فهرس الكتاب

الصفحة 1439 من 3844

وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أنس دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار لقطع [1] لهم )) الحديث.

قال أبو نعيم ذكر (خ) حديث الليث بلا رواية، وأراه أنه كان عنده عن عبد الله بن صالح فلذلك أرسله.

وعند الإسماعيلي (( أقطع الأنصار البحرين ) )أي أراد أن ص 2171 قطعهم أو دعاهم ليقطعهم، قالوا لا، حتى تقطع إخواننا، وفي لفظ (( دعا الأنصار ليقطعهم البحرين أو طائفة منها ) ).

قال حماد بن زيد قال يحيى فمن لهم في هذا الأمر ما للأنصار أمرهم أن يصبروا حتى يلقوه، فمن لم يكن له من الحق ما للأنصار أحق أن يصبر.

قوله (ليقطع) بضم الياء من أقطع، يقال استقطع فلان الإمام إذا سأله أن يعطيه شيئًا، وهو يستوقع الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئًا يحوزه، إما أن يملكه. وفي الحديث لما قدم المدينة أقطع الناس الدور؛ أي أنزلهم في دور الأنصار.

قال صاحب (( المطالع ) )والذي في هذا الحديث ليس من هذا؛ فإن البحرين كانت صلحًا فلم يكن لهم في أرضها شيء، وإنما هم أهل جزية، وإنما معناه عند علمائنا إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه يقال فيه أقطع _ بالألف _ وأصله من القطع كأنه قطعه لهم من جزية المال.

وقد جاء من حديث بلال بن الحارث (( أنه عليه السلام أقطعه معادن القبلية ) ).

الخطابي إقطاعه من البحرين كان على أحد وجهين إما من الموات الذي لم يملكه أحد فيملك بالإحياء، وإما أن يكون من العمارة من حقه في الخمس، فقد روي أنه افتتح البحرين وترك أرضها فلم يقسمها كما فتح أرض بني النضير فتركها ولم يقسمها كما قسم خيبر.

قال وذهب أكثر أهل العلم إلى أن العامر من الأرض للحاضر النفع، والأصول من الشجر كالنخل وغيرها، وأما المياه التي في العيون والمعادن الظاهرة كالملح والقار والنفط ونحوها لا يجوز إقطاعها، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الماء والملح، وما في معناهما مما يستحقه الآخذ له بالسبق إليه، فليس لأحد أن يحتجزها لنفسه أو يحظر منافعها على أحد من المسلمين.

وقد روي أنه عليه السلام أقطع أبيض بن حمال المازني ملح مأرب، فقال رجل يا رسول الله، إنه كالماء العذب، قال (( فلا إذن ) )، رواه أصحاب السنن الأربعة.

فأما المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها ونفعها إلا بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها، فإن ذلك لا يوجب الملك البات، ومن أقطع العمل عاد إلى أصله، فكان للإمام إقطاعه غيره.

ونقل ابن بطال أن مال البحرين كان من الجزية؛ لأن المجوس كانوا فيها كثيرًا في ذلك الوقت، وكان فيها أيضًا سوى المجوس، وكان عامله عليها أبان بن سعيد بن العاص.

قال ابن بطال فهذا يدل أن الذي أراد أن يقطع النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار من البحرين لم تكن نفس الأرض؛ لأنها كانت أرض صلح يؤدي أهلها الجزية عليها، وإنما أراد أن يقطع لهم مالًا يأخذونه من جزية البحرين؛ لأن الجزية تجري مجرى الخراج والخمس يجوز أخذها للأغنياء، وليست تجري مجرى الصدقة [2] .

قوله (فلم يكن ذلك عند رسول الله) معنى فلم يرده؛ لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير حين جلوا منها فاستغنوا عن الأنصار ومشاركتهم وردوا إليهم منائحهم.

قوله للأنصار (إنكم سترون بعدي أثرة) يدل أن الخلافة لا تكون فيهم [3] ، ألا ترى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم يلقونه، والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه.

ووقوله (أثرة) بضم الهمزة وإسكان الثاء، ويروى بفتحهما.

قال صاحب (( المطالع ) )وبهما قيده الجياني والوجهان صحيحان، ويقال أيضًا (( إثرة ) )بكسر الهمزة وسكون الثاء.

قال الأزهري وهو الاستئثار ص 2172 أن يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل غيركم عليكم، ولا يجعل لكم في الأمر نصيب، وعن أبي علي القالي أن الأثرة الشدة، وبه يتأول الحديث والتفسير الأول أظهر، وعليه الأكثر.

وفي (( الواعي ) )عن ثعلب إنها بالضم خاصة الجدب والحال غير المرضية، وعن غيره التفضيل في العطاء، وجمع الأثرة أثر.

وقال ابن التين الأثرة ما يؤثر به الرجل؛ أي يفضل بأثر، وقيل معناه سترون بعدي استئثارًا عليكم واستبدادًا بالحظ دونكم، فلم يبن من يؤثر عن نفسه في الخصاصة وبين من يستأثر بحق غيره.

وروي في الإقطاعات أحاديث منها حديث أسماء بنت أبي بكر عند الشيخين كنت أنقل النوى من أرض الزبير _ التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم _ على رأسي وهو ثلاثين فرسخ، ولأبي داود أقطعه نخلًا. وعن ابن عمر من رواية العمري (( أقطع رسول الله الزبير حضر فرسه ) ).

وفي (( الأموال ) )لأحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل من حديث علقمة بن وائل عن أبيه أنه عليه السلام أقطعه أرضًا فأرسل معي معاوية وقال (( أعلمها إياه ) ).

[1] كذا في المخطوط، ولعل الصواب (( ليقطع ) )كما في الحديث.

[2] في هامش المخطوط (( فائدة ) ).

[3] في هامش المخطوط (( أقول وقال في وصيته (( أوصي بالأنصار خيرًا ) )فإنه وصى لهم لا وصاهم، فهذا أيضًا دليل ذلك )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت