ولبست عائشة .. إلى آخره
ثم ذكر حديث ابن عباس انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، الحديث.
أما أثر عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم عنها، وأثر جابر أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن حميد بن عبد الرحمن بسنده عنه، وأثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مسعر، عنه.
والترجيل حل الشعر ومشطه، ومعنى (( تردع ) )بعين مهملة وفتح أوله؛ لأنه ثلاثي؛ أي كثر فيها الزعفران حتى تنفضه وتلطخه.
قال صاحب (( المطالع ) )وفتح الدال أوجه.
والردع الأثر على الجلد وغيره. ص 1569
قال ابن السيد معناه يلطخ الجلد. وقال ابن الجوزي كذا وقع تردع على الجلد، والصواب تردع الجلد؛ أي تصبغه، وتنفض صبغها عليه.
قال ابن بطال من رواه بغين معجمة فهو من قولهم أردغت الأرض كثرت رداغها، وهي مناقع المياه، ومنه أرزغت الأرض، بالزاي؛ أي كثرت رزاغها، جمع رزغة كالردغة، ذكره صاحب (( الأفعال ) )، وذكر أردع وأرزغ في باب أفعل خاصة.
قوله (( فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته .. إلى آخره ) )كذا هنا وفي (م) عنه (( أنه عليه السلام صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء، أهل بالحج ) ).
قال ابن حزم فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة، وأنس يذكر أنه صلاها بالمدينة، وكلا الطريقين في غاية الصحة، وأنس أثبت في هذا المكان؛ لأنه ذكر أنه حضر ذلك بقوله (( صلى الظهر بالمدينة ) )، ثم إن ابن عباس لم يقل حصورًا فيها أنها كانت يوم خروجه عليه السلام من المدينة، وإنما عني به اليوم الثاني، فلا تعارض إذن.
وفي (( الإكليل ) )بسند فيه الواقدي قال (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشر، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين ) ).
وزعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارًا بعد أن تغدى وصلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وطاف على نسائه، ثم اغتسل، ثم صلى بها الصبح، ثم طيبته عائشة، ثم أحرم ولم يغسل الطيب، وأهل حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معًا، وذلك قبل الظهر بيسير، ثم لبى، ثم نهض وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة.
فإن قلت كيف قال إنه يخرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة وقد ذكر (م) من حديث عمرة عن عائشة لخمس بقين منها؟
قلت قد ذكر (م) أيضًا من طريق عروة عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة، فلما اضطربت الرواية عنها، رجعنا إلى من لم تضطرب عنه في ذلك، وهما عمر وابن عباس، فوجدنا ابن عباس ذكر اندفاع رسول الله من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة، وذكر عمر أن يوم عرفة كان يوم جمعة، فوجب أن استهلال ذي الحجة يوم الخميس لست بقين منها.
ويزيد وضوحًا حديث أنس صلينا مع رسول الله الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فلو كان خروجه لخمس بقين منها لكان بلا شك يوم الجمعة، والجمعة لا تصلى أربعًا، فصح أن ذلك كان يوم الخميس.
وعلمنا أن معنى قول عائشة (( لخمس بقين من ذي القعدة ) )، إنما عنت اندفاعه عليه السلام إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلا يوم الخميس، فبطل خروجه يوم الجمعة، وبطل أن يكون يوم السبت؛ لأنه كان يكون حينئذ خارجًا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وصح أن خروجه كان لست بقين، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة، وتآلفت الروايات.
وقوله (( فقدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة ) )قال الواقدي بسنده عن ابن عمر أن هلال ص 1570 ذي الحجة كان يوم الخميس اليوم الثامن من يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة، ونزل بذي طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ودخل مكة نهارًا من أعلاها صبيحة يوم الأحد.
قلت وهذا يعضد قول ابن حزم قال وأقام بمكة محرمًا من أجل هديه يوم الأحد المذكور إلى يوم الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس، وهو يوم منى، والتروية مع الناس إلى منى، وفي ذلك الوقت أحرم بالحج من الأبطح، كذا ادعى، وقد أسلف أنه كان قارنًا.
وذو القعدة بكسر القاف وفتحها، وكذا الحجة بفتح الحاء وكسرها، والفتح أشهر هنا.
و (( الحجون ) )بفتح الحاء موضع بمكة عند المحصب، وهو مقبرة أهل مكة.
وقال أبو حنيفة الدينوري في (( الأنواء ) )الحجون بلد، الواحد حجن.
وفي (( النقائض ) )الحجون مكان من البيت على ميل ونصف.
وقال البطليوسي الحجون الذي ذكره زهير موضع غير حجون مكة.
أقول قال ياقوت الحجون آخره نون جبل بأعلى مكة عنده مقبرة أهلها.
قوله (( ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ) )لعله شغله عن الطواف في هذه المدة شاغل، وإلا فله أن يتطوع بالطواف ما شاء.
وقوله (( وأمر أصحابه أن يطوفوا .. إلى آخره ) )اختلف فيهم، فقيل من أحرم بعمرة، وقيل من أحرم بحج أو بعمرة ولا هدي معه، وقال لمن كان أهل بالحج (( هي لكم خاصة ) )، وضرب عمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله؛ لأنها كانت خصوصًا لهم، وهو الصواب.
وأمر فيه بالتقصير لأجل الحلق بمنى، ورأى قوم أن ذلك لمن بعدهم ولم يحفظوا الخصوص، ومنهم أحمد وداود.
قوله (( ثم يحلوا ) )أي فيحل لهم المحرمات، كما ذكره بعد.
وقام الإجماع كما حكاه المهلب أن المحرم لا يلبس إلا الإزار والأردية، وما ليس بمخيط؛ لأن لبسه من الترفه، فأراد الرب جل جلاله أن يأتوه شعثًا غبرًا عليهم آثار الذلة والخشوع، ولذلك نهى عن الثوب المصبوغ كما سلف، ولا خلاف بين العلماء أن لبسه لا يجوز.
قولها (( لا تلثم ) )أي لأن إحرامها في وجهها، وكذا (( لا تبرقع ) )، نعم لها أن تسدل على وجهها شيئًا متجافيًا عنه.
وقام الإجماع على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخمر، والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر.
وكان ابن عمر ينهى عن القفازين، وهو قول النخعي.
وقال مالك إن لبست البرقع والقفازين افتدت كفدية الرجل؛ لأن إحرام المرأة عنده في وجهها ويديها، وهو أظهر قولي الشافعي، وكرهت عائشة اللثام والنقاب، وأباحت لها القفازين، وهو قول عطاء.
واختلفوا في تخمير وجه المحرم، فقال ابن عمر لا يخمر وجهه، وكرهه مالك، ومحمد بن الحسن، وروي عن ابن عباس، ص 1571 وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وجابر أنهم أجازوا للمحرم تغطية وجهه خلافًا لابن عمر، وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وهذا يخرج على أن يكون إحرام الرجل عندهم في رأسه لا في وجهه.
ورخصت عائشة في الحلي للمحرمة، وكذا ابن المنذر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وكره ذلك عطاء والثوري، وأبو ثور.
قال المهلب وفي حديث ابن عباس إفراده عليه السلام للحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي والبقاء على الإحرام الأول لمن كان معه هدي؛ لأن من قلد هديه فلا بد أن يوقعه موقعه؛ لقوله تعالى {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة196] .
قال والدي رحمه الله تعالى (( باب الركوب ) )
قوله (( ردف ) )بكسر الراء بمعنى الرديف و (( عرفة ) )أي عرفات وهو اسم لموضع الوقوف و (( المزدلفة ) )بلفظ الفاعل من الازدلاف وهو التقرب والتقدم؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها بمعنى تقربوا منها وتقدموا إليها، وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل وهو موضع بحرم مكة.
قوله (( جمرة العقبة ) )هي حد منى من الجانب الغربي من جهة مكة، ويقال لها الجمرة الكبرى والجمرة الحصاة وههنا اسم لمجتمع الحصى.
قوله (( الأزر ) )بضم الزاي جمع الإزار نحو الحمر والحمار وهو للنصف الأسفل والرداء للنصف الأعلى وعطف (( الأردية ) )على (( الثياب ) )من باب عطف الخاص على العام.
قوله (( المعصفرة ) )أي المصبوغة بالعصفر.
قوله (( ولا تلثم ) )أي لا تتلثم فحذف إحدى التاءين، واللثام ما يغطي الشفة والبرقع بضم القاف وفتحها ما يغطي الوجه.
قوله (( لا أرى المعصفر طيبًا ) )أي مطيبًا إذ لم يصح كون المفعول الثاني معنى والأول عينًا، والحلي بضم الحاء وكسرها جمع الحلي و (( المورد ) )أي المصبوغ على لون الورد.
قوله (( تردع ) )بالراء والمهملتين؛ أي تلطخ الجلد وبه ردع من الزعفران؛ أي لطخ وأثر (( والبيداء ) )هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة وسميت بيداء؛ لأنه ليس فيها بناء ولا أثر وكل مفازة تسمى بيداء.
والبدنة قال الجوهري هي ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمنونها والجمع بدن بالضم وتقليدها أن يقلد شيء في عنقها ليعلم أنه هدي مكة.
الأزهري تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم وتجمع على البدن، بضم الدال وإسكانها.
النووي هي البعير ذكرًا كان أو أنثى بشرط أن يكون في سن الأضحية وهي التي استكملت خمس سنين، وفيه استحباب التقليد.
قوله (( لم يحل ) )أي لم يصر حلالًا إذ لا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله و (( الحجون ) )بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة وبالنون جبل بمكة وهي مقبرة.
قوله (( ثم يحلوا ) )وذلك لأنهم كانوا متمتعين ص 1572 ولم يكن معهم الهدي فلهذا حل لهم النساء والطيب وسائر المحرمات.
ولفظ (( الطيب ) )مبتدأ خبره محذوف؛ أي حلال والجملة عطف على الجملة.