فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 3844

فيه ثلاثة أحاديث

أحدها حديث نافع، عن عبد الله قال صليت .. الحديث.

هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا.

2 حديث شعبة، بسنده عن حارثة بن وهب صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم آمن .. الحديث.

وهذا الحديث أخرجه (م، د، ت، ن) أيضًا، ويأتي في الحج، وفي رواية ونحن أكثر ما كنا قط وحارثة بن وهب بالمهملة صحابي وهو أخو عبد الله بن عمر لأمه، أمهما أم كلثوم بنت جرول الخزاعي.

3 حديث عبد الرحمن بن يزيد صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات .. إلى آخره.

وأخرجه (م) أيضًا.

والإجماع قائم على أن القصر بمنى وعرفة حكم الحاج الآفاقي الذي بينه وبينها مسافة القصر.

وعند مالك أن الحاج المكي يقصر بهما، وكذا أهل عرفة بمكة ومنى يقصرون، وحجته التمسك بأحاديث الباب، ومثله في (ن) من حديث أنس.

ونقل ابن بطال اتفاق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر، إذ ليست مكة دار إقامة إلا لأهلها، أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بمكة، فلذلك لم ينو الشارع ص 1190 الإقامة بمكة ولا بمنى.

قال واختلف في صلاة المكي بمنى. فقال مالك يتم المكي بمكة ويقصر بمنى، وكذا أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات.

وجعل هذه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأنه عليه السلام لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قال يا أهل مكة أتموا، يعني بعرفات. وهذا موضع بيان، وكذا عمر بعده قال لأهل مكة يا أهل مكة أتموا؛ فإنا قوم سفر، وكذا قاله الشارع بمكة.

واختلف قول مالك، وابن القاسم في صلاة المكي بالمحصب، هل يقصر؟ واختلافهما مبني على أن المحصب، هل هو مشروع، فمن قال أنه مشروع قصر.

وقال أكثر أهل العلم منهم عطاء، والزهري، وهو قول الثوري، والكوفيين، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لانتفاء مسافة القصر.

قالوا وفي قول عمر يا أهل منى أتموا، وكذا قول الشارع أيضًا ما أغنى أن يقول ذلك بمنى.

واختلف في المسافة التي يقصر فيها، فقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون، وروي عن ابن مسعود أقلها ثلاثة أيام ولياليهن سير الإبل ومشي الأقدام، وقدر أبو يوسف وأكثر الثالث.

وهو رواية محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، ولم يريدوا به السير ليلًا ونهارًا؛ لأنهم جعلوا النهار للسير والليل للاستراحة. ولو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل في يوم من طريق أخرى قصر، ثم قدروا ذلك بالفراسخ فقيل أحد وعشرون فرسخًا. فقيل ثمانية عشر. وعليه الفتوى، وقيل خمسة عشر ومدته ثلاثة أيام ولياليهن.

وهو مذهب عثمان، وابن مسعود، وحذيفة، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن بن حي، وأبي قلابة، وشريك بن عبد الله، وابن جبير، وابن سيرين، وعن مالك لا تقصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي.

وهو ستة عشر فرسخًا. وهو قول أحمد، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وذلك يومان، وهي أربعة برد، وهذا هو المشهور عنه، وعن مالك أيضًا خمسة وأربعون ميلا.

وعنه اثنان وأربعون ميلا وأربعون. وستة وثلاثون ميلًا. عزاها ابن حزم إلى رواية إسماعيل القاضي في (( مبسوطه ) )، قال وذا لأهل مكة خاصة، ويقصر إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال.

وقال ابن بطال كان مالك يقول يقصر في مسيرة يوم وليلة. ثم رجع فقال يقصر في أربعة برد. كقول ابن عمر، وابن عباس، وبه قال الليث، والشافعي في أحد أقواله، وهو قول أحمد، وإسحاق.

وقال الأوزاعي عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تمام، وبه نأخذ، ونقل عنه اثنا عشر يومًا فما زاد.

فقالت طائفة يقصر في يومين. روي عن ابن عمر، والحسن البصري، والزهري، وحكي مثله عن الشافعي.

وقال الأوزاعي كان أنس يقصر في خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا. وللشافعي سبعة نصوص في مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلًا، ستة وأربعون ميلًا، أكثر من أربعين، أربعون، يومان، ليلة، ويوم وليلة. قلت الليلة بلا يوم، وعن داود يقصر في السفر الطويل والقصير، حكاه في (( التمهيد ) )عنه.

قال أبو حامد حتى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر.

وذكر ابن حزم في (( محلاه ) )أنه لا يقصر في أقل من ميل عند الظاهرية.

قال ولا يجوز أن نوقع ص 1191 اسم سفر وحكم سفر إلا على ما سماه من هو حجة في اللغة سفرًا، فلم يحد ذلك في أقل من ميل، وقد روينا الميل عن ابن عمر، فإنه قال لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك.

وقد عقد لها (خ) بابًا ستمر به قريبًا إن شاء الله تعالى واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري أنه عليه السلام سافر فرسخًا فقصر، ولا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أن سفره كان فرسخًا، ويجوز أن يكون فعل ذلك إشارة إلى أنه لا يعتبر القصر إلى قطع جميع المسافة، بل بالشروع فيها.

وحجة مالك حديث (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تسافر مسيرة يوم وليلة ) )فجعل لليوم والليلة حكمًا خلاف حكم الحضر، فعلمنا أنه الزمن الفاضل بين السفر الذي يجوز فيه القصر، وبين ما لا يجوز.

ونقل القاضي أبو محمد وغيره إجماع الصحابة على اعتبار مسافة، وإن اختلفوا في مقدارها، فمن لم يعتبرها خرق الإجماع. والمباشر نحوه لا مشقة في قطعه فصار كالحضر.

واختلف في إتمام الصلاة في السفر، فذهبت طائفة إلى أن ذلك سنة.

روي عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص أنهما كانا يتمان فيه، وعن حذيفة مثله. وروي مثله عن المسور وغيره.

وروى أبو مصعب عن مالك قال قصر الصلاة في السفر سنة، وهو قول الشافعي إذا بلغ سفره ثلاث مراحل، وأبي ثور.

وعن الشافعي قول أنه مخير بينهما، غير أن الإتمام أفضل. وذهب أصحابه إلى أنه مخير، والقصر أفضل.

وذهبت طائفة إلى أن الواجب على المسافر ركعتان، روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وهو قول الكوفيين، ومحمد بن سحنون.

واختاره إسماعيل بن إسحاق من أصحاب مالك.

واحتج الكوفيون بحديث عائشة فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر. وقد سلف في كتاب الصلاة، ولا شك أن الفرض يأتي بمعنى غير الإيجاب كما تقول فرض القاضي النفقة، إذا قدرها وبينها. ومنه قوله تعالى {فرض الله تحلة أيمانكم} [التحريم2] أي بين لكم كيف تكفرون عنها.

وقال الطبري يحتمل قول عائشة فرضت ركعتين في السفر، يعني إن اختار المسافر ذلك، وإن اختار أربعًا.

ونظير هذا التخيير النفر الأول من منى. ولو كان فرض المسافر ركعتين فقط لما جاز له جعلها أربعًا بوجه من الوجوه، كما ليس للمقيم أن يجعل صلاته مثنى وصلاة الفجر أربعًا.

وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن المسافر إذا ائتم بمقيم في جزء من صلاته أنه يلزمه الإتمام. فهذا يدل على أنه ليس فرضه ركعتين إلا على التخيير. وبان أن من أتم من المسافرين فالفرض اختار، وأن من قصر فهو تمام فرضه.

واختلف في وجه إتمام عثمان على أقوال

1 أنه أمير المؤمنين، فحيث كان في بلد فهو عمله. قاله أبو الجهم، ووجهه أن للإمام تأثيرًا في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة إذا مر بقوم أنه يجمع بهم الجمعة.

غير أن عثمان سار مع الشارع إلى مكة وغيرها، وكان مع ذلك يقصر، ويخدش في ذلك أن الشارع كان أولى بذلك، ومع ذلك لم يفعله، نعم صح عنه أنه كان يصلي في السفر ركعتين إلى أن قبضه الله تعالى.

2 أنه اتخذ منى مسكنًا، فلذلك أتم. روى معمر، عن الزهري قال إنما فعل ذلك؛ لأنه أزمع على المقام بعد الحج. ذكره (د) .

وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب قال صلى بنا عثمان أربعًا، فلما سلم أقبل على الناس فقال إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من تأهل لبلدة فهو من أهلها فليصل أربعة ) )، وقال ابن حزم بسنده عن الزهري قال بلغني أن عثمان إنما صلى أربعا يعني بمنى لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج، وهذا يرده أن المقام بمكة للمهاجر ص 1192 أكثر من ثلاث لا يجوز.

وصح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على ظهر راحلته ويسرع الخروج من مكة خشية أن يرجع في هجرته التي هاجرها لله تعالى.

وقال ابن التين لا يمتنع ذلك إذ له أمر أوجب مقامه أربعة أيام لضرورة.

وقال مالك في (( العتبية ) )فيمن يقيم بمنى ليخف الناس يتم. في أحد قوليه، ومثل هذا الجواب أن أهله كانوا معه بمكة.

ويرده أن الشارع كان يسافر بزوجاته، وكن معه بمكة، ومع ذلك يقصر، ومثله إنما أتم لأنه أقام بمكة قبل مخرجه إلى منى مدة توجب الإتمام.

واعتقد أن مسافة الخروج إلى عرفة إذا انفصلت فما قبلها من السنة لا توجب القصر. ولا شك أن عثمان لا يتعمد مخالفة الشارع لغير معنى [1] .

3 ما رواه أيوب، عن الزهري أن الأعراب كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربع، ذكره (د) .

4 أنه تأول أن القصر رخصة غير واجب، وأخذ بالأكمل الأتم، متأول أن الشارع قصد بقصره التخفيف كالفطر.

واسترجاع ابن مسعود لما رأى عثمان أتم خلاف ما عهده من الشارع وصاحبيه دليل على إنكاره في خلاف الأفضل فقط؛ إذ لو اعتقد أن فرضه القصر لم يصح أن يصليها خلفه ولم يجز له أن يتم، ولا سكتت الصحابة من غير نكير.

وزعم الداودي أن ابن مسعود كان يرى القصر فرضًا. قال أبو سليمان من أجل الأسوة، يريد إذا لم يتأس بفعله عليه السلام وصاحبيه، فلأجل ذلك استرجع.

هذا يرد ما أوله أنه صلى أربعًا، وقال الخلاف شر، فلو كان يعتقد القصر فرضًا لكان الخلاف شرًا لا خيرًا.

وروى ابن أبي شيبة عن ميمون أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصلاة في السفر.

فقال إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا. وذكر عن أبي قلابة أنه قال إن صليت في السفر ركعتين فالسنة، وإن صليت أربعًا فالسنة.

قال الطحاوي وذلك لأن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن الشارع فلم يتم بهم لتلك العلة، فلم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشارع؛ لأنه بهم رءوف رحيم.

وكذا تأولوا في إتمام عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث ما حلت فهو بيتها، وهذا في الضعف مثل ما تأول لعثمان أنه كان مع زوجه والنبي صلى الله عليه وسلم كان في كل أسفاره مع زوجه وكان يقصر ألا ترى أنه عليه السلام كان أبًا للمؤمنين وهو أولى بهم من عائشة، ولم يتأول ذلك.

قال ابن بطال والوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة، إنما أثما في السفر لأنهما اعتقدا في قصره عليه السلام أنه لما خير بين القصر والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته.

وقد قالت عائشة ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فأحدث هي وعثمان في أنفسهما بالشدة وتركا للرخصة، إذ كان ذلك مباحًا لهما في حكم التخيير فيما أذن الله فيه.

وقول حارثة بن وهب صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين يريد أنه قصر من غير خوف كما هو مذهب الجمهور.

قوله (( فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان ) )يريد إني صليت أربعًا وتكلفتها، فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. هذا تأويل أبي عبد الملك. وقال الداودي نحوه.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( بمنى ) )وهو يذكر ويؤنث بحسب قصد الموضع والبقعة فقيل وإذا ذكر صرف وكتب بالألف وإذا أنث لم يصرف وكتب بالياء. ص 1193

قوله (( صدرًا ) )أي في أول خلافته وهي ست سنين أو ثمان وسنين على خلاف فيه وأتمها بعد ذلك لأن القصر والإتمام جائزان ورأى ترجيح ظرف الإتمام لأن فيه زيادة سنة.

قوله (( آمن ما كان ) )أي حالة كونه في آمن أو أكوانه.

فإن قلت قال تعالى {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} فرفع الجناح عن القصر إذ كان خوف وعند انتفاء الشرط يلزم انتفاء المشروط. قلت قال يعلى بن أمية لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال عمر تعجبت مما تعجبت فسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( إنما هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) ).

وقال الخطابي هذا دليل على أن القصر رخصة لا عزيمة لأن الواجب لا يسمى صدقة فإن قيل فما الجواب عن مفهوم الشرط قلت اشترط اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يخرج مخرج الأغلب والغالب من أحوال المسافرين الخوف.

الطيبي فيه تعظيم شأن الرسول حيث أطلق ما قيده الله ووسع إلى عباد الله ونسب فعله إلى الله.

قوله (( بمنى ) )متعلق بقوله (( صلى وعبد الرحمن بن يزيد ) )من الزيادة النخعي الكوفي أخو الأسود بن يزيد مات سنة ثلاث وتسعين.

(( واسترجع ) )أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون كرهه مخالفته الأفضل.

قوله (( حظي ) )أي نصيبي (( ومن ) )في من أربع يحتمل أن تكون للبدلية نحو قوله تعالى {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} .

وفيه تعريض بعثمان أي كيف صلى ركعتين بدل الأربع كما كان رسول الله وصاحباه يفعلون وهذا إظهار لكراهة مخالفة ما كانوا عليه ومع هذا وابن مسعود على جواز الإتمام، ولهذا كان يصلي وراء عثمان متما وهذا دليل على أن القصر والإتمام جائزان كما عليه الجمهور ويشعر به ظاهر القرآن.

وقال أبو حنيفة القصر واجب ولا يجوز الإتمام.

الزركشي

قوله (( فاسترجع ) )لما رأى من تفويت عثمان لفضيلة القصر، ولا يفهم منه أن الإتمام غير مجزئ، لأنه قال (( فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان ) )، فلو كانت تلك الصلاة لا تجزئ لما كان له فيها حظ لا من ركعتين ولا من غيرهما، فإنها كانت تكون فاسدة كلها.

وقال الداودي خشي أن لا تجزئه الأربع، وليس كذلك لما ذكرناه، واعلم أن عثمان إنما فعل هذا بعد سبع سنين من خلافته، وكان قبلها يقصر كما سيأتي في باب من لم يتطوع في السفر (( أن عثمان كان لا يزيد على ركعتين ) ).

[1] في هامش المخطوط (( إنما أتم لأنه تزوج امرأة بمكة لا أنه كان مع زوجة وبينهما فرق .... ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت