فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله (( ما يلبس المحرم ) )إلى آخره هذا الحديث أخرجه (خ) في اللباس عن علي بن سفيان وفي الصلاة عن عاصم وفي الحج عن أحمد بن يونس، والزائد على السؤال في الحديث قوله (( فإن لم يجد النعلين ) )إلى آخره، وله تعلق به.
وجوابه عليه السلام بما لا يلبس، وإن كان السؤال عما يلبس من بديع الكلام وجزله، فإن المسئول عنه غير منحصر، إذ الأصل الإباحة، فأجاب بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به.
وأيضًا لو أجاب بما يلبس لتوهم المتوهم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه، فانتقل إلى ما لا يلبس، على أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال سأل رجل رسول الله ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال .. الحديث، رواه أحمد وأبو داود والدارقطني في (( سننهما ) )فجاء على الأصل.
والإجماع قائم على أن ما ذكر لا يلبسه المحرم، وعداه القياسيون إلى ما رواه في معناه، وأنه عليه السلام نبه بكل واحد من المذكورات على ما في معناه، فنبه بالقميص والسراويل على كل مخيط أو مخيط معمول على قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما.
ونبه بالعمائم والسراويل على كل ساتر للرأس مخيطًا كان أو غيره، وبالخفاف على كل ساتر للرجل، ونبه بالزعفران والورس على كل طيب، والورس نبت أصفر تصبغ به الثياب.
وجاء الخفين لفاقد النعلين، وفي حديث ابن عباس وجابر لم يذكر القطع، وبه أخذ الإمام أحمد، وخالف الثلاثة والجمهور وحملوا المطلق على المقيد.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( ما يلبس ) )ما موصولة وهو مفعول ثان ليسأل؛ أي عما يلبسه أو من معرفة أو استفهامية واللبس بالضم مصدر لبست الثوب ألبس بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع وبالفتح مصدر لبست عليه الأمر ألبس بفتحها في الماضي وكسرها في المضارع، و (( المحرم ) )أي الداخل في الحج أو العمرة، وأصله الداخل في الحرمة وهو قد حرم عليه ما كان حلالًا قبله كالصيد ونحوه.
قوله (( لا يلبس ) )بضم السين نفي بمعنى النهي وبكسرها نهي، و (( العمامة ) )بكسر العين و (( السراويل ) )أعجمية عرب وجاء على لفظ الجمع، وهي واحدة تذكر تؤنث ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث وتجمع على السراويلات وقد يقال هو جمع ومفرده سرواله قال
~عليه من اللؤم سروالة فليس يرق لمستضعف ص 429
وهو غير منصرف على الأكثر.
قوله (( البرنس ) )بضم الموحدة وسكون الراء وضم النون، ثوب رأسه منه ملتزق به، وقيل قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام.
قوله (( ولا ثوبًا ) )وفي بعضها (( ولا ثوب ) )فرفعه إنما هو بتقدير فعل لم يسم فاعله؛ أي لا يلبس ثوب. فإن قلت لم عدل عن طريق أخواته. قلت لأن الطيب حرام على الرجل والمرأة فأراد أن يعمم الحكم للمحرم والمحرمة فيه بخلاف الثياب المذكورة فإنها حرام على الرجال فقط.
قوله (( الورس ) )بفتح الواو وسكون الراء وبالمهملة نبت أصفر يكون باليمن تصنع به الثياب وتتخذ منه الغمرة للوجه. و (( الزعفران ) )بفتح الزاي والفاء جمعه زعافر. و (( النعل ) )الحذاء وهي مؤنثة تثنيتها نعلان.
فإن قلت فإذا فقد النعل فهل يجب لبس الخف المقطوع لأن ظاهر الأمر للوجوب. قلت لا إذ هو شرع للتسهيل فلا يناسب التثقيل، واعلم أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يجوز لبسه فأجاب بما لا يجوز لبسه ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب الصريح إليه لأنه أخصر وأحصر، وإنما يحرم أقل وأضبط مما يحل أو لأنه لو قال يلبس كذا وكذا ربما أوهم أن ليس شيء مما عدده من المناسك وليس كذلك أو لأن السؤال كان من حقه أن يكون مما لا يلبس لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة وإما جواز ما يلبس فثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فلذلك أنى بالجواب على وقفه تنبيهًا عليه.
وفي عطف البرانس على العمامة دليل على أن المحرم ينبغي أن لا يغطي رأسه بالمعتاد وغيره، وفيه صلى الله عليه وسلم بالقميص والسراويل على جميع المخيطات إزار أو رداء وكذا بالورس والزعفران على ما سواهما من أنواع الطيب، وهو حرام على الرجل والمرأة.
فإن قلت ما تقدم عليه وما تأخر عنه خاص بالرجال فمن أين علم عمومه وخصوصهما. قلت الخصوص من حيث أن الألفاظ كلها للمذكورين وأما العموم فمن الأدلة الخاصة عن هذا الحديث ولو كان الرواية برفع ولا ثوب فالجواب أظهر.
قال العلماء الحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم أن يبعد من الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليتذكر أنه في كل الوقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات وليتذكر به الموت ولباس الأكفان والبعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداعي.
والحكمة في تحريم الطيب أن يبعد من زينة الدنيا، ولأنه داع إلى الجماع ولأنه ينافي الحجاج فإنه أشعث أغبر، ومحصله إرادة أن يجمع همه لمقاصد الآخرة، واختلفوا في قطع الخف.
قال أحمد لا يجب القطع لحديث ابن عباس فمن لم يجد نعلين فليلبس خفين حيث جاء مطلقًا من غير التقييد بالقطع وأصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما فإن قطعها إضاعة مال، قال الجمهور المطلق يحمل على المقيد والزيادة من الثقة مقبولة والإضاعة إنما تكون فيما نهى عنه، وأما ما ورد الشرع به فليس بإضاعة، بل حق يجب الإذعان له.
قال ابن بطال ناقلًا عن المهلب فيه أنه يجوز للعالم إذا سئل عن الشيء أن يجيب بخلافه إذا كان في جوابه بيان ما يسأل عنه، وأما الزيادة على السؤال فحكم الخف، وإنما زاد عليه الصلاة والسلام لعلمه بمشقة السفر وبما يلحق الناس من الحفي والمشي رحمة لهم، وكذلك يجب للعالم أن ينبه الناس في المسائل على ما ينتفعون به ما لم يكن فيه ذريعة إلى تمحيض شيء من حدود الله.
الزركشي
(( لا يلبس ) )برفع السين وكسرها، ووجه استنباطه الزيادة في الجواب تضمن الجواب ما يجوز للمحرم لبسه وما لا يجوز؛ لأن المنهي عنه قد ص 430 حصر، فدل على ما لا يجوز، ودل بفحواه على أن ما عداه يجوز، وأيضًا فإنه فصل في لباس السراويل، فكان ذلك زائدًا على الجواب.
أقول قال صاحب التراجم موقع هذه الترجمة من الفوائد التنبيه على أن مطابقة الجواب للسؤال حتى لا يكون الجواب عامًا والسؤال خاصًا غير لازم فتوجب ذلك حمل اللفظ العام الوارد على سبب خاص على عمومه لا على خصوص السبب؛ لأنه جواب وزيادة فائدة وهو المذهب الصحيح في القاعدة، ويؤخذ منه أيضًا أن المعنى إذا سئل عن واقع وأجمل عنده أن يكون السائل يتبرع بجوابه إلى أن يعديه إلى غير محل السؤال وجب عليه أن يفصل جوابه وأن يريده ثيابًا، وأن يذكر مع الرافعة ما يتوقع التباسه بها ولا يعد ذلك تعديًا بل تحريًا والزيادة في الحديث بقوله فإن لم يجد النعلين إلى آخره.