فهرس الكتاب

الصفحة 2589 من 3844

على سائر الكلام فيه حديث أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم (( مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة ) )الحديث وحديث ابن عمر السالف في الصلاة ووجه ذكره لهما هنا لما كان ما جمع طيب الرائحة والطعم أفضل المأكولات. وشبه الشارع المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة التي جمعت طيب الرائحة وطيب الطعم، دل ذلك أن القرآن أفضل الكلام، ودل هذا الحديث على مثل القرآن وحامله والعامل به، والتارك له، وكذا حديث ابن عمر لما كان المسلمون أكثر أجرا من الفريقين دل ذلك على فضله على التوراة والإنجيل؛ لأن المسلمين إنما استحقوا هذه الفضيلة بالقرآن الذي فضلهم الله به، وجعل فيه الحسنة عشر أمثالها والسيئة واحدة، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات كما قال ابن مسعود، وأسنده مرفوعا أيضا، وقد وردت آثار كثيرة في فضائل القرآن والترغيب في قراءته.

وروى أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا (( إن القرآن والصيام يشفعان يوم القيامة لصاحبهما، فيقول الصيام يا رب إني منعته الطعام والشراب فشفعني فيه. ويقول القرآن يا رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان فيه ) ).

وقال ابن عباس من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر.

ذكر هنا في الفاجر الذي لا يقرأ (( كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها ) )، وفي البخاري قريبا في باب من راءى به (( وريحها مر ) ). وكأن ما هنا أجود؛ لأن الريح لا طعم له؛ إذ المرارة عرض، والريح عرض، والعرض لا يقوم بالعرض. وقد يقال إن ريحها لما كان كريها استعار للكراهية لفظ المرارة لما بينهما من الكراهة المشتركة.

وروى ابن الضريس من حديث الجريري، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى (( مثل الذي يقرأ القرآن ويعمل به مثل الأترجة طيب ريحها طيب(خارجها) ، ومثل الذي يعمل به ولا يقرؤه كمثل النخلة طيب (خارجها) ولا ريح لها .. ))الحديث.

وتمثيل رسول صلى الله عليه وسلم الإيمان بالطعم، والقرآن بالريح في قوله (( طعمها طيب وريحها طيب ) )لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذ جريان الكفر عليه قليل نادر، كما أن الطعم ألزم للجوهر من الريح، وأخص به، إذ كثير من الجواهر يذهب ريحها وطعمها باق.

هذا الحديث يقتضي قسمة رباعية؛ لأن الإنسان إما مؤمن وإما منافق، وكل منهما إما قارئ أو غيره، وكذا الجوهر إما أن يجتمع فيه ص 3736 الطعم أو الريح أو ينتفيا، أو يوجد أحدهما دون الآخر.

قال بعضهم فيما حكاه المنذري قراءة الفاجر والمنافق لا ترفع إلى الله، ولا تذكر عنده، وإنما يرفع إليه ويذكر عنده من الأعمال ما أريد به وجهه وكان عن نية وقربة، ألا ترى أنه شبه الفاجر القارئ بالريحانة من حيث أنه لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفز بحلاوة أجره، ولم يجاوز الطيب حلوقهم موضع الصوت، ولا بلغ إلى قلوبهم ذلك الطيب؛ لأن طعم قلوبهم مر بالنفاق المستتر فيها كما استتر طعم الريحانة في عودها مع ظهور رائحتها.

الأترجة بضم الهمزة وتشديد الجيم، ويقال أترنجة، وفي رواية الأترنجة. وحكى أبو زيد ترنجة وترنج وترج. وذكر العلامة عبد الوهاب بن سحنون التنوخي في كتاب"الأدوية القلبية"أن بعض الحكماء غضب عليه بعض الأكاسرة وسجنه، وقال خيروه إداما واحدا لا يزاد عليه؛ فقيل له، فاختار الأترج، فسئل عن ذلك فقال في العاجل ريحان يسر نفسي، والتبقل بقشره يفرح قلبي، ولحمه وقشره خاصة إدامان يغتذي بهما بدني، وأستخرج من حبه دهنا أقضي به وطري.

قال ابن سحنون جمع الله فيه مالم يجمع في غيره من الثمار من الفوائد والمنافع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت