فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث عائشة في قصة بريرة [1] . هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في باب البيع والشراء مع النساء من طريق عروة عن عائشة، وفي باب إذا شرط في البيع شروطًا لا تحل، وهو حديث أخرجه (م) في البيوع والزكاة والعتق أيضًا، و (د، ت، ق) في الفرائض والعتق.
وأخرجه (خ) في مواضع في الزكاة وفي باب الصلاة والهبة والبيوع، والطلاق، والفرائض، والشرط، والأطعمة، وكفارة الأيمان.
والأئمة قد أفردوا هذا الحديث بالتأليف وليس بصريح فيما ترجم له (خ) من ذكر البيع والشراء على المنبر وفي المسجد.
وبريرة _ بفتح الباء _ فعيلة من الموالي، قيل إنها نبطية، أمها ابنة صفوان، لأمها صحبة أيضًا، روى عبد الملك عنها، وهو يدل على تأخيرها إلى بعد الأربعين؛ لأن معاوية ولي سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وهو ولاه ديوان المدينة وعمره ست عشرة سنة، وكان لها ولد من زوجها مغيث _ بالغين _ أو مقسم، وهي أول مكاتبة في الإسلام، كما أن سلمان أول مكاتب على الأصح.
وكانت هذه الواقعة قبل قصة الإفك؛ لأن في حديث الإفك واسأل الجارية فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فذكرت ما هو مذكور في قصة الإفك، وكانت قصة الإفك في غزوة المريسيع؛ وهي غزوة بني المصطلق.
قال (خ) قال ابن إسحاق سنة ست، وقال ابن عقبة سنة أربع. وقال ابن سعد خرج إليها يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس من مهاجره؛ فقصتها ما بين دخوله عليه السلام على عائشة، وبين قصة الإفك [2] .
والمكاتبة مفاعلة؛ لأنها بين السيد وعبده، إما في الكتاب أو الإكرام.
قولها (( أتتها بريرة تسألها في كتابتها ) )أي أتتها لتستعين بها في كتابتها، كما جاء في رواية أخرى في (( الصحيح ) )، واختلف فيما إذا طلب العبد الكتابة من السيد.
ونقل شيخنا قطب الدين عن الجمهور أن إجابته مندوبة بشروط لا واجبة، وكأنه فهم أن المراد بسؤالها كتابتها أن عائشة تكاتبها، وليس كذلك لما عليه [3] .
وفيه حل السؤال للمكاتب من غير كراهة، ولا ينتظر العجز خلافًا لمن أبعد؛ وقال إنه ليس له السؤال حتى يعجز ويظهر أثر حاجته.
وفيه قبول خبر العبد والأمة؛ لأن بريرة أخبرت أنها مكاتبة، وأجابتها عائشة بما أجابت. وكان على بريرة تسع أواق كاتبت عليها، كما ص 789 ثبت في (( الصحيح ) )، وفي رواية معلقة للبخاري أنها دخلت عليها تستعينها وعليها خمس أواقي.
ويحتمل أن هذه الخمس هي التي دخلت من نجومها. واستدل به من منع الكتابة الحالة، وهو قول جماعة، وخالفه أبو حنيفة فصححها، ونقل عن مالك أيضًا، وعند الشافعي أنه لا يجوز على نجم واحد بل لا بد من نجمين فصاعدًا.
وفيه دلالة على جواز منع المكاتب. وهو قول أحمد ومالك في رواية، والشافعي في أحد قوليه، فإنها كانت مكاتبة وباعها الموالي واشترتها عائشة، وأمر عليه السلام بيعها.
وعليه بوب البخاري بيع المكاتب إذا رضي المكاتب، وفيه قول ثالث أنه يجوز للعتق دون الاستخدام. ومن منع حمل الحديث على أن بريرة عجزت نفسها، وفسخوا الكتابة بعجزها وضعفها عن الأداء والكسب، ولا يحتاج في التعجيز إلى حكم حاكم، وإن خالف فيه سحنون معللًا بخوف التواطؤ على حق الله تعالى.
قوله (( ابتاعيها فأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق ) )وفي أخرى ؛ نسبت هذه اللفظة إلى التفرد بها، وأولت بأن (( اللام ) )بمعنى (( على ) )، وأحسن منه أن هذا الشرط خاص بهذه القضية.
وفيه ثبوت الولاء للمعتق، وألحق به ما في معنى العتق كما إذا باعه نفسه ونحوه.
قوله (( ثم قام على المنبر ) )فيه صعوده عند الحاجة إليه، وقوله (( ما بال أقوام ) )واستعمال الأدب وحسن المعاشرة، وجميل الموعظة؛ لأنه عليه السلام لم يواجه صاحب القضية بعينه؛ لأن المقصود يحصل له ولغيره من غير شهرة.
قوله (( من اشترط شرطًا ليس له ) )أي ليس مشروعًا في حكم الله، قال عليه السلام (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ).
(( وإن اشترط مائة شرط ) )المراد بالمائة التكثير، وموضع الحاجة من الترجمة.
ومطابقة الحديث أن المساجد إنما اتخذت للذكر والتلاوة والصلاة وما كان فيها من البيع والشراء وسائر أمور الدنيا، إنما هو للتعليم، والتنبيه على الاحتراز من مواقعة الحرام، ومخالفة السنن، والموعظة في ذلك.
وقد روي النهي عن البيع والشراء في المسجد، وهو قول مالك وجماعة، وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا (( إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم ينشد فيه الضالة فقولوا لا رد الله عليك ) ).
وذكر مالك عن عطاء بن يسار أنه كان يقول لمن أراد أن يبيع في المسجد عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ) )وفي بعضها .
فإن قلت المسجد ظرف والمناسب أن تدخل عليه كلمة الظرفية لا الاستعلاء.
قلت عمل به عكس ما عمل بقوله تعالى {لأصلبنكم في جذوع النخل} أو هو من باب علفتها تبنًا وماءًا.
قوله (( بريرة ) )بفتح الموحدة وبالراء المكررة مولاة لعائشة كانت لعتبة بن أبي لهب. قوله (( في كتابتها ) )فإن قلت السؤال تعدي بعن قال تعالى {يسألونك عن الأنفال} .
قلت السؤال بمعنى الاستعطاء لا بمعنى الاستخبار؛ أي يستعطيها في شأن كتابتها، والكتابة بيع الرقيق من نفسه بدين مؤجل يؤديه بنجمين أو أكثر.
قوله (( فقالت ) )أي عائشة (( إن شئت ) )بكسر التاء خطابًا لبريرة (( وأعطيت ) )بلفظ المتكلم ومفعوله الثاني محذوف وهو ثمنك، و (( الولاء ) )بفتح الواو.
قوله (( ما بقي ) )أي من مال الكتابة في ذمة بريرة وشئت وأعطيت كلاهما خطاب لعائشة وكذا أعتقيها. ص 790
قوله (( ذكرته ) )بلفظ المتكلم والمتكلم به عائشة والراوي نقل لفظها بعينه وبالغيبة كأن عائشة جردت من نفسها شخصًا فحكت عنه، فالأول حكاية الراوي عن لفظ عائشة، والثاني حكاية عائشة عن نفسها.
قوله (( مرة ) )أي قال سفيان مرة مكان ثم قام فصعد (( وما بال ) )أي ما حال (( وليست ) )أي الشروط وفي بعضها فهو إما باعتبار جنس الشرط وإما باعتبار الاشتراط.
قوله (( فليس له ) )أي ذلك الشرط؛ أي لا يستحقه ولفظ (( مائة ) )للمبالغة في الكثرة لا أن هذا العدد بعينه هو المراد.
قوله (( أن بريرة ) )يعني أنه لم يسنده إلى عائشة ولم يذكر صعد المنبر فهو مغاير للرواية السابقة من جهتين.
الخطابي واعلم أنه لم يرد أن ما لم ينص عليه من الشروط في الكتاب باطل فإن لفظ (( إنما الولاء لمن أعتق ) )ليس منصوصًا عليه في كتاب الله إنما هو قول الرسول، وقد أوجب الله طاعته في كتابه فجاز إضافة ذلك إلى الكتاب.
أقول ويحتمل أن يراد بكتاب الله مكتوب الله في اللوح أو أحكامه سواء ذكر في القرآن أم في السنة.
فإن قلت ما وجه دلالته على ما عقد الباب عليه. قلت المراد من الشروط شروط البيع والشراء إذ تمام القصة يدل عليه.
الزركشي
قوله (( ذَكرَتْهُ ) )صوابه ذكرت له (( فَقَالَ ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا ) )الأولى بهمزة وصل، والثانية بهمزة قطع.
[1] في هامش المخطوط (( قال ابن الملقن فيه خمسين فائدة مذكورة في شرح العمدة مكشط ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول قيل بريرة التي في قصة الإفك قيل إنها ليست هذه المكاتبة ينظر ) ).
[3] في هامش المخطوط (( أقول الظاهر ذلك لأن عائشة قالت إن شاءوا أعدها لهم عدة وهو صريح بذلك ) ).