومنصوب بتقدير فعل نحو اجعل سنيهم سبعًا أو ليكن سبعا.
قوله (( سنة ) )أي قحط و (( حصت ) )أي أذهبت وحصت البيضة شعر رأسه؛ أي فلله والسنة الحصاء ما لا خير فيها.
قوله (( الجيف ) )جمع الجيفة وهي جثة الميت وقد أراح وهي أخص من الميتة لأنها ما لم تلحقه الذكاة.
قوله (( فقد مضت ) )هو كلام ابن مسعود يريد أن الأمور الغائبة التي أخبر الله عن وقوعها قد وقعت أربعة منها قال تعالى {يوم تأتي السماء بدخان مبين} وقد أتى إذ كان الرجل يرى ما بين السماء والأرض الدخان وقال تعالى {ألم غلبت الروم} ووقع كما أخبر عنه وإما اللزام فقال تعالى {فسوف يكون لزاما} فقيل هو القحط وقيل هو التصاق القتلى بعضهم ببعض يوم بدر وقيل هو الأسر يوم بدر لأنه أسر سبعون من قريش كما قتل سبعون أيضًا يومئذ.
الزركشي
(( الاستسقاء ) )بالمد طلب السقيا (( غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله ) )من المسالمة وهي ترك الحرب وقيل بمعنى سلمه وقيل هو دعاء وقيل هو خبر.
(( اللهم سبعًا ) )وفي نسخة أبي ذر (( سبع ) )والنصب ص 1144 هو المختار؛ لأن الموضع موضع فعل دعاء والاسم الواقع فيه بدل من اللفظ بذلك الفعل، والتقدير اللهم ابعث أو سلط والرفع جائز على إضمار مبتدأ أو فعل رافع.
(( اللهم أنج ) )بهمزة قطع وقال صاحب المفهم الهمزة للتعدية، وقد عدي بالتضعيف أيضًا وهؤلاء المدعو لهم قوم من أهل مكة أسلموا ففتنهم أهل مكة وعذبوهم وبعد ذلك نجوا منهم فهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(( اللهم اشدد ) )بهمزة وصل و (( حصت ) )بالحاء والصاد المهملتين أي أذهبت واستأصلت و (( ينظر ) )بالنصب بحتى، وعند أبي ذر بالرفع على الاستئناف إذا قحطوا.
قال صاحب (( البارع ) )قحط المطر بفتح القاف والحاء وقحط الناس بفتح الحاء وكسرها، وفي الأفعال بالوجهين في المطر وحكي قحط الناس بضم القاف وكسر الحاء وأقحطوا وقد قيل أيضًا قحطوا إذا أصابهم القحط.
[1] في هامش المخطوط (( أقول قد دعا عليه السلام بمكة حين وضع السلا على ظهره (( اللهم عليك الملأ من قريش ) )وقد دعا يوم أحد (( اللهم اغفر لقومي ) )والمدعو عليهم ولهم قريش، قلت ذلك كان دعاء على قوم معينين عالم عدم إيمانهم، ويوم أحد دعا لمن كان يرجو إيمانهم فافترقا )) .