فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله نحن الآخرون ... إلى آخره. قوله لا يبولن أحدكم إلى آخره، هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه مع (خ، م) والأربعة، ولفظة (( فيه ) )من أفراد (خ) . ولمسلم (( منه ) )، وله (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) )فقيل كيف يفعل يابا هريرة؟ قال يتناوله تناولًا.
وجه إدخال (خ) الحديث الأول في هذا الباب، وهو حديث (( نحن الآخرون ) ). أن أبا هريرة رواه كذلك، وذكر مثل ذلك في كتاب الجهاد والمغازي والأيمان والنذور وقصص الأنبياء والاعتصام ذكر في أوائلها كلها (( نحن الآخرون ) ).
قال ابن بطال ويحتمل أن يكون همام فعل ذلك؛ لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، وفي أوائلها (( نحن الآخرون ) )فذكرها على الرتبة التي سمعها من أبي هريرة، ويمكن أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسق واحد، فحدث بهما جميعًا كما سمعهما.
قلت (خ) ساق الحديث من طريق الأعرج، عن أبي هريرة كما ذكرته، لا من حديث همام عنه، وتلك تعرف بصحيفة همام.
وقوله أن همامًا سمع من أبي هريرة أحاديث ليست بكثيرة، ليس بجيد؛ لأن الدارقطني جمعها في جزء، فبلغت فوق المائة.
وقوله ويمكن أن يكون سمعه من رسول الله في نسق فيه بعد، وقال ابن المنير إن قلت كيف طابق هذا مقصود الترجمة؟ وهل ذلك لما قيل إن همامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة، استفتحها له أبو هريرة بذلك، فصار همام مهما حدث عن أبي هريرة ذكر الجملة من أولها، واتبعه (خ) في ذلك، أو يظهر مطابقة معينة؟
قلت يمكن المطابقة، وتحقيقها أن السر في اجتماع التأخر في الوجود والسبق في البعث لهذه الأمة، أن الدنيا مثلها للمؤمن مثل السجن، وقد أدخل الله فيه الأولين والآخرين على ترتيب.
فمقتضى ذلك أن الآخر في الدخول أول في الخروج، كالوعاء إذا ملأته بأشياء وضع بعضها فوق بعض ثم استخرجتها، وإنما يخرج أولًا ما أدخلته آخرًا، فهذا هو السر في كون هذه الأمة آخرًا في الوجود الأول أولًا في الوجود الثاني، ولها في ذلك من المصلحة، فله بقاؤها في سجن الدنيا، وفي إطباق البلاء بما خصها الله تعالى به من قصر الأعمار، ومن السبق إلى المعاد، فإذا فهمت هذه الحقيقة تصور الفطن معناها عامًا.
فكيف يليق بذلك أن يعمد إلى ما يتطهر من النجاسة ومما هو أيسر منها من القترات، لبوله في ماء راكد، ثم يتوضأ منه، فأول ما يلاقيه بوله الذي عزم على التطهر منه، وهو عكس للحقائق، وإخلال بالمقاصد، لا يتعاطاه أريب، والحق واحد وإن تباعد ما بين طرفيه ص 549 وسيأتي للبخاري ذكر حديث (( نحن الآخرون السابقون ) )في ترجمة قوله (( الإمام جنة يتقى به ويقاتل من ورائه ) )أي هو أول آخر، هو أول في إسناد الهمم والعزائم إلى وجوده، وهو آخر في صورة وقوفه فلا ينبغي لأجناده إذا قاتلوا بين يديه أن يظنوا أنهم حموه، بل هو حماهم وصان بتدبيره حماهم هو، وإن كان خلف الصف، إلا أنه في الحقيقة جنة إمام الصف، وحق للإمام أن يكون محله في الحقيقة الأمام. هذا آخر كلامه، وفيه أمران
1 قوله قيل أن همامًا راويه تبع فيه ابن بطال، وقد سلف رده.
2 ما ذكره من المطابقة من أن الشيء إذا أدخلته آخرًا يخرج أولًا، إنما يأتي في الأشياء الكثيفة أما المائع، فإنه سريع الاختلاط، ودخول بعضه بعضًا، ومعنى (( الآخرون ) )آخر الأمم، (( والسابقون ) )إلى الجنة يوم القيامة.
قوله (( الدائم ) )هو الراكد كما جاء في رواية أخرى، وقوله (( الذي لا يجري ) )تأكيد لمعناه وتفسير له، وقيل للاحتراز عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها، والألف واللام في (( الماء ) )لبيان حقيقة الجنس أو للمعهود الذهني.
قوله (( ثم يغتسل فيه ) )الرواية فيه بالرفع، وجوز ابن مالك جزمه على النهي، ونصبه على تقدير أن، ومنعهما غيرهون هذا النهي للتحريم إن كان قليلًا؛ لا ينجسه ويقذره على غيره، وللتنزيه إن كان كثيرًا هذا هو الذي يظهر، وإن أطلق جماعة من أصحابنا الكراهة في الأول، والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء فصبه فيه، أو بال بقربه فوصل إليه، وأبعد الظاهري فيهما، وقال يحرم عليه إذا بال فيه، ولو كان الماء كثيرًا دون غيره.
واستدل به أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الآخر بوقوع النجاسة فيه؛ وأن الصيغة صيغة عموم، وهو عند الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول على ما دون القلتين جمعًا بين الحديثين، وهما هذا الحديث، وحديث (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا ) )، وقد صححه ابن معين وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم.
وعند أحمد أن بول الآدمي وما في معناه ينجس الماء، وإن كان كثيرًا اللهم إلا أن يكون كثيرًا جدا، كالمصانع التي بطريق مكة وغيره من النجاسات يعتبر فيه القلتان.
وفيه تحريم الوضوء بالماء النجس والتأدب بالتنزه عن البول في الماء الراكد؛ لعموم الحاجة إليه.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( باب لا تبولوا في الماء الدائم ) )وفي بعضها (( البول في الماء الدائم ) )وفي بعضها (( باب الماء الدائم ) ).
قوله (( الآخرون ) )بكسر الخاء جمع الآخر بمعنى المتأخر يذكر في مقابلة الأول وبفتحها جمع الآخر أفعل التفضيل، وبهذا المعنى أعم من الأول والرواية بالكسر فقط، ومعناه نحن المتأخرون في الدنيا المتقدمون يوم القيامة. قوله (( وبإسناده ) )الضمير راجع إلى الحديث؛ أي ثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور.
قوله (( لا يبولن ) )بفتح اللام (( والذي لا يجري ) )صفة مبينة للدائم، والمراد منه الماء الراكد وقال المالكي في الشواهد يجوز في ثم يغتسل الجزم عطفًا على يبولن؛ لأنه مجزوم الموضع بلا التي للنهي ولكنه بني على الفتح لتوكيده ص 550 بالنون ويجوز فيه الرفع على تقدير ثم هو يغتسل فيه، والنصب على إضمار أن وأعطى ثم حكم واو الجمع ونظيره في جواز الأوجه الثلاثة قوله تعالى {ثم يدركه الموت} فإنه قرئ بالجزم، وهو الذي قرأ به السبعة وبالرفع والنصب على الشذوذ.
قال النواوي لا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا.
وأقول لا يقتضي الجمع إذ لا يريد بتشبيهه ثم بالواو المشابهة من جميع الوجوه بل في جواز النصب بعده فقط سلمنا لكن لا يضر إذ كون الجمع منهيًا يعلم من هنا وكون الإفراد منهيًا يعلم من دليل آخر لقوله تعالى {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} على تقدير النصب.
فإن قلت ما دخل نحن الآخرون السابقون في هذا الباب. قلت قال ابن بطال وأما إدخال البخاري في أول الحديث نحن الآخرون السابقون فيمكن والله أعلم سمع أبو هريرة ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في نسق واحد فحدث بهما جميعًا كما سمعهما، وقد ذكر مثله في كتاب الجهاد وغيره، ويمكن أن يكون همام فعل ذلك لأنه سمع من أبي هريرة أحاديث في أولها نحن الآخرون السابقون فذكرها على الترتيب الذي سمعه من أبي هريرة.
وقال بعض علماء العصر [1] إن قيل ما مناسبة الترجمة لصدر الحديث وما مناسبة صدر الحديث الآخر. قلنا أما مناسبة الترجمة ص 551 فله وجهان أحدهما أن من عادة المحدثين ذكر الحديث جملة لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة، ولا يكون باقية مقصودًا بالاستدلال، وإنما جاء تبعًا لموضع الدليل، والثاني أن حديث نحن الآخرون السابقون أول حديث في صحيفة همام عن أبي هريرة وكان همام إذا روى الصحيفة استفتح بذكره ثم سرد الأحاديث فوافقه البخاري ههنا.
وأما مناسبة صدر الحديث الآخر فوجهه أن هذه الأمة آخر من يدفن من الأمم وأول من يخرج منها لأن الأرض لهم وعاء، والوعاء آخر ما يوضع فيه أول ما يخرج منه فكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر منه فينبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله وكلف الكلفة في وجهه لا تخفى عليك.
قوله الماء الدائم هو الراكد الذي لا يجري كما جاء من تفسيره في الحديث وهو الذي لا يجري يقال دام الشيء إذا سكن ودامت القدر إذا سكن غليها، قال وفيه دليل على أن حكم الماء الجاري بخلاف الراكد لأن الشيء إذا ذكر بأخص أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه، والمعنى فيه أن الجاري إذا خالطه النجس دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه منه فيغلبه فيصير في معنى المستهلك ويخلفه الطاهر الذي لم يخالطه النجس والراكد لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، ولكن يداخله فمهما أراد استعمال شيء منه كان النجس فيه قائمًا والماء في حد القلة فكان محرمًا، وأقول فيه تحريم الغسل والوضوء بالماء النجس والتأديب بالتنزه عن البول.
وقال العلماء النهي عن البول في الماء الدائم مردود إلى الأصول، فإن كان الماء كثيرًا فالنهي عن ذلك على وجه النزاهة؛ لأن الماء مبني على الطهارة حتى يتغير أحد أوصافه فإن كان قليلًا فالنهي على الوجوب لفساد الماء بالنجاسة وقالوا ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر هذا الحديث إلا داود الظاهري فإنه قال النهي مختص بالبول والغائط ليس كالبول ومختص ببول نفسه وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره، وجاز أيضًا للبائل إذا بال في إناء ثم صبه في الماء وبال بقرب الماء وجرى إليه وهو من أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر. ص 552
[1] في هامش المخطوط يعني صاحب شرح تراجم الأبواب.