فهرس الكتاب

الصفحة 1820 من 3844

فيه حديث أسامة بن زيد أين تنزل غدًا؟ وأثر عمر أنه استعمل مولى له يدعى هنيًا.

الحديث الأول سلف في الحج في باب توريث دور مكة، والثاني من أفراده، قال ابن أبي صفرة لما أسلم أهل مكة عام الفتح من عليهم رسول الله وترك لهم أموالهم ودماءهم، ولم ينزل في شيء منها لمنه عليه السلام عليهم بها ونزل في الوادي، وكذلك يفعل بهوازن لو بدرت بإسلامها، فلما استتابت قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة بين أصحابه، فلما جاءوا بعد القسمة خيرهم هي إحدى الطائفتين المال والسبي، فاختاروا السبي، فقضى به رسول الله لهم واستطاب ص 2688 أنفس أصحابه وقال (( من لم تطب نفسه فليبق إلى أول فيء يفيئه الله علينا ) )، وقضى لأهل مكة بأموالهم، ولم يستطب نفوس أصحابه؛ لأنه مال الله على اجتهاده لا شيء للغانمين فيه إلا أن يقسمه لهم لقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم} الآية [الحشر7] فآتاهم بهذه الآية أرض خيبر فقسمها بينهم، ونهاهم في تلك فانتهوا، ونهاهم عمر عن الأرض المغنومة بالشام والعراق بهذه الآية، فلم يقسمها لهم.

قال ابن المنير وجه مناسبته للترجمة على وجهين

الحديث الأول إما أن يكون عليه السلام سئل أن ينزل داره بمكة، وهو مبين في بعض طرقه.

وقوله (( وهل ترك لنا عقيل منزلًا ) )بين؛ لأنه إذا ملك مستولًا عليه في الجاهلية من ملكه عليه السلام، فكيف لا يملك ما لم يزل له ملكًا أصالة، وإما أن يكون سئل هل ينزل من منازل مكة شيئًا لأنها فتحت عنوة؟ فبين أنه من على أهلها بأنفسهم وأموالهم فتستقر أملاكهم عليها كما كانت، وعلى التقديرين فأهل مكة ما أسلموا على أملاكهم ولكنه من عليهم ثم أسلموا، فإذا ملكوا وهم كفار بالمن فملك من أسلم قبل الاستيلاء أولى.

وحديث عمر مطابقته بينة غير أن عبد الرحمن وعثمان لم يكونا من أهل المدينة ولا دخلها قوله (( قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام ) )، فكانت لهم أموالهم، ألا ترى أنه ساوم بمكان المسجد بني النجار وقال (( ثامنوني بحائطكم ) )فأوجبه لهم، وكذلك قال عمر (( إنها لأرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها ) ).

وهذا كله شاهد للترجمة أن من أسلم في أرض الحرب فأرضه له ما لم يغلب عليها، واختلف فيما إذا أسلم في دار الحرب وبقي فيها ماله وولده، ثم خرج إلينا مسلمًا وغزا مع المسلمين بلده؛ فقال الشافعي وأشهب وسحنون إنه قد أحرز ماله وعقاره حيث كان، وولده الصغار؛ لأنهم تبع لأبيهم في الإسلام، وحجتهم أنه إذا أسلم كان ماله حيث كان من دار الحرب أو غيرها على ملكه، فإذا غنمت دار الحرب كان حكم ماله كحكم مال المسلم ولم تزل الغنيمة ملكه عنه.

وقال مالك والليث أهله وماله وولده على حكم البلد، كما كانت دار النبي صلى الله عليه وسلم على حكم البلد وملكه، ولم ير نفسه عليه السلام أحق بها.

وفرق أبو حنيفة بين حكمه إذا أسلم في بلده أو في بلد الإسلام؛ فقال إن أسلم في بلده ثم خرج إلينا فأولاده الصغار أحرار مسلمون، وما أروعه مسلمًا أو ذميًا فهو له، وما أروعه حربيًا فهو وسائر عقاره هناك فيء، وإذا أسلم في بلد الإسلام، ثم ظهر المسلمون على بلده فكل ماله فيه فيء لاختلاف حكم الدارين عندهم، ولم يفرق مالك ولا الشافعي بين إسلامه في داره أو دار الإسلام.

وفيه كما قال المهلب أن للإمام أن يحمي أراضي الناس المبورة لتعم الصدقة وغنمها، وهو الحمى الذي زاد فيه عثمان فأنكر عليه، وليس لأحد أن ينكر هذا على عثمان؛ لأنه لما رأى أن عمر فعل ذلك جاز لعثمان أن يحمي أكثر إذا احتاج إليه؛ لكثرة الناس في أيامه.

وقول الزهري الخيف الوادي. قال جماعة الخيف ما ارتفع من مسيل الوادي ولم يبلغ أن يكون جبلًا.

قوله (( وهل ترك لنا عقيل منزلًا؟ ) )قيل كره ص 2689 أن يعود في شيء أصيب به في جنب الله، وقيل رأى مشتريها لما أسلم عليها كانت له.

وفيه دلالة على أن دور مكة تملك وتكرى، وهو مذهب الشافعي، ومذهب مالك خلافه بناء على أنها فتحت عنوة، وكره قوم كراءها أيام الموسم خاصة، ومنعه قوم سائر المدة.

قوله (( اضمم جناحك عن المسلمين ) )أي لا تحمل بذلك عليهم وكف يدك عن ظلمهم. ومن رواه (( على المسلمين ) )فمعناه استرهم بجناحك، وعبارة ابن بطال (( عن المسلمين ) )، لا تشد على كل الناس في الحمى، فإن ضعفاء الناس القليلي الغنم والإبل الذي لا تنتهك ماشية الحمى، إن حميته عنه كان ظلمًا، واتق دعوته فإنها لا تحجب عن الله.

و (( الصريمة ) )تصغير الصرمة، وهي من الإبل نحو الثلاثين، و (( الغنيمة ) )القليلة وعبارة ابن التين الصريمة والغنيمة القطعة الصغيرة.

وفيه ما كان عمر عليه من الصلابة في الدين، وأن أقوى الناس عنده الضعيف، وأضعفهم القوي.

قوله (( وإياي، ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان ) )حذره أن يدخل الحمى؛ لأنها كثيرة، فإن دخلته أمكنه، وإن منعت الدخول وهلكت كان لأربابها عوض من أموالهم يعيشون فيه، ومن ليس غير الصريمة القليلة إن هلكت أن يستغيث أمير المؤمنين في الإنفاق عليه وعلى بنيه من بيت المال.

(( إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ) )يريد أهل المواشي الكثيرة، ويحتمل أن يريد أهل المدينة، واقتدى عمر في ذلك برسول الله.

وفيه جواز الحمل على من له مال ينقص المضرة الداخلة عليه في ماله إذا كان في ذلك نظير المضرة من الضعفاء.

قوله (( لولا المال ) )يريد الإبل التي يحمل عليها المجاهدين في سبيل الله من نعم الصدقة التي حمى لها الحمى لترعى فيه مدة أيام النظر في الحمل عليها.

وفيه دليل على أن مشارع القرى وعوامرها التي ترعى فيها مواشي أهلها من حقوق أهل القرية وأموالهم، وليس للسلطان بيعه إلا أن تفضل منه فضلة.

ومعنى الحديث السالف (( لا حمى إلا لله ولرسوله ) )لا حمى لأحد يخص به نفسه، وإنما هو لله ورسوله أو لمن ورث ذلك عنه عليه السلام من الخلفاء للمصلحة الشاملة للمسلمين وما يحتاجون إلى حمايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت