فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 3844

قوله (( لا حسد إلا في اثنتين ) )الحديث. هذا الحديث ترجم عليه (خ) كما ترى، وفي الزكاة باب إيقاف المال في حقه، وفي الأحكام في باب آخر من قضى بالحكمة، وفي الاعتصام ما جاء في اجتهاد القضاء، وأخرجه (م) في الصلاة، واعلم أن في بعض النسخ بعد قول عمر تفقهوا قبل أن تسودوا، قال أبو عبد الله وبعد أن تسودوا.

وقد يعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، ومطابقة هذا الأمر للتبويب أنه جعل العلم السيادة، فإنه إذا كان العلم سببًا للسيادة فهو جدير أن يغتبط به صاحبه؛ لأنه سبب لسيادته، ومعنى تسودوا تعظموا يقال ساد قومه يسودهم سيادة وسؤددًا فهو سيدهم وسودة قومه فهو اسود من فلان؛ أي أعظم منه.

والمعنى تعلموا العلم ما دمتم صغارًا قيل أن تصيروا سادة رؤساء تنظر إليكم، فإن لم يتعلموا قبل ذلك استحييم أن تتعلموا بعد الكنز فبقيتم جهالًا.

قال مالك من عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه. قال وكان الرجل إذا قام من مجلس إلى خطة أو حكم لم يرجع إليه بعدها.

وقال يحيى بن معين من عاجل الرئاسة فاته علم كثير.

وقال الشافعي إذا تصدر الحدث فاته علم كثير، وقال أيضًا تفقه قبل أن ترأس فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه، وفيه قول ثان أن قول عمر لا تأخذوا عن الأصاغر فيزرى بكم ذلك، ويؤيده حديث عبد الله (( لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ) ).

وفيه قول ثالث أن معناه قبل أن تزوجوا فتصيروا سادة بالحكم على الأزواج، والاشتغال بهن لهوًا ثم تمحلًا للتفقه، ومنه الاستياد وهو طلب السيد من القوم، حكاه صاحب (( مجمع الغرائب ) )احتمالًا وهو متجه، وجزم به البيهقي في (( مدخله ) )ولم يذكر غيره فقال معناه قبل أن تتزوجوا فتصيروا أرباب، قاله شمر.

قوله (( على غير ما حدثناه الزهري ) )القائل هو سفيان بن عيينة، يقول سفيان هو على خلاف حديثي عن الزهري، وقد أخرجه (خ) في كتاب التوحيد نبه عليه القاضي.

قوله (( إلا في اثنتين ) )أي خصلتين أو طريقتين، ويجوز في رجل ثلاثة أوجه البدل، وإضمار أعني، والرفع على تقدير خصلتين أحدهما خصلة رجل.

وأصل الحسد تمني الرجل أن تتحول إليه نعمة الآخر ويسلبها هو، يقال حسده يحسده ويحسده حسدًا، ورجل حاسد من ص 313 قوم حسد، والأنثى بغير هاء وهم يتحاسدون، وحسده على الشيء وحسده إياه، وقال ابن الأعرابي هو مأخوذ من الحسدل وهو القراد فهو يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد فيمص الدم.

ومعنى الحسد هنا شدة الحرص والرغبة من غير تمني زوالها عن صاحبها وهو المنافسة، وأطلق الحسد عليه؛ لأنهما سببه، وسماه (خ) اغتباطًا؛ لأن من أوتي مثل هذا فينبغي أن لا يغبط به وينافس فيه، قال تعالى {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء32] .

ثم قال {واسألوا الله من فضله} وقد جاء في بعض طرق الحديث ما يبين ذلك فقال فيه (( فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل عمله ) )ذكره (خ) في فضائل القرآن في باب اغتباط صاحب القرآن من حديث أبي هريرة، فلم يتمن السلب، وإنما تمنى أن يكون مثله، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار.

وفيه قول ثان أنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد وإخراج له عن جملة ما حظر منه، كما رخص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة فالمعنى لا إباحة لشيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله، أي لا حسد محمود إلا في هذا، وقيل إنه استثناء منقطع بمعنى لكن في اثنتين.

قوله (( على هلكته ) )أي (( هلاكه ) )أي إنفاقه في الطاعات كما سيأتي، والحكمة المراد بها القرآن والله أعلم، كما جاء في حديث أبي هريرة السالف (( لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه ) )، وفي رواية (( ينفقه في الحق، فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ) ). وفي (م) نحوه من حديث ابن عمر.

وفيه حرمة الحسد وهو إجماع وهو مذموم، أما المباح وهو الاغتباط محمود، فإذا أنعم الله على أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فحرام. إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر ومن يستعين بها على فتنة وإفساد.

فيه أن الغني إذا قام بشرط المال وفعل فيه ما يرضي الله كان أفضل من الفقير.

وفيه تمني الطاعات.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب الاغتباط ) )الغبطة لغة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، والحسد أن تتمنى زوال نعمة المحسود إليك وبناء باب الافتعال يدل على التصرف والسعي فيها.

(( والحكمة ) )معرفة الأشياء على ما هي عليه فهي مرادفة للعلم والعطف عليه من باب العطف التفسيري إلا أن تفسير العلم بالشيء الأعم من اليقين المتناول للظن أيضًا، ويفسر الحكمة بما يتناول سداد العمل أيضًا.

قوله (( وقال عمر ) )هو ليس من تمام الترجمة إذ لم يذكر بعده شيء يكون هذا متعلقًا به إلا أن يقال الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلا قبل كون الغابط قاضيًا ويؤول حينئذ، وقال عمر بمعنى المصدر أي قول عمر وقيل أن السيادة تحصل بالعلم، وكلما زاد العلم زادت السيادة فقصد عمر الحث هنا الزيادة منه قبل السيادة فمعظم السيادة به.

قال ابن بطال وقال عمر ذلك لأن من سؤدة الناس يستحيي أن يقعد مقعد المتعلم فوقًا على رئاسته عند إنعامه، وفي بعض ص 314 النسخ بدل تفهموا تفقهوا وكلاهما بمعنى الأمر، ولفظ تسودوا بفتح الواو المشددة مشتقًا من التسويد الذي من السيادة، وفي بعضها وجد بعده «وقال أبو عبد الله» أي البخاري «وبعد أن تسودوا» .

وأقول ولا بد من مقدر يتعلق به لفظ وبعد، والمناسب أن يقدر لفظ تفهموا بمعنى الماضي فيكون لفظ تسودوا بفتح التاء ماضيًا كما أنه يحتمل أن يكون تسودوا من التسويد الذي من السواد؛ أي بعد أن سودوا لحيتهم مثلًا؛ أي في كبرهم أو أي بعد زوال السواد أي في الشيب.

قوله (( لا حسد إلا في اثنتين ) )أي لا حسد في شيء إلا في اثنتين. فإن قلت ما هذه الظرفية وكيف هي والحسد موجود في الحاسد لا فيهما؟ قلت معناه لا حسد إلا في اثنتين.

فإن قلت الحسد قد يكون في غيرهما فكيف يصح الحصر؟ قلت المقصود لا حسد جائز في شيء إلا في اثنتين أو لا رخصة في الحسد في شيء إلا في اثنتين.

فإن قلت لا حسد إلا في غير هذين الاثنين فإن ما فيهما غبطة لا حسد. قلت أطلق الحسد وأراد الغبطة، ولهذا عبر البخاري عنه في الترجمة بلفظ الاغتباط.

الخطابي معنى الحسد ههنا شدة الحرص والرغبة كنى بالحسد عنهما؛ لأنه سببه والداعي إليه، ومعنى الحديث الترغيب في التصدق بالمال وتعليم العلم، وقيل أن فيه تخصيصًا لإباحة نوع من الحسد وإخراجًا له من جملة ما حظر منه، وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين، وكما رخص في نوع من الكذب لتضمن فائدة هي فوق آفة الكذب وإن كان جملة محظورة.

وأقول ويحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} أي لا حسد إلا في هذين الاثنين لكن فيهما لا حسد أيضًا فلا حسد أصلًا.

قوله (( رجل ) )هو مجرور بأنه بدل فإن قلت قد روى اثنتين بالتأنيث فما إعرابه على تلك الرواية. قلت بدل أيضًا على تقدير حذف المضاف؛ أي خصلة رجل لأن اثنتين معناه خصلتين.

قوله (( هلكته ) )بفتح اللام؛ أي هلاكه، وفي هذه العبارة مبالغتان إحداهما التسليط، فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ، وثانيهما لفظ على هلكته فإنه يدل على أنه لا شيء من المال باقيًا، ولما أوهم اللفظان التقدير وهو صرف المال فيما لا ينبغي كمله بقوله في الحق دفعًا لذلك، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين إحداهما الحكمة، فإنها تدل على علم دقيق محكم، والثانية القضاء بين الناس وتعليمهم فإنهما من خلافة النبوة.

ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي ويقضي إلى الكمال العملي وتعليمها إلى التكميل، واعلم أن الفضيلة إما داخلية أو خارجية، وأصل الفضائل الداخلانية العلم، وأصل الفضائل الخارجانية المال ثم الفضائل إما تامة وإما فوق التامة، والأخرى أفضل من الأولى؛ لأنه مكملة متعدية وهذه قاصرة غير متعدية.

فإن قلت لم نكر مالًا وعرف الحكمة. قلت لأن الحكمة المراد بها معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها إلى الشريعة، فأراد التعريف بلام العهد بخلاف المال، ولهذا يدخل صاحبه بأي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم.

الزركشي

(( لا حسد ) )قيل أراد الغبطة وهي بمنى مثل ماله من غير زوال النعمة عنه، وهذا هو قضية تبويب البخاري،وقيل بل هو على حقيقة وهو كلام تام قصد به نفي الحسد أو النهي عنه ثم قال إلا في اثنتين وأباح هذين ص 315 وأخرجها من جملة النهي عنه كما رخص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة وهو استثناء من غير الحبس على الأول ومنه على الثاني.

قوله (( رجل ) )يجوز فيه ثلاثة أوجه الجر على البدل من مائتين؛ أي خصلة رجلين والنصب بإضمار أعني، والرفع على تقدير خصلتين إحداهما خصلة رجل ولا بد من تقدير الخصلة لأن الثنتين هما خصلتان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت