فيه حديث عبد الله بن زيد المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ما بين بيتي ومنبري ) ).. الحديث.
وحديث خبيب بن عبد الرحمن بضم الخاء المعجمة عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام بمثله وزاد (( ومنبري على حوضي ) ).
أخرجهما (م) في الحج، والثاني يأتي في الحج، والحوض، والاعتصام.
ومن الموضوعات حديث ابن عمر المرفوع (( ما بين منبري وقبري واصطوانة التوبة روضة من رياض الجنة ) ). والصحيح ص 1268 في الرواية (( بيتي ) )وروي مكانه (( قبري ) )، وجعله بعضهم تفسيرًا (( لبيتي ) )، قاله زيد بن أسلم، والظاهر بيت سكناه، والتأويل الآخر جائز؛ لأنه دفن في بيت سكناه.
وروي (( ما بين حجرتي ومنبري ) )والقولان متفقان؛ لأن قبره في حجرته، وهي بيته.
وقام الإجماع أن قبره أفضل بقاع الأرض كلها، والروضة في كلام العرب المكان المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب.
وحمل كثير من العلماء الحديث على ظاهره فقالوا ينقل ذلك الموضع بعينه إلى الجنة، قال تعالى {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة} [الزمر74] دلت على أن الجنة تكون في الأرض يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع يؤدي بصاحبه إلى الجنة كما قال عليه السلام (( ارتعوا في رياض الجنة ) )يعني حلق الذكر والعلم لما كانت مؤدية إلى الجنة، فيكون التحريض على زيارة قبره عليه السلام، والصلاة في مسجده، وكذا (( الجنة تحت ظلال السيوف ) )واستبعده ابن التين، وقال يؤدي إلى السفسطة والشك في العلوم الضرورية.
وقيل إنها من رياض الجنة الآن، حكاه ابن التين، وأنكره. قال والعمل على التأويل الثاني يحتمل وجهين
أحدهما أن اتباع ما يتلى فيه من القرآن والسنة يؤدي إلى رياض الجنة، فلا يكون فيها للبقعة فضيلة إلا لمعنى اختصاص هذه المعاني دون غيرها.
والثاني أن يريد أن ملازمة ذلك الموضع بالطاعة يؤدي إليها؛ لفضيلة الصلاة فيه على غيره.
وإنما خصت الروضة بها؛ لأنها ممره بينه وبين منبره، ولصلاته فيها.
قوله (( ومنبري على حوضي ) )أي بجانبه، قاله الداودي. قال ابن التين وفيه نظر. وفي رواية (( على ترعة من ترع الجنة ) )والترعة الدرجة.
والأظهر أن المراد منبره الذي كان يقوم عليه في الدنيا، يعيده الله تعالى بعينه ويرفعه، ويكون في الحوض، نقله القاضي عن أكثر العلماء. وقيل إن له هناك منبرًا على حوضه يدعو الناس إليه.
وللباطنية في هذا الحديث من الغلو والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، نبه عليه القرطبي، ففي الصحيح أن في أرض المحشر أقوامًا على منابر؛ تشريفا لهم كما قال (( إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة ) )، وإذا كان ذلك في أئمة العدل، فأحرى في الأنبياء، وإذا كان ذلك للأنبياء فأولى بذلك سيدهم، فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه ويعظم ويرفع وينور على قدر منزلته، حتى لا يكون لأحد في ذلك اليوم منبر أرفع منه لسيادته.
والإيمان بالحوض عند جماعة العلماء واجب الإقرار به، وقد نفاه أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فإنهم لا يصدقون لا بالشفاعة ولا بالحوض ولا بالدجال.
والحوض هو الكوثر. وسيأتي ذكره وفيما أورده (خ) دلالة واضحة على ما ترجم له، وهو فضل ما بين القبر والمنبر، وتفسير القبر بالبيت.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( بيتي ) )فإن قلت الترجمة في فضل ما بين القبر والمنبر فكيف دل الحديث عليه. قلت ص 1269 قال الطبري المراد بالبيت إما القبر وإما مسكنه الظاهر ولا تفاوت بينهما لأن قبره في حجرته وهي بيته.
قوله (( روضة ) )قالوا في معناه أن ذلك الموضع حقيقة ينقل إلى الجنة فهو حقيقة وأن العبادة فيه تؤدي إلى روضة الجنة فهو مجاز باعتبار المآل نحو (( الجنة تحت ظلال السيوف ) )أي الجهاد مآله الجنة وأنه تشبيه نحو زيد بحر أي هو كروضة وسمي تلك البقعة المباركة روضة لأن زوار قبره من الملائكة والإنس والجن ولم يزالوا مكبين فيها على ذكر الله وعبادته [1] .
[1] في هامش المخطوط (( أقول ذكر أبو الحسن الهيصم في قصص القرآن أن داود لما تاب الله عليه وخشيت حاله وحال بني إسرائيل وكثروا تعجب داود من كثرتهم أوحى الله إلى داود أقسمت بغيري وابتليتهم ببلية فقل بها عددهم فخير بني إسرائيل إحدى ثلاث أن يبتليهم بالقحط ويسلط عليهم عدوهم أو الطاعون فاختاروه ثم إنهم لبسوا الأكفان وخرجوا بنسائهم وأولادهم إلى الموضع الذي بني فيه بيت المقدس وجاء داود مسجد على الصخرة وسجد مع النساء والصبيان يبكون ويتضرعون وخروا سجدًا من حين انفجر الفجر إلى أن زالت الشمس فاستجاب الله دعائهم وأوحى الله إلى داود أني قد شفعتك فيهم فرفع داود رأسه وناداهم حين رفعوا رؤوسهم أحصى من مات يومئذ في الطاعون مائة ألف وسبعون ألفًا ورفع الله عنهم الطاعون ثم إن داود جمعهم وخطبهم وقال إن الله عفا عنكم فأحدثوا لله شكرًا فقالوا مرنا فقال إني لا أعلم شيئًا أبلغ في شكركم من بناء مسجد على هذا الصعيد الذي رحمكم الله فيه فابنوا هنا مسجدًا نعبد الله فيه نحن ومن بعدنا فاستأذن داود ربه فأذن له وكان ذلك الصعيد مشتركًا بين قوم من بني إسرائيل فطابت نفوسهم ببذل نصيبهم بلا ثمن، فأقبل داود وبنو إسرائيل على البناء وجعل داود ينقل الحجارة بنفسه.