فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأى ولا بقياس لقوله تعالى {بما أراك الله} . [النساء 105] وقال ابن مسعود ... إلى آخره. وقد سلف مسندا.
ثم ساق حديث جابر رضي الله عنه مرضت فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر .. الحديث وسلف، وهذا الباب ليس على العموم في أمره عليه السلام، كما نبه عليه المهلب؛ لأنه قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط في مسائل لها أصول ومعاني في كتاب الله ومشروع سنته، ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه النصوص، إذ قد علم أن الله تعالى لا بد أن يكمل له الدين، والقياس هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في
المعنى، فشبه عليه السلام الحمر بالخيل، فقال (( ما أنزل علي فيها شيء غير هذه الآية الفاذة الجامعة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}
وشبه دين الله بدين العباد في اللزوم، وقال للتي أخبرته أن أباها لم يحج (( أرأيت لو كان علي أبيك دين أكنت قاضيته؟ فالله أحق بالقضاء ) ).
وهذا عام، وهذا هو نفس القياس عند العرب وعند العلماء بمعاني الكلام، وأما سكوته عليه السلام حتي نزل الوحي فإنما سكت في أشياء معضلة ليست لها أصول في الشريعة، فلابد فيها من إطلاع الوحي، ونحن الآن قد فرغت لنا الشرائع، وأكمل الله الدين وإنما ننظر ونقيس على موضوعاتها فيما أعضل من النوازل.
وقد اختلف العلماء هل يجوز للأنبياء الاجتهاد؟ علي قولين أحدهما لا، ولا يحكمون إلا بوحي. والثاني يجوز أن يحكموا بما جري مجرى الوحي ص 5130 من منام وشبهه.
قال أبو التمام المالكي لا أعلم فيه نصا لمالك، والأشبه عندي جوازه؛ لوجوده من الشارع، والاجتهاد علو درجة وكمال فضيلة، والأنبياء عليهم السلام أحق الناس بها، بل لا يجوز أن يمنعوا منها لما فيها من جزيل الثواب، وقال تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر 2] وهم أفضل أولي الأبصار وأعلمهم، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اجتهد في أمر الحروب وتنفيذ الجيوش وقدر الإعطاء للمؤلفة قلوبهم، وأمر بنصب العريش يوم بدر في موضع، فقال له الحباب بن المنذر أبو حي نصبته ههنا أم برأيك؟ فقال (( بل برأيي ) )، قال الصواب نصبه في موضع كذا. فسماه ذا الرأيين فعمل برأيه، ولم ينتظر الوحي وحكم بالمفاداة والمن على الأسري يوم بدر بعد المشورة.
يوم بدر وقال تعالي {وشاورهم في الأمر} [آل عمران 159] ولا تكون المشورة إلا فيما لا نص فيه، وروي أنه عليه السلام أراد أن يضمن لقوم من الأعراب ثلث ثمر المدينة، فقال له سعد بن معاذ والله يا رسول الله كنا كفارا فما طمع أحد أن يأخذ من ثمارنا شيئا فلما أعزنا الله بك نعطيهم ثلث ثمارنا؟ ففعل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الله في كتابه قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام حين اجتهدا في الحكم في الحرث، ولا يجوز أن يختلفا مع ما فيه من نص موجود.
واعترض بعض شيوخنا على البخاري في تبويبه؛ بقوله فيقول (لا أدري أو لم يجب حتي ينزل عليه الوحي) فقال ما ذكره ليس فيه قوله (لا أدري) فينظر.
جوابه أنه استغنى بعدم جوابه عنه به. واعترض الداودي علي قوله (ولم يقل برأي ولا قياس) فقال ليس كما قال بل كان يقول بدليل حديث (( عسي أن يكون نزعه عرق ) )، ولما رأى شبه عتبة بابن وليدة زمعة قال لسودة (( احتجبي منه ) )، وقال للذي قال يكون لأحدنا الإبل كالغزلان فيجعلها مع الجرباء فلا ينشب أن يجرب، فقال (( فمن أجرب الأول ) ).
قال تعالي {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة 122] الآية، وقال من يرد الله خيرا يفقهه في الدين وقال عمر إن الرأي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا؛ لأن الله تعالى يريه، (( انما هو منا الظن والتكليف فلا تجعلوا حظ الرأي سنة للأمة وقال علي ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة أو فهم يعطاه المرء في كتاب الله.
وقال تعالي {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس} الآية [النساء 105] ، وقال وهذا هو الدليل ليس ما زعم به البخاري أنه النصوص، وقال تعالي {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر 2] وقال {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} [النساء 83] والاستنباط غير النص، وسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فرده إلى الاعتبار ليعلم ذلك، وقال عمر رضي الله عنه لحفصة رضي الله عنها ما أرى أباك يعرف الكلالة. وقال لابن عباس احفظ علي إني لم أقل في الجد ولا في الكلالة شيئا ولم أستخلف أحدا.
وقال تعالي {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام 38] فلو لم يكن للاعتبار والدليل موضع لكان يؤخذ خلاف ما في القرآن؛ لأنه لم ينص على الجد والإخوة، وقال تعالى {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} الآية [الأنفال 75] فلم يبين صفة مواريثهم، قال وأجمعت الأمة على الاعتبار مع أن الله تعالي رزقها العصمة ومنحها ما لم يعطه للأمم من انقطاع الوحي عنها بعد نبيها. واختلف الصحابة في الجد والكلالة، والعول وغير ذلك، ولم يعب بعضهم بعضا ولا عاب أحدهم الاعتبار، وإنما الرأي المذموم.
واعترضه ابن التين فقال ما ذكره الداودي ليس بالبين وإنما أراد البخاري أنه عليه السلام وقف في أشياء فلم يتكلم فيها برأي ولا قياس وتكلم في أشياء برأيه، فبوب على كل من ذلك وأتي في كل باب بما بوب عليه.
وقوله (بما أنزل الله) . أي بما علمك الله.
وقوله (وقد أغمي علي) . أي غشي كذا الرواية, يقال غمي فهو مغمي وأغمي عليه قال الداودي وفي هذا الحديث الوضوء للمريض، قال وفيه دليل أن معنى الحديث الآخر (( لا يسترقون ولا يتطيرون وعلي ربهم يتوكلون ) )أن ذلك لا يفعل ص 5131 قبل نزول العلة، قال وقول سفيان (قلت يا رسول الله، وربما قال أي رسول الله) يدل علي جواز الرواية بالمعنى. وليس كما قال؛ لأن هذا لا يتضمن حكما وليس هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.