5 -باب التخفيف في الوضوء
قوله نام ص 440 حتى نفخ ثم صلى إلى آخره. قد ذكرنا في كتاب العلم أن (خ) ذكر هذا الحديث في مواضع هذا ثانيها، ورواته سلف بعضهم.
وكريب هو أبو رشدين، كريب بن أبي مسلم المدني الثقة، روى عن مولاه ابن عباس وغيره، وعنه ابناه محمد، ورشدين، وموسى، وخلق. مات بالمدينة سنة ثمان وسبعين. وهو من أفراد الكتب الستة.
وعمرو هو الإمام أبو محمد، عمرو بن دينار الأثرم مولى ابن باذان أو باذان المكي، وكان من الأبناء من فرس اليمن، سمع خلقًا من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر له حديث عن أبي هريرة عند ابن ماجه، وعنه شعبة والسفيانان والحمادان ومالك وخلق. مات في أول سنة ست وعشرين ومائة عن ثمانين سنة في خلافة مروان.
وعبيد بن عمير هو الليثي قاص مكة، روى عن عمر وغيره. وعنه ابنه وغيره، وذكر ثابت البناني أنه قص على عهد عمر واستبعد. قال (خ) مات قبل ابن عمر.
قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذا هو بالقاف، وصوابه فنام، قال صاحب (( المطالع ) )وهو ما قيده ابن السكن وعند الجماعة فقام، والأول أصوب. لأن ما بعده فلما كان في بعض الليل قام فتوضأ وبينه قوله في الرواية الأخرى فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل ثم استيقظ.
قوله (( الشن ) )بفتح الشين، قال أهل اللغة الشن القربة الخلق، وجمعه شنان، وقوله (( شن معلق ) )ذكره على إرادة السقاء والوعاء، وفي رواية (خ) في كتاب التفسير معلقة على إرادة القربة.
قوله (( في بعض الليل ) )وقع في بعضها (( من ) )بدل (( في ) )ويحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون بمعنى في؛ كقوله تعالى {من يوم الجمعة} [الجمعة9] .
قوله (( وضوءًا خفيفًا ) )أي بين وضوءين فلم يكثر، وقد أبلغ، وقد ذكره (خ) كذلك في كتاب الدعاء، وفي أخرى في الوتر فتوضأ فأحسن الوضوء.
قوله (( فآذنه ) )بالمد، أي أعلمه. واليسار بفتح الياء وكسرها، وفيه فوائد منها أن توقف المأموم الواحد عن ثمن الإمام.
قال ابن بطال وهو رد على أبي حنيفة في قوله إن الإمام إذا صلى مع الرجل الواحد أنه يقوم خلفه لا عن يمينه. وهو مخالف لفعل الشارع.
وعن سعيد بن المسيب إن موقف الواحد مع الإمام عن يساره. وعن أحمد إن وقف عن يساره بطلت صلاته.
ومنها تعليم الإمام المأموم.
ومنها التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها.
ومنها أن النوم الخفيف لا يجب منه الوضوء. قاله الداودي وفيه نظر، فإنه صلى الله عليه وسلم اضطجع، فنام حتى نفخ، وهذا لا يكون في الغالب خفيفًا.
ومنها أن تقدم المأموم على إمامه مبطل؛ لأن المنقول أن الإدارة كانت من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من قدامه كما حكاه القاضي عن تفسير محمد بن أبي حاتم، كذا استنبطه بعضهم، ولا يخلو عن نظر، فإنه يجوز أن تكون إدارته من خلفه؛ لئلا يمر بين يديه، فإنه مكروه.
ومنها طلب علو الإسناد، فإنه كان يكتفي بإخبار خالته أم المؤمنين.
ومنها أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه عليه السلام لم يتكلم.
ومنها أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، ذكره الخطابي.
وأختم الكلام فيه بأمرين
أحدهما أنه لم يذكر في هذه الرواية كيفية التحويل ص 441 وقد اختلفت فيه روايات (( الصحيح ) )، ففي بعضها أخذ برأسه فجعله عن يمينه.
وفي بعضها فوضع يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني اليمنى يفتلها، وفي بعضها فأخذ برأسي من ورائي، وفي بعضها بيدي أو عضدي.
والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، وفي أخذه بأذنه فوائد
1 تذكره القصة بعد ذلك؛ لصغر سنه.
2 نفي النوم عنه لما أعجبه قيامه معه.
3 التنبيه على الفهم وهو قريب من الأولى، ويقال إن المعلم إذا تعاهد فتل أذن المتعلم كان أذكى لفهمه.
قال الربيع ركب الشافعي يومًا، فلصقت بسرجه، وهو على الدابة، فجعل يفتل شحمة أذني، فأعظمت ذلك منه حتى وجدته عن ابن عباس، أنه عليه السلام فعل ذلك به، فعلمت أنه فعله عن أصل.
2 قال الداودي في (( شرحه ) )قول عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلى الآية. صحيح وليس من هذا الباب، يريد بذلك أن التبويب على تخفيف الوضوء فقط، لكن ذكر هذا لأجل ما زاده فيه من نوم العين دون نوم القلب، فاعلمه.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( نفخ ) )بالخاء المنقطة؛ أي من خيشومه وهو المعبر عنه بالغطيط وربما أصله للتقليل، وقد يستعمل للتكثير وههنا يحمل الأمرين، والغرض أنه قال في هذه الرواية بدل نام اضطجع وزاد لفظ قام.
قوله (( فلما كان ) )أي رسول الله، ويحتمل أن تكون تامة ومن زائدة؛ أي فلما وجد بعض الليل وفي بعضها في بدل من. فإن قلت ما هذه الفاء الداخلة على فلما إذ مضمون هذه الجملة مفسر مضمون فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، ولابد من المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، قلت ليس نفس مضمونه إذ الأول مجمل والثاني مفصل.
قوله (( يخففه عمرو ) )أي ابن دينار (( ويقلله ) )هذا إدراج بين ألفاظ ابن عباس من سفيان بن عيينة.
فإن قلت ما الفرق بين التخفيف والتقليل. قلت التخفيف مقابله التثقيل وهو من باب الكيف والتقليل مقابله التكثير وهو من باب الكم. قال ابن بطال يريد بالتخفيف تمام غسل الأعضاء دون التكثير من أثر اليد عليها، وذلك ما تجري الصلاة به، وإنما خففه المحدث لعلمه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ ثلاثًا والمرة الواحدة بالإضافة إلى الثلاث تخفيف.
قوله (( نحوًا ) )لم يقل مثلًا لأن حقيقة مماثلته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها غيره. قوله (( فربما قال ) )هو إدراج من ابن المديني، والشمال بكسر الشين هي الجارحة وهو خلاف اليمين، وبفتحها هي الريح التي تهب من ناحية القطب وهي خلاف الجنوب.
قوله و (( معه ) )أي مع المنادى أو مع الإيذان. قوله (( رؤيا ) )هو مصدر كالرجعى ويختص برؤيا المنام كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين، والاستدلال بالآية عليه من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم الإقدام على ذبح ولده؛ لأنه محرم، فلولا أنه أبيح إليه في الرؤيا بالوحي لما ارتكب الحرام.
وفيه أن نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا لا ينقض الوضوء وذلك لأنه إذا لم ينم قلبه فلو خرج حدث لأحس به بخلاف غيره من الناس، وهذا من خصائصه.
فإن قلت روي أنه توضأ بعد النوم. قلت ذلك على اختلاف أحواله في النوم فربما كان يعلم أنه استثقل نومًا احتاج معه إلى الوضوء.
أقول هذا الذي نقله والدي رحمه الله تعالى فيه إشكال، وذلك أن الحديث ورد بقوله إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، فمقتضاه أن كل نوم على كل هيئة حصلت له صلى الله عليه وسلم لا ينقض الوضوء، فإنه إذا كان قلبه غير نائم يحس بخروج حدث سواء كان نومه بغطيط أو لا فلا ينقض الوضوء، ولا فرق بين نومه الثقيل والخفيف، فإنه قال إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، ومعناه في كل يوم في كل حالة، فالفرق بين الثقيل والخفيف من أين ظهر.
ولكن يمكن أن يقال أن كل نومة في كل حالاته لا تنقض لكن ربما أنه يحس في نوم بخروج حدث دون غيره، فالوضوء في الحالة الثانية إنما فعله لأجل ما حدث في تلك النومة لا بسبب النوم ص 442 فتأمله.
الخطابي إنما منع النوم قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعي الوحي إذا أوحى إليه في منامه، وفي الحديث دلالة أن النوم عينه ليس بحدث وإنما هو مظنة الحدث، فإذا كان نوم النائم على حال يأمن معه الحدث غالبًا كالنوم قاعدًا وهو متماسك لم ينتقض وضوءه.