قوله (( استنصت الناس ) )إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (خ) في أربعة هنا، وفي المغازي عن حفص بن عمر، وفي العين عن سليمان، وفي الديات عن بندار، وأخرجه (م) في الأيمان.
ورواته غير من سلف حجاج هو ابن منهال، وأبو زرعة هو هرم، وعلي بن مدرك هو أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق ثقة، عنه شعبة، مات سنة عشرين ومائة.
وسميت حجة الوداع؛ لأنه عليه السلام ودعهم فيها وعلمهم أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله (( ليبلغ الشاهد الغائب ) )والقياس في الحجة الفتح؛ لكونه اسمًا للمرة لا للهيئة، والمسموع الكسر، قال الهروي وغيره هو المسموع في واحده.
و ص 403 حضور جرير حجة الوداع يدل على تقدم إسلامه، فإنه قيل أسلم في رمضان سنة عشر، وأسلفنا أنه قيل أسلم قبل وفاته عليه السلام بأربعين يومًا، ومعنى (( لا ترجعوا ) )لا تصيروا. قال ابن مالك رجع هنا بمعنى صار.
قوله (( بعدي ) )أي بعد فراقي موقفي هذا، قاله الطبري، وقال غيره (( بعدي ) )أي خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه عليه السلام علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته.
قوله (( يضرب ) )هو برفع الباء على الصواب، وهو الرواية أي تفعلوا فعل الكفار. فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى الوجوه في تأويله كما قاله القاضي.
وفيه ستة أقوال أخر
1 أنه كفر على بابه في حق المستحل لغير الحق.
2 أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام.
3 أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.
4 لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين.
5 أن المراد بالكفار المتكفرون في السلاح، يقال تكفر الرجل بسلاحه، إذا لبسه، حكاه الخطابي.
6 لا يكفر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا، ومن سكن الباء أحال المعنى؛ لأن النهي على هذا التقدير يكون عن الكفر مجردًا، وضرب الرقاب جواب النهي ومجازاة الكفر، وسياق الخبر يأباه، وجوزه أبو البقاء وابن مالك على تقدير شرط مضمر؛ أي إن ترجعوا يضرب.
وفيه التصريح بما بوب عليه (خ) من الإنصات للعلماء فإنه توقير لهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء؟! وقد أمر الله تعالى أن لا يرفع الصوت فوق صوت النبي؛ خوف حبوط العمل.
وفيه أيضًا تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه، وتعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قال المازري؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها.
والجواب أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قال تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر65] ومعلوم أنه معصوم.
أقول قال الدمياطي قوله عن جرير إلى آخره، قيل أنه قال ذلك لغيره إذ لم يشهد جرير حجة الوداع فيما قيل بل كان إسلامه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا، وقيل إنه أسلم قبل وفاته بستة أشهر ويشهد له هذا الحديث، وحكى المنذري أن البرقي حكى أن إسلام جرير كان في رمضان سنة عشر.
أقول قال أبو عمر كان إسلامه في العام الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جرير أسلمت قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( العلماء ) )اللام بمعنى لأجل، قوله (( استنصت ) )بصيغة الأمر والاستنصات استفعال من الإنصات ومثله قليل إذ الغالب أن الاستفعال بيتي من البلالي، ومعناه طلب السكوت وهو متعد والإنصات جاء لازمًا ومتعديًا يعني استعمل أنصتوه وأنصتوا له لا أنه جاء بمعنى الإسكات.
قوله (( رقاب بعض ) )فإن قلت ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي أيضًا. قلت البعض وإن كان مفردًا لكنه في معنى الجمع كأنه قال لا تضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع، ولفظ يضرب مرفوع على أنه جملة مستأنفة مبينة لقوله لا ترجعوا أو وصف كاشف إذ الغالب من الكفار ذلك، وكونه مجزومًا بأنه جواب النهي ظاهر على مذهب من يجوز لا تكفر تدخل النار.
قال ابن بطال فيه أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلمين قال تعالى {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ويجب الإنصات عند قراءة حديث الرسول مثل ما يجب له صلى الله عليه وسلم وكذلك يجب الإنصات للعلماء؛ لأنهم الذين يحيون سنته ويقومون بشريعته.