فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 3844

8 -باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( والذي نفسي بيده ) )الحديث. حديث أبي هريرة هذا هو من أفراد (خ) دون (م) ، وحديث أنس أخرجه (م) .

والأعرج هو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز المدني القرشي التابعي الثقة. والأعرج لقب، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال مولى محمد بن ربيعة. سمع أبا هريرة وغيره من الصحابة، وعنه الزهري وغيره من التابعين. مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة.

وليس في الكتب الستة من اسمه عبد الرحمن بن هرمز سواه، وحيث يذكر مالك ابن هرمز فليس هذا إنما هو عبد الله بن يزيد بن هرمز الفقيه، قليل الرواية. مات سنة ثمان وأربعين ومائة.

وأما الأعرج، فإنه روى عنه بواسطة، فاعلم ذلك، فإنه قد التبس على بعض الفقهاء. والأعرج لقب لجماعة هذا أحدهم، وثانيهم سلمة بن دينار، وثالثهم ثابت بن عياض.

وأما أبو الزناد فهو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد [1] لقب له اشتهر به، وكان يغضب منه، القرشي مولاهم المدني أمير المؤمنين في الحديث، التابعي.

روى عن أنس وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وغيرهم. وعنه هشام وجمع من التابعين وغيرهم. وجلالته مجمع عليها.

قال الليث رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة طالب، من طالب فقه وعلم وشعر، ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة. وكان ربيعة يقول شبر من حظوة خير من ذراع من علم.

وقيل لأبي الزناد لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال إنها وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. مات في رمضان فجأة في مغتسله سنة إحدى وثلاثين ومائة عن ست وستين سنة، وقيل سنة اثنتين، وقيل سنة ثلاثين.

لا أعلم في الكتب الستة من اكتنى بهذه الكنية سواه، ولا من اسمه عبد الله بن ذكوان ص 128 غيره.

قال (خ) أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

وأما سند حديث أنس الأول فأنس سلف قريبًا، وأما عبد العزيز بن صهيب فهو بناني أعمى بصري. كان مولى لبنانة بن سعد بن غالب. قال محمد بن سعد كان يقال له العبد.

وقال ابن الأثير نسبة إلى سكة بنانة بالبصرة وهو تابعي. سمع أنسًا، وعنه ابن علية وشعبة. اتفقوا على توثيقه. مات سنة ثلاثين ومائة.

والراوي عنه هو الإمام أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم البصري. مولى عبد الرحمن بن قطبة الأسدي أسد خزيمة وأصله كوفي.

وعلية أمه وهي بنت حسان، مولاة لبني شيبان، وكانت امرأة نبيلة عاقلة. وزعم علي بن حجر أن علية جدته أم أبيه لا أمه.

روى عن مالك بن أنس وغيره، وعنه أحمد وخلق. قال شعبة هو ريحانة الفقهاء، سيد المحدثين، وجلالته متفق عليها.

قال أبو داود ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلا إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل. وقال عمرو بن زرارة صحبته أربع عشرة سنة فما رأيته ضحك فيها، وصحبته سبع سنين فما رأيته تبسم فيها.

ولي صدقات البصرة، والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون. ونزل هو وولده ببغداد، وتوفي بها ودفن في مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم. ولد سنة عشر ومائة، ومات سنة ثلاث وتسعين.

والراوي عنه هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي القيسي، مولى عبد القيس الدورقي البغدادي الحافظ، أخو أحمد بن إبراهيم. واختلف في نسبته فقيل أصله من فارس، وقيل نسب إلى لبس القلانس الدورقية.

قال الكلاباذي دورق قلانس كان يلبسها، فنسب إليها، وقيل كان الإنسان إذا نسك في ذلك الزمن، قيل له دورقي، وكان أبوه قد تنسك. رأى الليث بن سعد، وسمع ابن عيينة وغيره، وعنه أخوه أحمد وأبو زرعة الرازي وغيرهما.

وكان ثقة حافظًا صنف (( المسند ) )، ولد سنة ست وستين ومائة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، قال الخطيب حدث عنه محمد بن سعد ومحمد بن مخلد الدوري وبين وفاتيهما مائة سنة وسنة واحدة.

في الكتب الستة يعقوب بن إبراهيم

أحدهما هذا، وثانيهما الزهري الورع وسيأتي في العلم. الحب الوداد، وأحبه فهو محبوب على غير قياس، ومحب على القياس، وكره بعضهم حببته. وحكاها سيبويه مع أحببته. والمحبة أيضًا اسم للحب، والحب المحبوب، والأنثى حبة، وامرأة محبة لزوجها ومحب عن الفراء.

وفيه جواز الحلف من غير استحلاف إذا كان لمهم.

ومعنى الحديث لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون بهذه الصفة، فمن لم يكن هكذا فهو ناقص الإيمان [2] .

الخطابي معناه لا تصدق في حبي حتى تفنى في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك.

قال أبو الزناد وهذا الحديث من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه أفضل السلام؛ إذ أقسام المحبة ثلاثة محبة إجلال وإعظام كمحبة الولد الوالد، محبة شفقة كمحبة الوالد الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان ص 129 كمحبة سائر الناس، فجمع عليه السلام أصناف المحبة في محبته.

ابن بطال معنى الحديث أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول آكد عليه من حق ولده ووالده والناس أجمعين؛ لأنه استنقذنا من النار وهدينا من الضلال، والمراد بالحديث بذل النفس دونه.

قال القاضي ومن محبته عليه السلام نصر سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه. قال وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا تصح إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن، ومن لم يعتقد هذا واعتقد ما سواه فليس بمؤمن.

فرع قال القاضي حسين من أصحابنا يجب على المرء أن يكون جزعه وحزنه على فراق النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا أكثر من حزنه على فراق أبويه، كما يجب عليه أن يكون عنده أحب إليه من نفسه وأهله وماله.

قدم في الحديث الوالد على الولد، ومحبة الإنسان لولده أعظم من والده غالبًا؛ لأن كثيرًا من الناس لا ولد له وكل أحد له والد، قدم الأعم ثم الأخص. على أن في مسلم تقديم الولد على الوالد في حديث أنس، وسببه المعنى الآخر، فتنبه له.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( حب الرسول ) )اللام للعهد والمراد به سيدنا صلى الله عليه وسلم لا جنس الرسول ولا للاستغراق بقرينة قوله حتى أكون أحب وإن كان محبة الكل واجبة.

و (( أبو الزناد ) )هو عبد الله بن ذكوان، ويكنى أيضًا بأبي عبد الرحمن وأصله من همدان، قال أبو حاتم هو ثقة صاحب سنة وهو ممن تقوم به الحجة إذا روى عنه الثقات وشهد مع عبد الله بن حفص جنازة فهو إذن تابعي صغير.

قوله (( أحب ) )أفعل التفضيل بمعنى المفعول على خلاف القياس وإن كان كثيرًا إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل.

فإن قلت لا يجوز الفصل بين أفعل ومعموله لأنه كالمضاف والمضاف إليه فكيف وقع لفظ إليه ههنا فصلًا بينهما. قلت الفصل بالأجنبي غير جائز لا مطلقًا مع أن في الإطلاق توسعة.

فإن قلت لم ما ذكر نفس الرجل أيضًا، وإنما يجب أن يكون الرسول أحب إليه أيضًا من نفسه قال تعالى {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} . قلت إنما خصص الولد والوالد بالذكر لكونهما أعز خلق الله على الرجل غالبًا، وإنما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل، وكأنه قال حتى أكون أحب إليه من أعزته.

ويعلم أيضًا منه حكم غير الأعزة؛ لأنه يلزم من غيرهم بالطريق الأولى أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضًا كالرواية التي بعده.

فإن قلت فهل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى. قلت الوالد إما يراد به ذات له الولد، وإما أن يكون بمعنى ذو كذا نحو لابن وتامر فيتناولهما، وإما أن يكتفي بأحدهما عن الآخر كما يكتفي بأحد الضدين عن الآخر.

قال تعالى {سرابيل تقيكم الحر} وإما أن يكون حكمه حكم النفس في كونه معلومًا من النصوص الأخر.

فإن قلت المحبة أمر طبيعي لا يدخل تحت الاختيار فكيف يكون مكلفًا بما لا يطاق عادةً. قلت لم يرد به حب الطبع بل حب الاختيار المستند إلى الإيمان فمعناه لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان فيه هلاكهما.

واعلم أن محبة الرسول إرادة فعل طاعته وترك مخالفته وهي من واجبات الإسلام، قال {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} إلى قوله ص 130 {أحب إليكم من الله ورسوله} الآية.

قوله (( ابن علية ) )بضم المهملة واللام المفتوحة الإمام أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن سهم الأسدي مولاهم البصري كان أبوه تاجرًا من أهل الكوفة وقدم البصرة فتزوج بها علية بنت حسان مولاة لبني شيبان وكان يكره أن ينسب إليها وتجوز نسبته إليها للتعريف اتفقوا على جلالته. وقد سبق باقي ترجمته.

قوله (( عبد العزيز بن صهيب ) )هو أبو حمزة البصري البناني بضم الموحدة وبالنونين وبنانة بطن من قريش، وقال ابن قتيبة هو وأبوه كانا مملوكين، وأجاز إياس بن معاوية شهادة عبد العزيز وحده.

فائدة وفي بعض النسخ وجد قبل ثنا آدم لفظة ح إشارة إلى التحويل من الإسناد الأول إلى إسناد آخر، وفي بعضها لم يوجد وعلى النسختين ففيه التحويل من إسناد إلى آخر قبل ذكر الحديث، وفي هاتين الروايتين زاد لفظ والناس أجمعين وذكر الناس بعد الوالدين تعميم بعد تخصيص عكس قوله تعالى {وملائكته ورسله وجبريل} فإنه تخصيص بعد تعميم.

فإن قلت فهل يدخل في لفظ الناس نفس الرجل أو يكون إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم فإنك إذا قلت جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه يفهم منه خروج زيد منهم. قلت لا يخرج لأن اللفظ عام وما ذكر ثم ليس من المخصصات.

النووي فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة فإن من رجح جانب الأمارة كان حب أهله وولده راجحًا ومن رجح جانب المطمئنة كان حكمه بالعكس. وأقول حاصله أنه يجب ترجيح مقتضى القوة العقلية على القوة الشهوانية ونحوها.

[1] قلت هذا الغضب لله؛ فإنه قال تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء 59] ، وقال {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر 7] ، فإذا لم يرض المؤمن بحكمه صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله تعالى، فإذا انتقم الرسول منه فقد انتقم لله لا لنفسه، مع أن ليس في هذه القصة انتقام؛ فإنه أولًا أخذ من حق الزبير للأنصاري اعتمادًا على رضا الزبير بفعله، عليه السلام، فلما قال ما قال أعطى الزبير حقه وافيًا ))

[2] في هامش المخطوط أقول فإن قلت ترجم (خ) باب حب الرسول وخرج حديث حتى أكون أحب إليه ونفي الأحبية لا يلزم منه نفي المحبة ويختلف معناهما فمعنى الرحمة أنه إذا لم يحب يكون ناقص الإيمان أو عديمه ومعنى الحديث أنه إذا لم يكن الرسول أحب يكون ناقص الإيمان أو عديمه فكيف يتلفق الحديث والترجمة قلت قد أشار والدي رحمه الله تعالى إلى ما يقارب الجواب وابن الملقن أيضًا وهو قولهما أنفعل هنا بمعنى مفعول وبه ينتفع هذا الإشكال. فتأمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت