71 -باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر
وذكر الآثار المروية وعطاء السالف هو ابن أبي رباح، صرح به ابن حزم حيث قال لا يجوز الوضوء بغير الماء، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وقال به الحسن وعطاء بن أبي رباح والثوري وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور وغيرهم.
وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، حكاها الرازي عنه في (( أحكامه ) )قال وأشهرها يتوضأ به، ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، قال قاضي خان قوله الأول، وبها قال زفر.
والثانية يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه جماعة، قال قاضي خان وهي الصحيحة عنه وقوله الآخر والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختيار الطحاوي.
والثالثة روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد، فقيل استحبابًا، وقيل وجوبًا.
وعنه رواية رابعة في جوازه بالمطبوخ منه في السفر إذا عدم فيه الماء، وعن الأوزاعي الوضوء بكل نبيذ، وحكى الترمذي عن سفيان الوضوء بالنبيذ.
ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يتوضأ به مع وجود الماء، لأنه ليس بماء، قال فلما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء كان خارجًا عن حكمها في حال عدمه.
واستدل للرواية الأولى بحديث أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود قال سألني النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن (( ما في إداوتك؟ ) )قلت نبيذ، قال (( ثمرة طيبة وماء طهور ) ). وفي لفظ (( فتوضأ به، وصلى الفجر ) ). رواه (د، ت، ق) .
قال (ت) إنما روي عن أبي زيد، عن عبد الله مرفوعًا. وأبو زيد رجل مجهول، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، هذا وقد أعل بوجوه
1 جهالة أبي زيد هذا، وتشكك شريك فيه، حيث قال أبو زيد أو زيد. وعن أبي زرعة أبو زيد رجل مجهول، ونص على جهالته غير واحد، وإن قال ابن العربي إنه عمرو بن حريث. قال أحمد أبو فزارة في هذا الحديث رجل مجهول، ولقد أنصف الطحاوي الذاب عنهم، فقال في أول كتابه إنما ذهب أبو حنيفة ومحمد ص 560 إلى الوضوء بالنبيذ؛ اعتمادًا على حديث ابن مسعود، ولا أصل له، ولا معنى لتطويل كتابي بشيء منه.
2 أن عبد الله ما شهد ليلة الجن، كما جاء في (م) من قول علقمة عنه، وإن كان شهد أولها واستوقفه وبعد عنه ثم عاد إليه.
3 أنه منسوخ على تقدير صحته؛ لأنه كان بمكة، ونزول آية التيمم بالمدينة، وفيه نظر.
4 أنه مخالف للأصول، فلا يحتج به عندهم.
5 أنهم شرطوا لصحة الوضوء به السفر، والشارع إنما كان في شعاب مكة، كما ثبت في (م) .
6 أن المراد بالنبيذ ما نبذت فيه تمرات، لتعذب، ولم يكن متغيرًا، وقد وصفه عليه السلام بأنه طهور، ثم هذا إذا لم يشتد ولم يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء به؟ كما صرح به في (( المبسوط ) )عندهم، فإن كان مطبوخًا فالصحيح عندهم أنه لا يتوضأ به.
وقال صاحب (( المفيد ) )إذا ألقي فيه تمرات فحلا ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق يجوز الوضوء به، بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به، خلاف ما في (( المبسوط ) )من جوازه، ووجه الأول أن الجنابة أغلظ الحدثين، والضرورة فيه دون الوضوء، فلا يقاس عليه.
وقال الكرخي المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به، حلوًا كان أو مسكرًا، ثم قال (خ) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( كل شراب أسكر فهو حرام ) )، حديث متفق على صحته، أخرجه (خ) هنا، وفي الأشربة، وأخرجه (م) والأربعة هناك.
وسفيان هذا هو ابن عيينة، وعلي هو ابن المديني، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، ووجه إدراج هذا الحديث هنا، أن المسكر واجب الاجتناب؛ لنجاسته، حرام استعماله في كل حال، ومن جملة ذلك الوضوء، وما يحرم شربه يحرم الوضوء به؛ لخروجه عن اسم الماء لغة وشرعًا، وكذا النبيذ أيضًا غير المسكر هو في معنى المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء.
وفيه أيضًا تصريح بتحريم جميع ما أسكر سواء أكان خمرًا أو نبيذًا، وأكثر العلماء على تسمية جميع الأنبذة خمرًا، لكن قال أكثرهم هو مجاز، وهو حقيقة في عصير العنب. وقال جماعة هو حقيقة لظاهر الأحاديث الواردة في ذلك.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أسكر ) )أي من شأنه الإسكار إذ لا يشترط فيه القدر الذي يحصل منه السكر حتى يكون حرامًا بل قليله وكثيره حرام وهذه قضية كلية تندرج تحتها جزئيات كثيرة قيل إنها من جوامع الكلم.
الخطابي فيه أبين الدليل على أن قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان وبأية صنعة صنع؛ لأنه أشار إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر كما لو قال كل طعام أشبع كان ذلك على استغراق الجنس منه دون الجزء المتحدد بكمية منه.
ابن بطال اختلف في الوضوء بالنبيذ فقال مالك والشافعي وأحمد لا يجوز الوضوء بالنبيذ نية ومطبوخة مع عدم الماء ووجوده تمرًا كان أو غيره، فإن كان مع ذلك مشتدًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به.
وقال أبو حنيفة لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصةً، وذكر نحوًا مما سلف، وقال أبو عبيدة النبيذ لا يكون طهورًا أبدًا لأن الله شرط الطهور بالماء والصعيد ص 561 ولم يجعل لهما ثالثًا والنبيذ ليس منهما.
قال محيي السنة ولئن ثبت حديث ليلة الجن نقول ذلك لم يكن نبيذًا متغيرًا بل كان ماء معدًا للشرب نبذ فيه تميرات لتجتذب ملوحته.