عن عائشة قالت أهللت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث.
اعترض الداودي في (( شرحه ) )، فقال ليس فيما أتى به حجة ما ترجم له؛ لأن عائشة أمرت إنما أن تمتشط للإهلال بالحج وهي حينئذ حائض، ليس عند غسلها منه، قلت لكن إذا شرع في المسنون فالواجب أولى ولعل هذا هو الذي لمحه (خ) .
ظاهر حديث عائشة هذا أنها أحرمت بعمرة أولًا، وهو صريح حديثها الآتي في الباب بعده، لكن قولها في الحديث السالف (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج ) ).
وقد اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا، ففي رواية عروة (( فأهللنا بعمرة ) )، وفي أخرى (( ولم أهل إلا بعمرة ) )، وفي أخرى (( لا نذكر إلا الحج ) )وفي أخرى (( لا نرى إلا الحج ) )، وفي رواية القاسم عنها (( لبينا بالحج ) )، وله (( مهلين بالحج ) ).
واختلف في ذلك، فمنهم من رجح روايات الحج وغلط روايات العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ومنهم من جمع كيفية رواتها بأنها أحرمت أولًا بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج بالعمرة إن شاء فسخت فيمن فسخ وجعلته عمرة، وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها، حتى حاضت فتعذر عليها إتمامها والتحلل منها، فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت فصارت قارنةً، ووقفت وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر فأفاضت.
ذكر ابن حزم أنه عليه السلام خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة أو التمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل فرضًا إلا من معه الهدي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اجعلوها عمرة ) ).
قولها (( يا رسول الله، هذه ليلة عرفة ... إلى آخره ) )ظاهره أنه أمرها برفض عمرتها، وأن تخرج منها قبل إتمامها، وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوت الحج أنها ترفض العمرة.
وقال الجمهور إنها تردف الحج، وتكون قارنة، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، وحمله بعض المالكية على أنه عليه السلام أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منها شرعًا إلا بإتمامها، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات
1 أنها كانت مضطرة إلى ذلك فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة في الحلق للأذى.
2 أنه خاص بها.
3 أن المراد بالنقض والامتشاط تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر والتسريح.
وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند الاغتسال، فأمر به ابن عمر والنخعي فيها، وطاوس في الحيض دون الجنابة، ولا يتبين بينهما فرق، ولم توجبه عليها فيهما عائشة، وأم سلمة وابن عمر وجابر، وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وعامة الفقهاء، والعبرة بالوصول، فإن لم يصل فتنقض.
قوله (( وأمسكي ص 633 عن عمرتك ) )أي عن إتمامها، يؤيده قوله عليه السلام في الحديث الصحيح (( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) ).
عبد الرحمن هو أخوها، والحصبة بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، أي ليلة نزول المحصب، وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى، هو خيف بني كنانة، وربما سمي الأبطح والبطحاء لقربه منه، نزله الشارع بعد النفر من منى؛ لأنه أسمح لخروجه، وبعث عائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتعتمر وتكمل أفعال عمرتها وتوافيه به، وهو الوداع ووافاها في الطواف.
قولها (( مكان عمرتي التي نسكت ) )كذا في روايتنا، ووقع عند الشيخ أبي الحسن كما حكاه ابن التين (( شكيت ) )قال وإنما وجه الكلام شكوت.
قلت والمبالغة قال والذي رويناه سكنت من السكون، أي سكنت عنها، وتركت التمادي عليها، قال وروي أنها شكت بسرف، وروي بعرفة، وروي بمكة، قال والمعنى أنها أعادت الكلام وكررته في كل موضع.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أهللت ) )أي أحرمت ورفعت الصوت بالتلبية، ولفظ تمتع ذكر باعتبار لفظ من، وإلا فأصله أن يقال تمتعت و (( الهدي ) )بفتح الهاء وسكون الدال وبكسرها مع تشديد الياء، اسم لما يهدي إلى مكة من الأنعام وهذا كالتأكيد لبيان التمتع إذ التمتع لا يكون معه الهدي، وإنما قال فزعمت ولم تقل قالت؛ لأنها لم تتكلم به صريحًا إذ هو مما يستحيى بتصريحه و (( فقالت ) )عطف على حاضت.
قوله (( بعمرة ) )تصريح بما علم ضمنًا إذ التمتع هو أن تحرم بالعمرة في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم، ثم تحرم في الحج في أشهر تلك العمرة بلا عود إلى ميقات، واعلم أن في كلام عائشة مقدرًا وهو نحو (( وأنا حائض ) ).
قوله (( انقضى ) )بضم القاف، وفي بعضها بالفاء والمضاف محذوف؛ أي شعر رأسك و (( فعلت ) )أي النقض والامتشاط والإمساك وههنا أيضًا مقدر وهو نحو أحرمت بالحج و (( قضيت ) )أي أديت (( وأمر ) )أي رسول الله (( عبد الرحمن ) )أخاها و (( الحصبة ) )بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، والحصباء ممدود الحصى وهما والأبطح والبطحاء والمحصب وخيف بني كنانة ويراد بها موضع واحد، وهو بين مكة ومنى وليلة الحصبة هي التي بعد أيام التشريق سميت بذلك لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب ويأتوا به.
قوله (( فأعمرني ) )وفي بعضها (( فاعتمرني ) )و (( التنعيم ) )تفعيل من النعمة وهو موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة وفيه مسجد عائشة. فإن قلت هذا الامتشاط ليس عند غسل الحيض فكيف ترجم به. قلت الإحرام بالحج يدل على غسل الإحرام لأنه سنة، ولما سن الامتشاط عند غسله فعند غسل الحيض بالطريق الأولى لأن المقصود منه التنظيف، وذلك عند إرادة إزالة أثر الحيض الذي هو نجاسة غليظة أهم أو لأنه إذا سن في النفل ففي الفرض أولى.
ومعنى (( أمسكي عن عمرتك ) )ليس إبطالها بالكلية والخروج منها، فإن العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما، بل معناه ارفضي العمل فيها وإتمام أفعالها واعرضي عنها، ولا يلزم من نفض الرأس والامتشاط إبطال العمرة؛ لأنهما جائزان عند باقي الإحرام بحيث لا تنتف شعرًا، لكن يكره الامتشاط إلا لعذر. ز
فإن قلت إذا كانت قارنة فلم أمرها بالعمرة بعد الفراغ من الحج، قلت معناه أنها أرادت أن تكون عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة ثم أحرموا بالحج فحصل لهم عمرة منفردة، وحج منفرد، ولم يحصل لها إلا العمرة مندرجة ص 634 في حجة بالقران، فاعتمرت بعد ذلك مكان عمرتها التي كانت أرادت أولًا حصولها منفردة وغير مندرجة، ومنعها الحيض منه، وإنما فعلت كذلك حرصًا على كثرة العبادات.
أقول فعلى هذا التقدير كانت عائشة أولًا مفردة ثم متمتعة ثم قارنة ثم قال لا يصح الخروج منها بعد الإحرام متعرض لتركها الحج أولًا بالكلية إلى العمرة وإذ جاز فسخ الحج إلى العمرة لم لا يجوز العكس، وما الفرق بينهما.
الخطابي قال الشافعي إنما أمرها أن تترك العمل بالعمرة لا أنها تركت العمرة أصلًا وأمرها أن تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة وعمرتها من التنعيم تطوعًا لا واجبًا، ولكن أراد صلى الله عليه وسلم أن يطيب نفسها حين جزعت إليه وقال (( كل نسائك ينصرفن بعمرة غيري ) )قال وأشبه الأمور ما ذهب إليه أحمد وهو أنه فسخ عليها عمرتها.
قوله (( نسكت ) )أي أحرمت أنابها أو قصدت النسك بها، وفي بعضها (( فسكت ) )بلفظ المتكلم من السكوت أي عمرتي التي تركت أعمالها وسكت عنها، وفي بعضها (( شكت ) )بالشين المعجمة؛ أي شكت العمرة من الحيض وإطلاق الشكاية عليها كناية عن اختلالها وعدم بقاء استقلالها أو الضمير راجع إلى عائشة وكان معها التكلم، وذكره بلفظ الغيبة التفاتًا.