عن معاذة أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها ... الحديث.
هذا الحديث أخرجه مع (خ، م) والأربعة، وفي (م) ما يوضح أن السائلة معاذة نفسها إذ فيه عن معاذة [1] قالت سألت عائشة ما بال الحائض ... الحديث.
ومعاذة هذه بنت عبد الله عابدة تابعية ثقة، وفي رواية (خ) تصريح بسماع قتادة من معاذة، وهو رد على ما ذكره شعبة وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم أنه لم يسمع منها. ص 641
قولها (( أتجزي ) )أي أتقضي كما قد جاء في رواية أخرى، (( وصلاتها ) )بالنصب؛ لأنه مفعول تقضي (( وإحدانا ) )فاعله.
قوله (( أحرورية أنت؟ ) )بفتح الحاء وضم الراء الأولى، نسبة إلى حروراء يمد ويقصر قرية على ميلين من الكوفة، كان اجتماع الخوارج به وتعاهدوا هناك، ثم استعمل حتى كثر استعماله في كل خارجي، وهذه الطائفة أنكروا على علي تحكيمه أبا موسى الأشعري في أمر معاوية وقالوا شككت في أمر الله وحكمت عدوك.
أقول قال الشهرستاتي في (( الملل والنحل ) )الخوارج اعلم أن أول من خرج على علي جماعة ممن كان معه في حرب صفين وأشدهم خروجًا عليه الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي حين قالوا القوم يدعوننا إلى كتاب الله وأنت تدعونا إلى السيف، حتى قال أنا أعلم بما في كتاب الله انفروا إلى بقية الأحزاب انفروا إلى من يقول كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون صدق الله ورسوله قالوا لترجعن الأشتر عن قتال المسلمين وإلا لنفعلن بك كما فعلنا بعثمان فاضطر إلى رد الأشتر بعد أن هزم الجمع وولوا مدبرين وما بقي منهم إلا شرذمة فامتثل الأشتر.
وكان من أمر الحكمين أن الخوارج حملوه على التحكم أولًا، وكان يريد أن يبعث عبد الله بن عباس معه فما رضي الخوارج بذلك، وقالوا هو منك فحملوه على بعث أبي موسى الأشعري، وعلى أن يحكم بكتاب الله، فجرى الأمر على خلاف ما رضي به، فلما لم يرض بذلك خرجت الخوارج عليه وقالوا لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا لله وهم المارقة من الدين الذين اجتمعوا بالنهروان، وكبار فرق الخوارج ستة الأزارقة والنجدات والصفرية والعجاردة والإباضية والعالية والباقون فروعهم ويجمعهم القول بالتبري عن عثمان وعلي ويقدمون ذلك على كل طاعة، ويكفرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا.
منهم المحكمية هم الذين خرجوا على علي حين جرى أمر الحكمين، وأجمعوا الحروراء ورأسهم عبد الله بن الكواء وعتاب بن الأعور وعبد الله بن وهب الراسبي وعروة بن جرير ويزيد بن عاصم المحاربي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، وكانوا يومئذ في اثني عشر ألف رجل أهل صيام وصلاة أعني يوم النهر، وفيهم قال النبي عليه السلام (( تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم ) )الحديث، وهم المارقة من الدين الذين قال فيهم (( سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) )، وهم الذين أولهم ذو الحويصرة، وآخرهم ذو الثدية وإنما خروجهم في الزمن الأول على أمرين
أحدهما بدعتهم في الإمامة، إذ جوزوا أن يكون الإمام في غير قريش، والبدعة الثانية أنهم قالوا أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال ولا حكم إلا لله، وقد كذبوا على علي من وجهين
أحدهما في التحكيم أنه حكم وليس ذلك صدقًا لأنهم هم الذين حملوه على التحكيم.
والثاني أن تحكيم الرجال جائز فإن القوم هم الحاكمون في هذه المسألة وهم رجال، ولهذا قال علي كلمة حق أريد بها باطل، وتخطوا عن التخطئة إلى التكفير ولعنوا عليًا فيما قاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، وطعنوا في عثمان للأحداث التي عدوها عليه، وطعنوا في أصحاب الجمل وأصحاب صفين، فقاتلهم علي بالنهروان مقاتلة شديدة فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، وما قتل من المسلمين ص 642 إلا أقل من عشرة، فانهزم اثنان إلى عثمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون باليمن، وظهرت الخوارج في هذه المواضع منهم وبقيت إلى اليوم.
وأول من بويع من الخوارج بالإمامة عبد الله بن وهب الراسبي في منزل زيد بن الحصين، تابعه عبد الله بن الكواء وعروة بن جرير ويزيد بن عاصم المحاربي وجماعة معهم، ثم عد الشهرستاني أربعة وعشرين طائفة من الخوارج
المحكمية والأزارقة النجدات البيهسية العجاردة الصلتية الميمونية الحمزية الخلفية الأطرافية الشعيبية الحازمية الثعالبة الأخنسية المعبدية الرشيدية الشيبانية الكرمية المعلومية الإباضية الحفصية الحارثية اليزيدية الصفوية.
قال ابن الجوزي في كتاب (( تلبيس إبليس ) )أول الخوارج وأقبحهم ذو الخويصرة وساق بسنده حديث أبي سعيد قال بعث علي من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهبية الحديث، إلى أن قال ثم أتاه رجل عائر العينين فقال اتق الله يا رسول الله وذكر الحديث إلى آخره إلى أن قال هنا (( إنه سيخرج من ضئضئ هذا ... ) )الحديث.
قال ابن الجوزي هذا الرجل يقال له ذو الخويصرة التميمي، وفي لفظ أنه قال له اعدل فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وأتباع هذا الرجل الذين قاتلوا علي بن أبي طالب.
قال انتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمير بن بكر التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة علي ومعاوية وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي، وقال البرك أنا لكم بمعاوية، وقال عمير وأنا لكم بعمرو فتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه فقدم ابن ملجم الكوفة، فلما كانت الليلة التي عزم على قتله خرج علي لصلاة الصبح فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فقال علي لا يفوتنكم الرجل فأخذ، فلما مات علي أخرج ابن ملجم فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه وكحل عينيه بمسمار محمى فلم يجزع، وجعل يقرأ {اقرأ باسم ربك الذي خلق} فعولج على قطع لسانه فجزع فقيل له لم تجزع؟ قال أكره أن أكون في الدنيا مواتًا لا أذكر الله وكان رجلًا أسمر في جبهته أثر السجود.
قال ابن الملقن قال الأصحاب كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضي إلا ركعتي الطواف، ثم الجمهور على أنها ليست مخاطبة بالصيام في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد، وهو قول بعض الحنفية وعامتهم أنه يجب بالأمر الأول وهو قول أحمد ووجه لأصحابنا.
وحكى القرطبي عن سمرة أنه كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحائض، فأنكرت ذلك أم سلمة وكان قوم من قدماء السلف يأمرونها أن تتوضأ عند أوقات الصلاة، وتذكر الله وتستقبل القبلة جالسة، ونقل ذلك عن عقبة بن عامر ومكحول.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( تدع الصلاة ) )أي تتركها، فإن قلت عقد الباب في القضاء في الترك قلت الترك مطلق أداء أو قضاء ولولا غرض القضاء لما كان له فائدة إذ الترك زمن الحيض جوازه ضروري من الدين معلوم لكل المسلمين.
قوله (( أتجزي ) )بفتح المثناة الفوقانية وكسر الزاي غير مهموز، وحكى بعضهم الهمز ومعناه انقضي وبه ص 643 فسروا قوله تعالى {لا تجزي نفس عن نفس شيئًا} ويقال هذا الشيء يجزي عن كذا؛ أي يقوم مقامه، وصلاتها بالنصب.
قوله (( حروربة ) )نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة كان أول اجتماع الخوارج به فنسبوا إليها، فمعنى قولها أخارجية أنت لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع، واستفهام عائشة استفهام إنكار أي هذه طريقة الحرورية وبئست الطريقة.
فإن قلت حرورية خبر المبتدأ الذي هو أنت فلم قدم عليه، قلت ليفيد الحصر أي أحرورية أنت لا غير حرورية أي خارجية أنت لا سنية، وفي بعضها بالنصب فلابد من تقدير ناصب نحو كنت أو صرت حرورية وأنت حينئذ تأكيد.
قوله (( مع النبي صلى الله عليه وسلم ) )فإن قلت ما معنى المعية؛ أي مع وجود النبي أي في عهده، والغرض منه بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مطلعًا على حالهن من الحيض وتركهن الصلاة في أيامه، وما كان يأمرهن بالقضاء ولو كان القضاء واجبًا لأمرهن به.
قوله (( فلا تفعله ) )أي القضاء ولو كان واجبًا لما قررهن على ذلك التقرير على ترك الواجب حرام، ولفظ أو للشك، والظاهر أنه من معاذة.
ابن بطال معنى (( تجزي ) )تقضي ولذلك سمي يوم القيامة إذا جوزي الناس بأعمالهم يوم القضاء، وهذا الحديث أصل إجماع المسلمين أن الحائض لا تقضي الصلاة، ولا خلاف بين الأئمة فيه إلا الطائفة من الخوارج.
النووي أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى أنه يجب عليهما قضاء الصوم، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها بخلاف الصوم فإنه يجب في السنة مرة واحدة.
وقال أصحابنا كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضي إلا ركعتي الطواف [2] وقالوا ليست الحائض مخاطبة بالصوم، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد، وذكر بعضهم أنها مخاطبة به مأمورة بتأخيره كما يخاطب المحدث بالصلاة، وإن كان لا تصح منه في زمن الحدث وهو باطل وكيف يكون الصوم واجبًا عليها ومحرم عليها بسبب لا قدرة لها على إزالته بخلاف المحدث فإنه قادر على الإزالة.
[1] في هامش المخطوط أقول وقيل المراد لها عمرة.
[2] في هامش المخطوط أقول ركعتي الطواف لا تسن إلا بعد الطواف والطواف مع الحيض لا يتصور فكيف تقضي ركعتي الطواف.