فهرس الكتاب

الصفحة 807 من 3844

فيه حديث عائشة (( لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل زيد بن حارثة وجعفر ... ) )الحديث.

وحديث أنس (( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا حين قتل القراء ... ) )إلى آخره.

حديث أنس سلف في القنوت، وحديث عائشة أخرجه (م) أيضًا، ويأتي في المغازي.

وقتل زيد وصاحبيه في غزوة مؤتة بالبلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى، وقيل الآخرة سنة ثمان.

فالتقوا مع هرقل على القرية المذكورة، فقتل هؤلاء، ثم اتفق المسلمون على خالد ففتح الله له، وقدم البشير وكان عليه السلام أخبرهم بذلك قبل قدومه، ص 1343 وكان هؤلاء الثلاثة من أحب الناس إليه.

قوله (( صائر ) )قيل صوابه صير بكسر أوله وإسكان ثانيه أي شقه بفتح الشين وهو الموضع الذي ينظر منه كالكوة، وليس يريد (( أنظر من شق الباب ) )بالكسر؛ لأن الشق الناحية ولم يرد ذلك، وكون نساء جعفر لم يطعن الناهي؛ إما لأنهن لم يصرح لهن بنهي الشارع، فظنن أنه كالمحتسب في ذلك؛ أو لأنهن غلبن على أنفسهن بحرارة المصيبة.

قوله (( فاحث ) )روي بكسر الثاء وضمها؛ لأنه من حثى يحثي ويحثو. وتأوله بعضهم على أن البكاء كان معه نوح، فلذلك نهاهن. وقال بعضهم كان من غير نوح؛ لأنه يبعد أن الصحابيات يتمادين على محرم، والنهي عن البكاء المجرد للتنزيه أو الأدب لا للتحريم.

والعناء بالمد المشقة والتعب. وللعذري عند (م) من الغي بغين معجمة وياء مشددة وهو ضد الرشد. وللطبري مثله إلا أنه بالعين المهملة المفتوحة، وكسرها بعضهم وكلاهما وهم [1] ، والأول الصواب، ولم ترد عائشة الاعتراض على رسول الله، وإنما أرادت إنك لا تقدر على فعل ما أمرك به، وما تركته من التعب.

قال القرطبي ولم يكن أمره للرجل بذلك ليفعله بهن، ولكن على طريق أن هذا يسكنهن إن فعلته، فافعله إن أمكنك وهو لا يمكنك.

وفيه دليل على أن النهي عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن.

قوله (( جلس يعرف فيه الحزن ) )إنما هو لما جعل الله تعالى فيه من الرحمة بأمته وحزن عليهم؛ لأنهم أئمة المسلمين. قال الطبري إن قال قائل إن أحوال الناس في الصبر متفاوتة، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير له، وفي عينيه بانحدار الدموع. ولا ينطق بالسيء من القول، ومنهم من يظهر ذلك في وجهه وينطق بالهجر المنهي عنه، ومنهم من يجمع ذلك كله ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في حال المصيبة وقبلها سواء، فأيهم المستحق اسم الصبر؟.

قيل قد اختلف في ذلك فقال بعضهم المستحق لاسم الصبر هو الذي يكون في حالها مثله قبلها، ولا يظهر عليه حزن في جارحة ولا لسان.

وقال غيره كما زعمت الصوفية إن الولي لا تتم له ولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر، ولا يحزن على شيء، والناس في هذا الحال مختلفون، فمنهم من في طبعه الجلد، ومنهم من هو بخلاف ذلك.

وكان ابن سيرين يكون عند المصيبة كما هو قبلها يتحدث ويضحك، إلا يوم ماتت حفصة فإنه جعل يكشر. وسئل ربيعة ما منتهى الصبر؟ قال أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه. وقال آخرون الصبر المحمود هو ترك العبد عند حدوث المكروه عليه وصفه وبثه للناس، ورضاه بقضاء ربه. وأما جزع القلب، وحزن النفس، ودمع العين، فإن ذلك لا يخرجه عن معاني الصابرين.

وروى المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا قال (( قال الله تعالى إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده أنشطته من عقالي، وبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل ) ).

قال طلحة بن مصرف لا تشك ضرك ولا مصيبتك. قال وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق عليهما السلام دخل عليه جاره فقال يا يعقوب، ما لي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنن ما بلغ أبوك؟ قال هشمني ما ابتلاني الله من يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أتشكوني إلى خلقي؟! قال يا رب، خطيئة فاغفرها لي. قال قد غفرتها لك. فكان بعد ذلك إذا سئل قال {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف86] [2] .

وقد توجع الصالحون على فقد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما مات سعيد بن الحسن بكى عليه الحسن حولًا فقيل له تأمر بالصبر وتبكي؟! ص 1344 قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين بدمع العين، وبحزن القلب، وليس ذلك من الجزع، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد، والحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالًا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه.

وقد بكى الشارع على ابنته زينب، وعلى ابنه إبراهيم وفاضت عيناه، وقال (( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ) ). وبكى لفقد جلة الإسلام، فإذا كان الإمام المتبع قد حزن بالمصيبة وأظهر ذلك بجوارحه ودمعه، وأخبر أن ذلك رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فقد صح قول من وافق ذلك وسقط ما خالفه.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( إن نساء ) )خبر إن محذوف أي يبكين برفع الصوت والنياحة أو ينحن، وقرينة النهي تدل على أن المراد بالبكاء النياحة أو ما فيه النياحة.

قوله (( الثانية ) )أي المرة الثانية و (( لم يطعنه ) )جملة حالية و (( زعمت ) )أي قالت عائشة (( واحث ) )بضم المثلثة من حثا يحثو، وبكسرها من حثا يحثي.

قوله (( فقلت ) )أي قالت الصديقة فقلت لذلك الرجل الذي جاء ثلاث مرات (( أرغم الله أنفك ) )أي ألصق الله أنفك بالرغام وهو بفتح الراء التراب دعت عليه حيث لم يفعل ما أمره رسول الله به وهو أن ينهاهن وحيث لم يتركه على ما كان فيه من الحزن بإخبارك ببكائهن وإصرارهن عليه وتكرار ذلك.

فإن قلت هو فعل ما أمره به لكنهن لم يطعنه؟ قلت حيث لم يترتب على فعله الامتثال فكأنه لم يفعله وهو لم يفعل الحثو.

قال والدي رحمه الله تعالى ويحتمل أن الرجل لم يسند النهي إلى رسول الله فلهذا لم يطعنه.

قوله (( القراء ) )جمع القارئ، وقصته أن عامر بن مالك قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه فقال لو بعثت إلى أهل نجد بعثًا لاستجابوا لك، فقال رسول الله (( أخاف عليهم ) )فقال أنا جار لهم فابعثهم فبعث رسول الله رجالًا من قراء الصحابة وفضلائهم، وجعل أميرهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما نزلوا بئر معونة _ بفتح الميم وضم المهملة وبالنون _ بعثوا إلى عامر بن المغفل بكتاب رسول الله فلم ينظر فيه وقتل رسولهم وجاء بطائفة من قبائل عصية ورعل وذكوان على بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوا أكثرهم.

الزركشي

(( صائر الباب ) )كذا الرواية، وقيل الصواب من صير بكسر الصاد، وقال الجوهري الصير شق الباب، وفي الحديث (( من نظر من صير باب ففقئت عينه فهي هدر ) )، وتفسيره في الحديث أن الصير هو الشق، قال أبو عبيد لم يسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث.

قوله (( شق الباب ) )بفتح الشين.

قوله (( أرغم الله أنفك ) )قالت ذلك لما رأته أحرج النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن، وعدم فعله ما أمر به، وهو يدل على أنه لم يفهم من أمره الجزم بذلك، ولكن على طريق أن هذا مما يسكتهن إن فعلته وأمكنك وإلا فالملاطفة أولى.

قوله (( من العناء ) )بفتح المهملة والمد، وهو المشقة والتعب بتردادك عليه وإغرائك إياه، هذا هو الصواب، ووقع لبعض رواة (م) (( الغنى ) )بغين معجمة، وعند الطبري (( العي ) )بفتح المهملة ولبعضهم بكسرها.

[1] في هامش المخطوط (( أقول قيل إنه ليس بوهم فإنه ثابت في(م ) )).

[2] في هامش المخطوط (( أقول الحالة التي حصلت من النبي عليه السلام هي أكمل حالات الصابرين فإنه سيدهم وقد ظهر عليه الحزن وهذا أولى الحالات باسم الصبر ففيما قاله نظر فإنه يخالف حالة النبي عليه السلام ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت