فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم ساق حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تسافر المرأة ... الحديث ) ).
الأول من حديث أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
والثاني عن يحيى القطان عن عبيد الله به ثم قال تابعه أحمد عن ابن المبارك، عن عبيد الله به.
ثم ساق حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة (( لا يحل لامرأة ) )الحديث.
قوله (( وسمى النبي صلى الله عليه وسلم السفر يوما وليلة ) )، مراده بذلك ما أخرجه في الباب من حديث أبي هريرة (( أن تسافر مسيرة يوم وليلة ) ).
أما أثر ابن عمر وابن عباس فرواهما البيهقي من حديث عطاء بن أبي رباح، أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك.
وعن معمر أخبرني أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد. قال وهذا فيما اختلف فيه على ابن عمر وروى ابن أبي شيبة بسنده، عن سالم أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر، وهي ستة عشر فرسخا وروى بإسناده إلى مالك أنه بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة فيما بين مكة والطائف، وفيما بين مكة وجدة وفيما بين مكة وعسفان. قال مالك وذلك أربعة برد.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه (م) و (د) أيضًا من حديث عبيد الله، عن نافع، عنه (( لا تسافر مسيرة ثلاث ليال ) ).
وأحمد الذي علق عنه (خ) هو أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس المروزي المعروف بمردويه، مات سنة خمس وثلاثين.
وقال الدارقطني إنه أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان أبو الحسن المروزي المعروف بابن شبويه مات بطرسوس سنة ثلاثين ومئتين ولم يذكره الدارقطني أنه في (خ) .
وأما حديث أبي هريرة، والمتابعة في آخره، فكذا هو ثابت في أكثر نسخ (خ) ، وفي بعضها عن المقبري بدون أبي هريرة.
وقال أبو نعيم في (( مستخرجه ) )أن (خ) أخرجها عن سعيد، عن أبي هريرة. وذكر الحميدي فيها وسهيل ومالك بزيادة أبيه. ورواه سفيان، عن يحيى بإثبات أبيه، وذكره البيهقي.
وأما متابعة مالك فوقع فيها كما وقع في متابعة يحيى، ورواه جماعة (( الموطأ ) )عن مالك بإسقاط أبيه وكان سعيد فيما يقولون قد سمع من أبي هريرة، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة، كذا قال ابن معين وغيره، فجعلها كلها أحيانا عن أبي هريرة ص 1195 وروي عن مالك بإثباته، وكذا أخرجه (د، ت) .
وأما متابعة سهيل فوقع فيها كما سلف في المتابعتين السالفتين.
وقد أخرجه (د) والبيهقي من طريقه، عن سعيد، عن أبي هريرة. ولفظه (( لا تسافر امرأة بريدا إلا مع ذي محرم ) ).
قال ابن عبد البر وحديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مضطرب إسنادا ومتنا وفي رواية (( مسيرة ليلة ) )ذكرها ابن عبد البر.
واستدرك الدارقطني على الشيخين إخراجه عن ابن أبي ذئب، وعلى (م) إخراجه عن الليث وقال الصواب عن سعيد، عن أبي هريرة بإسقاط ذكر أبيه، واحتج بأن مالكا، ويحيى، وسهيلا أسقطوه.
فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه. فلعله سمع من أبيه عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه، فرواه تارة كذا، وتارة كذا، وسماعه من أبي هريرة صحيح.
وفي لفظ (( لا تسافر المرأة يومين ) )وفي لفظ (( ثلاثا ) )وفي لفظ (( فوق ثلاث ) )وفي لفظ (( أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا ) )وأربعة برد ستة عشر فرسخا.
قال صاحب (( المطالع ) )البريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، زاد ابن الأثير في (( غريبه ) )والميل أربعة آلاف ذراع، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه. وفيه سبعة مذاهب
1 قاله صاحب (( التنبيهات ) )هو عشرون غلوة، والغلوة طلق الفرس وهو مائتا ذراع، فيكون الميل ألفي ذراع. وذكر في (( المغرب ) )أن الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقال ابن الأثير الغلوة قدر رمية سهم.
2 قال أبو عمر أصح ما فيه أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة.
3 ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب (( البيان ) ).
3 أربعة آلاف.
5 مد البصر، ذكره الجوهري.
6 ألف خطوة بخطوة الجمل.
7 أن ينظر إلى الشخص فلا يعلم أهو آت أو ذاهب، رجل أو امرأة.
وظاهر الأحاديث الواردة في الباب حرمة ما يسمى سفرا للمرأة، إلا مع زوج أو محرم، وفي معنى ذلك النسوة الثقات؛ وكذا الواحدة في الجواز على الأصح.
فالمحرم إذن شرط في وجوب الحج عليها، وبه قال النخعي، والحسن وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحاب الرأي، وفقهاء أصحاب الحديث وأجلهم الشافعي.
وذهب عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، وعزي إلى الشافعي أيضًا إلى أن ذلك ليس بشرط، وروي مثله عن عائشة.
وسبب هذا الاختلاف مخالفة ظاهر هذه الأحاديث لظاهر السبيل في الآية وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام بهذه الآية وبقوله (( بني الإسلام على خمس ) )وعد منها الحج، فتعارضت مع الأحاديث الواردة في الباب لا تسافر إلا مع كذا.
واختلف العلماء في تأويل ذلك، فجمع أبو حنيفة ومن قال بقوله بينهما، بأن جعل الحديث مبينا للاستطاعة في حق المرأة.
ورأي مالك ومن قال بقوله أن الاستطاعة سنة بنفسها في حق الرجال والنساء، وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة، وقد خرجت المؤمنات مهاجرات ليس معهن محرم، وفيهن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واتفق العلماء على أنه ليس ص 1196 لها أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا بالهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها بغير محرم، والفرق لائح، وهو أنها تخشى على نفسها ودينها من الإقامة، بخلاف تأخير الحج مع أنه هل هو على الفور، أو على التراخي؟ وخص الباجي الحديث بالشابة، ورد عليه بأن المرأة مظنة الطمع، ولكل ساقطة لاقطة.
قوله (( ثلاثة أيام ) )، وفي الرواية الأخرى (( يوم وليلة ) )، وفي رواية (( فوق ثلاث ) )، وفي أخرى (( ثلاث ليال ) )، وفي أخرى (( يومين ) )، وفي أخرى (( يوم ) )، وفي أخرى (( ليلة ) )، وفي أخرى إطلاق السفر، وفي أخرى وفي (د) (( بريدا ) )، والبريد نصف يوم.
وهذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين والمواطن، وليس في النهي عن الليلة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد، فأدى كل ما سمع وما جاء منها مختلفا من راو واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس فيه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر.
ولم يرد عليه السلام تحديدا، بل ما يسمى سفرا، فلا تعارض، خلافا لقول الداودي أحدهما ناسخ للآخر، ولا يعلمه فأخذ بالأحوط؛ ولا نسخ لأن الأصل أن لا تسافر المرأة أصلا، ولا تخلو مع غير ذي محرم، خوف الخشية على ناقصات العقل والدين.
وحديث أمر فاطمة أن تعتد عند ابن أم مكتوم مخصوص بمن علم صلاحه، كذا قاله ابن التين.
وقيل في الجمع بأن اليوم المذكور مفرد، والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة المجموعين.
فاليوم إشارة إلى مدة الذهاب، واليوم والليلة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع، والثلاثة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع واليوم الذي يقضى فيه الحاجة.
وقيل قد يكون هذا كله تمثيلا لأقل الأعداد، فاليوم الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أقل الجمع.
والرابع
جميع المحارم سواء النسب والسبب كالرضاع والمصاهرة، وكره مالك سفرها مع ابن زوجها؛ لفساد الناس بعد العصر الأول؛ ولأن كثيرا من الناس لا ينفرون عن زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، والزوج أولى من المحرم؛ لاطلاعه على ما لا يطلع عليه، وعدم ذكره في بعض الروايات خطاب لمن لا زوج لها.
وقال أبو حنيفة لا تخرج إلا مع ذي محرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام.
قوله (( تؤمن بالله واليوم الآخر ) )هو في موضع خبر؛ لأنه صفة امرأة، تقديره لامرأة مؤمنة بالله.
وفيه تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها ذلك.
وقوله (( أن تسافر ) )هو في موضع رفع؛ لأنه فاعل، التقدير لا يحل لها السفر، والهاء في (( مسيرة يوم ) )للمرة الواحدة، التقدير أن تسافر مرة واحدة سفرة واحدة؛ بخصوصية يوم وليلة.
قال والدي رحمه الله تعالى ص 1197
قوله (( السفر يوما وليلة ) )وفي بعضها يوما وليلة السفر، وهذا أنسب يقال سميت فلانا زيدا قوله إسحاق قال الغساني إذا قال (خ) ثنا إسحاق غير منسوب عن أبي أسامة يريد به أحد الثلاثة إسحاق الحنظلي وإسحاق بن نصر السعدي وإسحاق بن منصور الكوسج.
قوله (( ثلاثة أيام ) )في بعضها فوق ثلاثة أيام (( وذي محرم ) )الجوهري المحرم الحرام ويقال هو ذو محرم منها إذا لم يحل له نكاحها.
وفيه أن القارئ إذا قال للشيخ حدثكم فلان والشيخ يسكت مع قرينة الإجابة كفى.
قوله (( حرمة ) )أي محرم فإن قلت قال في الأول مع ذي محرم وفي الثاني معها ذو محرم ما الفرق بينهما قلت الأولى مشعر بأنها تابعة، والثاني أنها متبوعة.
فإن قلت الحديث الأول يدل على عدم جواز سفرها وحدها فوق ثلاثة أيام والثاني على عدم جواز ثلاثة أيام والثالث على عدم جواز يومين فمفهوم الأول ينافي الثاني والثاني ينافي الثالث. قلت مفهوم العدد لا اعتبار له.
قال ابن بطال اختلف في قدر المسافة التي يستباح فيها القصر، فقال مالك والشافعي وأحمد أربعة برد، والأوزاعي مسيرة يوم تام، والكوفيون ثلاثة أيام وأهل الظاهر قليل السفر وكثيره إذا جاوز البنيان ولو قصد إلى بستانه قال.
وأما اختلاف الأحاديث فلأنها خرجت على جواب اختلاف السائلين كان سائلا يسأله هل تسافر المرأة يوما وليلة من غير محرم فقال لا ثم سأله آخر عن ذلك في يومين فقال لا، ثم سأله آخر عن مثله في ثلاث فقال لا فلا تعارض بينها.
الخطابي استدل بالحديث الثاني وجعل حد سفر القصر ثلاثا أن المرأة يجوز لها الخروج في أقل منها لقصر المسافة وخفة الأمر فيه وإنما جاز الرخصة في الطويل الذي فيه المشقة وتعب السير.
وقال قلت لو كان العلة ذلك لجاز للمرأة السفر فيما دون الثلاث بلا محرم لكن لم يجز فدل أن ذلك ليس بعلة لجواز القصر.
وفيه أن المرأة إذا لم تجد محرما لم يكن لها الحج.
(( والمقبري ) )أي أبي سعيد. قال النووي يقال لكل واحد من الابن والأب المقبري وإن كان الأصل هو الأب انتهى كلام والدي رحمه الله تعالى.
أقول هنا فائدة
مناسبة نذكرها ذكر في مناقب أبي حنيفة رحمه الله تعالى حكام بن مسلم يقول قيل لأبي حنيفة إن العرمزي يقول كانت عائشة تسافر بغير محرم قال فقال أبو حنيفة وما يدري العرمزي ما تفسير الحديث أن عائشة كانت أم المؤمنين وكانت من كل الناس ذات محرم.
هذا ما رأيته في مناقب أبي حنيفة، وهذا فيه نظر فإن أمهات المؤمنين لا يطلق عليهن أنهن محارم، للمؤمنين فإن المحرم يجوز النظر إليها والخلوة معها وأمهات المؤمنين لا يحل النظر إليهن ولا الخلوة معهن ومسهن ينقض الوضوء.
عند الشافعي خلافا له أما كونهن لا يخلو بهن ولا ينظر إليهن فمتفق عليه عندنا وعنده.
أما النظر فبآية الحجاب {فاسألوهن من وراء حجاب} والخلوة من باب أولى والسفر معهن من باب أولى لأنه لازم للنظر والخلوة والمحرم الذي يجوز السفر معها والنظر إليها والخلوة معها كل من حرم نكاحها على التأنيب بسبب مباح لحرمتها فقوله التأبيد احتراز من أحب المرأة ونحوها.
وقوله بسبب مباح احتراز من أم الموطوءه فشبهه وقوله لحرمتها احتراز من الملاعنة، وأيضًا ليس في كل أسفارها لم يكن معها ص 1198 محرم إلا المؤمنين فإن في وقعة الجمل كان معها ابن الزبير وهو ابن أختها أسماء ومحمد أخوها وهما محرمان لها حقيقة ففي هذه السفرة لا إشكال.
والسؤال مندفع من أصله وأما باقي أسفارها إن ثبت أنه لم يكن معها محرم إلا المؤمنين كما زعم فجوابه ما سبق، وأيضًا يحتمل أنه كان معها نساء ثقات، وأيضًا على قول واحدة من النساء الثقات وأيضًا مذهبها كما سبق آنفا أن المحرم ليس شرطًا في الحج فقياسًا عليه غيره من الأسفار.
وأيضًا هذا الذي ذكر من كون المحرم مع المرأة هو في حق من يخشى عليها من النساء أن يقع في معصية وزوجات طاهرات مبرات قال تعالى {أولئك مبرون مما يقولون} وليس معنى الآية مبرؤن في الماضي والمستقبل والحال بل معنى الآية أن شأنهن أنهن مبرات من المعاصي.
وهذا الذي يليق ويحسن أن يقال في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم فتأمل هذا فإنها فائدة شريفة.