1 -قوله (( بني الإيمان على خمس ) )إلى قوله (( والحج وصوم رمضان ) ). الكلام عليه من وجوه
1 لما فرغ من ابتداء الوحي عقب بذكر الإيمان، ثم بالصلاة بمقدماتها ثم بالزكاة، ثم بالحج، ثم بالصوم. وقصد الاعتناء بالترتيب المذكور في حديث ابن عمر هذا، وإن وقع في بعض روايات (( الصحيح ) )تقديم الصوم على الحج.
والكتاب مصدر سمي به المفعول مجازًا، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب ولفظة (( ك. ت. ب ) )في جميع تصاريفها راجعة إلى معنى الجمع والضم؛ ومنه الكتاب والكتيبة والمكتوب وفي اصطلاح المصنفين كالجنس الجامع لأبواب أو مسائل.
والإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق خاص.
2 ابتداء كتاب الإيمان بالبسملة وهكذا عادته في كل كتاب عملًا بالحديث (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع ) )، وفي رواية (( ببسم الله الرحمن الرحيم ) )، وفي رواية (( بذكر الله ) ).
فإن قلت البسملة في أول كتابه تغني عن ذلك، فالجواب أن فيه مزيد اعتناء ومحافظة على التمسك بالكتاب والسنة.
3 هذا الحديث أخرجه (خ) هنا وفي التفسير، وأخرجه مسلم في الإيمان فوقع لمسلم في جميع طرقه خماسيًا وللبخاري رباعيًا.
4 في تعريف رواته عبد الله بن عمر هو الإمام الصالح أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي أمه وأم أخته حفصة زينب بنت مظعون أخت عثمان، أسلم بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه.
ولا يصح قول من قال إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله. واستصغر عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة، روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على ص 102 مائة وسبعين، وانفرد (خ) بأحد وثماثين، و (م) بأحد وثلاثين. روى عنه أولاده سالم وعبد الله وحمزة وبلال، وخلائق من جلة التابعين.
ومناقبه لا تحصى، قال الزهري لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة فلم يخف عنه شيء من أمره وأمر الصحابة.
مات بفخ بفتح الفاء وتشديد المعجمة موضع بقرب مكة، قال الصغاني وهو وادي الزاهر. سنة ثلاث، وقيل أربع وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وقيل بسنة، عن أربع، وقيل ست وثمانين سنة، قال يحيى بن بكير توفي بمكة بعد الحج، ودفن بالمحصب، وبعض الناس قال بفخ، قلت وقيل بسرف [1] .
أقول قال ياقوت فخ واد بمكة، قيل وادي الزاهر فيه دفن ابن عمر وجماعة من الصحابة، وفخ ما أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم عظيم بن الحارث المحاربي انتهى.
قال ابن الملقن في الصحابة أيضًا عبد الله بن عمر، جرمي، يقال إن له صحبة، وأما الراوي عنه فهو الإمام عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي الثقة الجليل، سمع ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وعنه عمرو بن دينار وغيره من التابعين.
مات بمكة بعد عطاء، ومات عطاء سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة. والعاصي جده هو أخو أبي جهل، قتل العاصي هذا عمر ببدر كافرًا، وهو خال عمر على قول.
فائدة في الصحابة عكرمة ثلاثة لا رابع لهم ابن أبي جهل المخزومي وابن عامر العبدري وابن عبيد الجولاني.
فائدة ليس في الصحيحين عكرمة إلا هذا، وعكرمة بن عبد الرحمن، وعكرمة مولى ابن عباس، وعكرمة بن عمار، أخرج له (م) في الأصول واستشهد به (خ) في كتاب البر والصلة.
وأما الراوي عن عكرمة فهو حنظلة بن أبي سفيان الجمحي المكي القرشي الثقة، سمع عطاء وغيره من التابعين، وعنه الثوري وغيره. مات سنة إحدى وخمسين ومائة.
روى له الجماعة. وأما الراوي عن حنظلة فهو السيد الجليل أبو محمد عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي بالموحدة مولاهم الكوفي الثقة، سمع الأعمش وخلقًا من التابعين، وعنه أحمد و (خ) وغيرهما، وروى (م) وأصحاب السنن الأربعة عن رجل عنه، وكان عالمًا بالقراءات. مات بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة ومائتين في ذي القعدة، وقيل سنة أربع عشرة.
فائدة هذا الإسناد كلهم مكيون إلا عبيد الله هذا فإنه كوفي، وكله على شرط الستة إلا عكرمة بن خالد فإن ابن ماجه لم يخرج له.
5 في تعريف جماعة ذكروا عمر بن عبد العزيز هو الإمام العادل، خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاصي الأموي القرشي، المجمع على جلالته وزهده وعلمه، سمع عبد الله بن جرير وأنسًا وغيرهما، وعنه ابناه وعدة، وأمه حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
ولي بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، وكانت خلافته مثل خلافة الصديق سواء. ومات بدير سمعان قرية بقرى حمص سنة إحدى ومائة لعشر بقين من رجب، عن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكان أشج يقال له أشج [2] بني مروان، ضربته دابة في وجهه.
فائدة ليس له في (خ) ص 103 سوى حديث واحد رواه في الاستقراض.
فائدة في الراوة أيضًا عمر بن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص روى له (ت) فقط، وأما عدي فهو السيد الجليل أبو فروة عدي بن عدي بن عميرة _ بفتح العين _ ابن زرارة بن الأرقم الكندي الجزري التابعي، روى عن أبيه وعمه العزيز بن عميرة، وهما صحابيان، وعنه الحكم وغيره من التابعين وغيرهم، قال (خ) هو سيد أهل الجزيرة.
وقال أحمد عدي لا يسأل عن مثله، قال ابن سعد كان ناسكًا فقيهًا، ولي لسليمان بن عبد الملك الجزيرة وإرمينية وأذربيجان. وقال ابن أبي حاتم كان عامل عمر بن عبد العزيز على الموصل، مات سنة عشرين ومائة، روى له (د، ن، ق) ولم يخرج له في (( الصحيحين ) )ولا في (ت) .
فائدة إرمينية هذه بكسر الهمزة صرح به البكري، ووقع بخط النووي في القطعة التي له على هذا الكتاب فتحها ضبطًا، سميت بذلك؛ لكون الأرمن فيها أو بيرمون من ولد يافث بن نوح.
أقول قال ياقوت بكسر أوله وبفتح وسكون ثانيه وكسر الميم وياء ساكنة وكسر النون وياء خفيفة مفتوحة، اسم لصقع عظيم في جهة الشمال وحدها من برذعة إلى باب الأبواب، ومن الجهة الأخرى إلى بلاد الروم وجبل القبق، وهي صغرى وكسرى، فالصغرى تفليس ونواحيها، والكبرى خلاط ونواحيها وقيل هي أربع
1 ببلقان وما انضم إليها ..
و 2 جرزان وغيره.
و 3 البسفرجان وغيره.
و 4 وبها قبر صفوان بن المعطل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب حصن زياد منها بمبساط وغيرها انتهى.
ومعاذ ستأتي ترجمته وكذا غيره، وليس في (( الصحيحين ) )من اسمه معاذ بن جبل غيره.
6 في اتصال هذه الآثار التي ذكرها (خ) وذكرها المؤلف ابن الملقن بإسناده.
7 في ألفاظه ومعانيه.
قوله (( البغض في الله والحب في الله ) )في الباء هنا للسببية أي بسبب طاعة الله ومعصيته كقوله (( في النفس المؤمنة مائة من الابل ) )وفي التي حبست الهرة فدخلت النار فيها، أي بسببها وأصل في للظرفية.
قوله (( إن للإيمان فرائض وشرائع وسننًا ) )قال ابن المرابط الفرائض ما فرض علينا من صلاة وزكاة ونحوهما، والشرائع كالتوجه إلى القبلة، وصفات الصلاة، وعدد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف وغيره، والسنن ما أمر به الشارع من فضائل الأعمال، فمتى أتى بالفرائض والسنن وعرف الشرائع، فهو مؤمن كامل.
قوله (( فسأبينها ) )أي أوضحها وإنما أخر بيانها؛ لاشتغاله بما هو أهم منها ولم يعلم أنهم يجهلون مقاصدها، ومعنى {ليطمئن قلبي} [البقرة26] ليزداد، وقيل بالمشاهدة، كأن نفسه طالبته بالرؤية. والشخص قد يعلم الشيء من جهة، ثم يطلبه من أخرى، وقيل {ليطمئن قلبي} إذا سألتك أجبتني.
قوله (( نؤمن ساعة ) )أي نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك إيمان.
وقال ابن المرابط نتذاكر ما يصدق اليقين في قلوبنا؛ لأن الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى.
وقوله (( واليقين الإيمان كله ) )قال أهل اللغة اليقين هو العلم وزوال الشك، يقال منه يقنت الأمر بالكسر يقنًا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وأنا على يقين منه، وذلك عبارة عن التصديق وهو أصل الإيمان فعبر بالأصل عن الجميع كقولهم الحج عرفة، ودلالة على أن الإيمان يتبعض؛ لأن كلا وأجمع لا يؤكد بهما إلا ما يتبعض حسًا أو حكمًا.
وحاك _ بالحاء المهملة وفتح الكاف المخففة _ ما يقع في القلب، ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، يقال فيه حاك يحيك، وحك يحك، وأحاك يحيك.
وفي (( صحيح مسلم ) )من حديث النواس بن سمعان قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال (( البر حسن الخلق، ص 104 والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ) )فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة الإيمان سالمة من الشكوك. وعبر هنا بالصدر عن النفس والخلد.
قوله (( دينًا واحدًا ) )معناه أن هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصه، هو شرع الأنبياء قبل نبينا كما هو شرع نبينا؛ لأنه قال {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا} الآية. ويقال جاء نوح بتحريم الحرام، وتحليل الحلال، وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات.
قوله (( {شرعةً ومنهاجًا} [المائدة48] ، سبيلًا وسنة ) )يعني أن ابن عباس فسر قوله {شرعةً ومنهاجًا} بسبيل وسنة.
[1] في هامش المخطوط أقول قال والدي رحمه الله تعالى صلى عليه الحجاج.
[2] في هامش المخطوط يقال الناقص والأشج أعدلا بني مروان استشهاد بأن أفعل بمعنى فاعل.