2 -وفسر قوله {لولا دعاؤكم} [الفرقان77] ، قال المراد بالدعاء الإيمان، فمعنى دعاؤكم إيمانكم.
قال ابن بطال {لولا دعاؤكم} الذي هو زيادة في إيمانكم. قال ابن سيده هو الرغبة، دعا دعاءً ودعوى، وقال ثعلب هو النداء، وفي (( الغريبين ) )الدعاء الغوث. ثم اعلم أنه يقع في كثير من نسخ (خ) هنا باب دعاؤكم إيمانكم.
وحكى أبو إسحاق عن بعضهم أن الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقيل هما جميعًا الطريق، والطريق هنا الدين. وقال محمد بن يزيد شرعة معناها ابتداء الطريق. والمنهاج الطريق المستمر.
وقال ابن عرفة الشرعة والشريعة سواء، وأصل الشريعة مورد الماء. وذكر الواحدي وغيره في قوله تعالى {على شريعة من الأمر} [الجاثية18] ، قال الشريعة الدين والملة والمنهاج والطريقة والسنة والقصد، قالوا وبذلك سميت شريعة النهر؛ لأنه يتوصل منها إلى الانتفاع.
والشارع الطريق الأعظم، و (( بني الإسلام ) )أي أسس.
قوله (( خمس ) )أي خمس دعائم أو قواعد، وفي رواية (م) بالهاء وهو صحيح أيضًا، أي خمسة أشياء أو أركان أو أصول، وتحتمل الرواية السالفة وجهًا آخر وهو أن المراد خمسة أشياء، وإنما حذفت الهاء؛ لكون الأشياء لم تذكر لقوله {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا} [البقرة234] ، والمعنى عشرة أيام انتهى.
أقول فإن قلت لا بد من مبني ومبني عليه فإذا كان المبني عليه خمس وهي أركان الدين الخمسة المعروفة فالمبني ما هو فإن الدين عبارة عن الأركان الخمس فيلزم أن يكون المبني والمبني عليه شيء واحد هذا مشكل كما يقول بني البيت على أربعة أعمدة فالبيت غير الأعمدة هذا ظاهر، فيلزم من هذا التركيب أن يكون الإسلام شيء آخر غير هذه الأركان الخمسة، وإنما الإسلام والدين هو عبارة عن الأركان الخمسة لا شيء آخر، وإن كان الإسلام غير هذه الخمسة فما هو تبين ذلك. قلت لا بد من تأويل لفظ بين بأن يقال معناه قسم على خمسة أجزاء وركب من خمس أو يكون على بمعنى من فإن حروف الجر ينوب بعضها بعضًا.
قال ابن الملقن
8 مقصود الباب بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وإطلاقه على الأعمال كالصلاة والصيام والذكر وغيرها، ومذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص، ومعنى هذا أنه يطلق على التصديق بالقلب، وعلى النطق باللسان، وعلى العمل بالجوارح كالصلاة وغيرها، ويزيد بزيادة هذه وينقص بنقصها، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه، وقالوا متى قبل الزيادة والنقص كان شكا وكفرًا، قال المحققون منهم نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد ص 105 وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها وهي الأعمال، وفي هذا جمع بين ظواهر النصوص الواردة بالزيادة مع أقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة.
قال النووي وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان حسنًا فالأظهر خلافه، وهو أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، وانشراح الصدر، واستناد القلب؛ ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم لعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال.
وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يشك عاقل في أن تصديق الصديق لا يساوي تصديق آحاد الناس، وسيأتي في بابه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل.
ويدل له ظواهر نصوص الكتاب والسنة، فمن الآيات التي ذكرهن البخاري، ومن السنة أحاديث ستأتي نحو (( من كان في قلبه وزن برة من إيمان، ووزن شعيرة ووزن ذرة ) )فهذا هو الصحيح الموافق للنصوص، وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله لا تحصى من الكتاب والسنة.
وهذا المعنى أراد البخاري في الأبواب الآتية باب أمور الإيمان، الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان. وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد إن الإيمان قول بلا عمل، وبين غلطهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة والإجماع.
ابن بطال مذهب جميع أهل السنة أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه لا يكون مؤمنًا، وكذا إذا أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق؛ لقوله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله {حقًا} [الأنفال2 4] .
فأخبرنا تعالى أن المؤمن لا يكون إلا من هذه صفته؛ ولهذا قال عليه السلام (( لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) ).
فالحاصل أن الذي عليه أهل السنة أو جمهورهم أن من صدق بقلبه، ونطق بلسانه بالتوحيد ولكنه قصر في الأعمال الواجبة كترك الصلاة، وشرب الخمر لا يكون كافرًا خارجًا من الملة، بل هو عاص فاسق يستحق العذاب، وقد يعفى عنه، وأبعد بعضهم فقال إذا اعتقد بقلبه، ولم ينطق بلسانه من غير عذر يكون فائزًا في الآخرة حكاه في (( الشفا ) ).
وقد ساق الحافظ اللالكائي في كتاب (( شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ) )عن عمر بن الخطاب وخمسة عشر من الصحابة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وعن خلق من التابعين وأتباعهم فوق الخمسين. وقال سهل بن المتوكل أدركت ألف أستاذ كلهم يقول الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
وذكر أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب (( الإيمان ) )ذلك عن خلق قال ولو كان الإيمان قولًا لكان المنافقون مؤمنين؛ لأنهم قد تكلموا بالقول. وأيضًا فلم يبعث الله نبيًا قط إلا دعا قومه إلى القول والعمل وأمر بالقول والعمل، أولهم آدم، وأما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج.
فوائد
1 اتفق أهل السنة على ما قاله النووي أن ص 106 المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين، قال فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق بخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذلك، فإنه حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ، وإذا نطق بهما فلا يشترط أن يقول وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب فلا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ، ومن أصحابنا من شرط التبرؤ مطلقًا وهو غلط؛ لقوله عليه السلام (( حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) ).
ومنهم من استحبه مطلقًا، أما إذا اقتصر الكافر على قوله لا إله إلا الله ولم يقل محمد رسول الله. فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قال يصير مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جعل مرتدًا، واحتج له بقوله عليه السلام في روايات (( حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )وحجة الجمهور الرواية السالفة وهي مقدمة على هذه؛ لأنها زيادة من ثقة، وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وأيضًا إن فيها تنبيهًا على الأخرى انتهى.
أقول يراد بلا إله إلا اله الكلمتين جملة كما يقال {قل هو الله أحد} ويراد بها السورة كلها، وقولهم سورة الحمد لله رب العالمين فهنا وإن كان جاء في بعض الروايات لا إله إلا الله فمعناه وأن محمدًا رسول الله أيضًا كما في قل هو الله أحد والحمد لله رب العالمين ونحوه كلمتا الشهادة ليستا كلمتين، بل كلمات فجعل لا إله إلا الله كلمة وأشهد أن محمدًا رسول الله كلمة فهنا أيضًا كذلك أراد بلا إله إلا الله ... محمد رسول الله.
قال ابن الملقن
2 اشترط القاضي أبو الطيب من أصحابنا الترتيب بين كلمتي الشهادة في صحة الإسلام فيقدم الإقرار بالله على الإقرار بالرسول، ولم أر من وافقه ولا من خالفه [1] .
وذكر الحليمي في (( منهاجه ) )ألفاظًا تقوم مقام لا إله إلا الله، في بعضها نظر، فقال ويحصل الإسلام بقوله لا إله غير الله، أو سوى الله، أو ما عدا الله، ولا إله إلا الرحمن أو الباري، أو لا رحمن أو لا باري إلا الله، وكذا لو قال لا إله إلا العزيز أو العظيم أو الحليم وبالعكوس ولو قال أحمد أبو القاسم رسول الله فهو كقوله محمد.
3 لو أقر بوجوب الصلاة، أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو على خلاف ملته التي كان عليها، فهل يصير بذلك مسلمًا؟
فيه وجهان لأصحابنا أصحهما كظاهر الحديث. ومن قال يصير، قال كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا.
4 يصح الإسلام بالعجمية مع العجز عن العربية قطعًا، وكذا مع القدرة على الأصح؛ لوجود الإقرار والاعتقاد.
5 اختلف السلف والخلف في إطلاق الإنسان أنا مؤمن مقتصرًا عليه. فمنعت طائفة ذلك وقالوا يقرنه بالمشيئة، وحكي هذا عن أكثر المتكلمين، وجوزته أخرى وهو المختار. وذهبت طائفة ثالثة إلى جواز الأمرين.
فرع الكافر أجرى أصحابنا الخلاف فيه أيضًا، وهو غريب، والمختار الإطلاق ولا نقول هو كافر إن شاء الله.
6 مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ص 107 ولا يكفر أهل البدع.
الوجه التاسع
أدخل (خ) في هذا الباب حديث ابن عمر؛ ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان بمعنيين وقد يكونان بمعنى فيها خلاف شهير، فقيل معناهما واحد، وهو مذهب البخاري وغيره، وقيل بينهما عموم وخصوص.
قال الخطابي ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة. فأما الزهري فقال الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بقوله {قالت الأعراب آمنا} الآية [الحجرات14] . وقال غيرهما بمعنًى، واحتج بقوله تعالى {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} [الذاريات36] الآية.
قال الخطابي والصحيح أن يقيد الكلام، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم ولا عكس. وبهذا استقام تأويل الآيات، وأصل الإيمان التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
وقال البغوي في حديث جبريل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولهذا قال عليه السلام (( أتاكم جبريل يعلمكم دينكم ) ).
10 اختلف في الأسماء الشرعية كالصلاة، والصوم، والإيمان هل هي واقعة أم لا؟
فالمشهور وقوعها، واختلف القائلون بالوقوع هل هي حقائق مبتكرة أو مأخوذة من الحقائق اللغوية؟ فذهبت المعتزلة إلى الأول، وغيرهم إلى الثاني، وقالوا إنها مجازات لغوية، حقائق شرعية.
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال؛ لأنه لما قتل عثمان، ونشأت الفتنة، ثم جاءت المعتزلة قدحوا في الصحابة، وقالوا لا نجعلهم مؤمنين بل منزلة بين منزلتين.
11 حديث ابن عمر هذا حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام ولم يذكر فيه الجهاد؛ لأنه لم يكن فرض إذ ذاك، أو لأنه من فروض الكفايات، وتلك فروض الأعيان.
قال الداودي لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بعد من الكفار، وبقي فرضه على من يليهم، وكان أولًا فرضًا على الأعيان، وقيل إنه مذهب ابن عمر، والثوري، إلا أن ينزل العدو قريبًا فيأمر الإمام بالجهاد.
وجاء في (خ) في التفسير أن رجلًا قال لابن عمر ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد؟ وفي بعضها أن رجلًا قال لابن عمر ألا تغزو؟! فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن الإسلام بني على خمس ) ).
فهذا دال على أن ابن عمر كان لا يرى فرضه، وجاء هنا (( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله ) ). وجاء في بعض طرقه (( على أن يوحد الله ) )وفي أخرى (( على أن يعبد الله، ويكفر بما دونه ) )بدل الشهادة، والظاهر أن ما عدا الأولى من باب الرواية بالمعنى.
وجاء هنا تقديم الحج على رمضان وفي طريقين لمسلم، وفي بعض الطرق عكسه، وفي بعضها فقال رجل الحج وصيام رمضان. فقال ابن عمر لا، صيام رمضان والحج. هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبعد بعضهم ووهم رواية تقديم الحج.
والصواب التأويل، إما بنسيان ابن عمر الرواية الأخرى، أو كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، أو أن الواو للترتيب، أو أن ابن عمر أرشده إلى التاريخ؛ لأن فرض رمضان في الثانية والحج بعده، إما في سنة خمس أو ست أو تسع.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( الإيمان ) )مشتق ص 108 من الأمن وآمنه إذا صدقه وحقيقة أمنه للتكذيب وقد يستعمل باللام نحو (( {وما أنت بمؤمن لنا} ) )وقد يعدى بالباء عند تضمنه معنى الاعتراف نحو (( يؤمنون بالغيب ) )كأنه قال يؤمنون معترفين بالغيب، وفي الشرع تصديق خاص على الأصح وهو تصديق الرسول بما علم مجيئه به ضرورة مع اختلاف فيه من أنه حقيقة شرعية بوضع الشارع واختراعه له أو مجاز لغوي.
التيمي [2] الإيمان مشتق من الأمن لأن العبد إذا صدق رسول الله أمن من القتل والعذاب. (( وهو ) )الضمير راجع إلى الإيمان أو إلى الإسلام إن قلنا أنهما بمعنى واحد.
فإن قلت هو قول وفعل واعتقاد بالقلب بل الاعتقاد بالقلب هو الأصل فلم لم يذكره. قلت لا نزاع في أن الاعتقاد لابد منه والبحث في أن القول باللسان والفعل بالجوارح هل هما منه أم لا فلذلك ذكر ما هو المتنازع فيه أو نقول الفعل أعم من فعل الجوارح فيتناول فعل القلب لكنه يتوجه حينئذ أن يقال فلا حاجة إلى ذكر القول لأنه فعل اللسان.
ابن بطال التصديق هو أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمنًا مطلقًا، وهذا المعنى أراد البخاري إثباته وعليه بوب الأبواب فقال باب أمور الإيمان باب الجهاد، وإنما أراد الرد على المرجئة في قولهم الإيمان قول بلا عمل.
التيمي ضمير هو راجع إلى الإيمان. قال الأئمة الإيمان يزيد وينقص ولم يقولوا الإسلام يزيد وينقص، قال عيسى بن عيينة الإيمان قول وفعل يزيد وينقص فقال له أخوه إبراهيم لا تقل ينقص فغضب، وقال اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء.
قوله (( ويزيد وينقص ) )هذا على تقدير أن يكون الفعل والقول داخلين فيه ظاهر وكذا على تقدير أن يكون نفس التصديق، فإنه أيضًا يزيد وينقص أي قوةً وضعفًا أو إجمالًا وتفصيلًا أو تعددًا بحسب تعدد المؤمن به.
فإن قلت الآيات دلت على الزيادة فقط والمقصود بيان الزيادة والنقصان كلهما. قلت كل ما قبل الزيادة لا بد أن يكون قابلًا للنقصان ضرورة.
قوله (( فسأبينها ) )أي فسأوضحها لكم.
فإن قلت كيف أخر بيانها والتأخير عن وقت الحاجة غير جائز. قلت إنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم ونبههم على المقصود وعرفهم أقسام الإيمان مجملًا وأنه سيذكرها مفصلًا إذا تفرغ فقد كان مشغولًا بأهم من ذلك، والغرض من هذه الحكاية بيان أن عمر كان قائلًا بأن الإيمان قول وفعل، وقائلًا بزيادة الإيمان ونقصانه.
قوله (( نؤمن ساعة [3] ) )لا يمكن حمله على أصل الإيمان لأن معاذًا كان مؤمنًا وأي مؤمن، فالمراد زيادة الإيمان أي اجلس حتى نكبر وجوه دلالات الإيمان بالأدلة الدالة على ما يجب الإيمان به.
قوله (( كله ) )لغط الكل لا يؤكد به إلا ذو أجزاء يصح افتراقها حسًا أو حكمًا فعلم منه أن للإيمان كلًا وبعضًا فيقبل الزيادة والنقصان.
واعلم أن تحقيق هذه المسائل وبيان النسبة أيضًا بين الإيمان والإسلام بالمساواة وبالعموم والخصوص موقوف على تفسير الإيمان وذكر في الكتب الكلامية له تفاسير.
فقال المتأخرون هو تصديق الرسول بما علم مجيئه به ضرورة ص 109 والحنفية التصديق والإقرار والكرامية الإقرار وبعض المعتزلة الأعمال والسلف التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فهذه أقوال خمسة الثلاثة منها بسيطة وواحد مركب ثنائي والخامس مركب ثلاثي.
ووجه الحصر أنه إما بسيط أو لا، والبسيط إما اعتقادي أو قولي أو عملي، وغير البسيط إما ثنائي وإما ثلاثي، وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله أما عندنا فالإيمان هو بالكلمة فإذا قالها حكمنا بإيمانه اتفاقًا، ثم لا يعقل أن النزاع في نفس الإيمان، وأما الكمال فإنه لا بد فيه من الثلاث إجماعًا فإذا تحققت هذه الدقائق انفتح عليك المغالق.
قوله (( بني الإسلام على خمس ) )شهادة وما عطف عليه مجرور بأنه بدل خمس بدل الكل من الكل أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف وهو هي وأن في أن لا إله مخففة من الثقيلة، ولهذا عطف عليه أن محمدًا رسول الله، وخمس في بعض الروايات فتقديره خمسة أشياء أو أركان أو أصول، وفي بعضها بدون التاء فتقديره خمسة دعائم أو قواعد وههنا دقيقة نطلعك عليها وهي أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء وتأنيثها بسقوط التاء إذا كان المميز مذكورًا.
وأما لو لم يذكر فيجوز فيها الأمر إن صرح به النحاة، ففي مبحثنا يجوز من جهة النحو التاء وعدمها، ومن جهة البيان أن الإسلام شبه بمبنى له دعائم بذكر المشبه، وأسند إليه ما هو من خواص المشبه به وهو ومثله يسمى بالاستعارة بالكناية ونحوه أنبت الربيع البقل.
ومن جهة الأحكام أن مقتضى ظاهر الحديث أن الشخص لا يكون مسلمًا عند ترك شيء منها لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك الصوم ونحوه.
أما قول الإمام أحمد يكثر تارك الصلاة فلدليل خارجي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( من ترك صلاة متعمدًا فقد كفر ) )ومن جهة الاصطلاح أن الصلاة عبارة عن العبادة المفتتحة بالتكبير المخيمة بالتسليم والزكاة عن القدر المخرج من النصاب إلى المستحق والحج عن القصد إلى الكعبة بنسك والصوم عن إمساك البعض من النهار عن المفطرات.
وأما وجه الحصر في الخمسة خلاف العبادة إما قولية وهي الشهادة أو غير قولية فهو إما ترك وهو الصوم أو فعل، وهو إما بدني وهو الصلاة، أو مالي وهو الزكاة أو مركب منهما وهو الحج وأما وجه تقديم كل منها فقد تقدم وهو أي الكلمة أجعل، ثم قدم الصلاة لأنها عماد الدين ثم الزكاة، لأنها قريبة إلى الصلاة ثم الحج للتغليظات الواردة فيه.
فإن قلت الإسلام هو الكلة فقط ولهذا حكم بإسلام من بلفظ بها فلم ذكر الأخوات معها. قلت تعظيمًا لأخواتها.
قال النووي حكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضيفت إليهما الصلاة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو ضلاله تم كلامه.
قال والدي رحمه الله تعالى
فإن قلت فعلى هذا التقدير الإسلام هو هذه الأمور الخمسة، والمبني لابد أن يكون غير المبني عليه. قلت الإسلام عبارة عن المجموع والمجموع غير كل واحد من أركانه.
قلت الأربعة الأخيرة مبنية على الشهادة إذ لا يصح شيء منها إلا بعد الكلمة فالأربعة مبنية والشهادة مبني عليها فلا يجوز إدخالها في سلك واحد. قلت لا محذور في أن يبنى أمر على أمر، ثم الأمر أن يكون مبنيًا عليهما شيء آخر، أو نقول لا نسلم أن الأربعة مبنية على الكلمة بل صحتها موقوفة عليها، وذلك غير بناء الإسلام على الخمس.
التيمي قوله بني الإسلام على خمس كأن ظاهره أن الإسلام مبني على هذه الخمس، وإنما هذه الأشياء مبنية على الإسلام لأن الرجل ما لم يشهد لا يخاطب بهذه الأشياء ص 110 الأربعة ولو قالها فإنا نحكم في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المبنية على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد بيان أن الإسلام لا يتم إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًا عليها، ولهذا المعنى سوى بينها وبين الشهادة وإن كانت هي الإسلام بعينه.
وأقول حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر عنده الأمور مع الشهادة لا نفس الإسلام وهو حسن لكن قوله ثم إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من المبحث إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها لا في إنكارها، وكيف وإنكار كل حكم من أحكام الإسلام موجب للكفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة.
الطيبي لا تخلو هذه الخمس من أن تكون قواعد البيت وأعمدة الخباء وليس الأول لكون القواعد على أربع فتعين الثاني، وينصره ما جاء في حديث معاذ وعموده الصلاة مثلت حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة، وقطبها الذي تدور عليها الأركان هي شهادة أن لا إله إلا الله وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء.
روي أن الفرزدق حضر جنازة فسأله بعض الأئمة يا فرزدق ما أعددت لمثل هذه الحالة قال شهادة أن لا إله إلا الله فقال هذا العمود فأين الإطناب هذا على أن تكون الاستعارة تمثيلية فلأنها وقعت في حالتي الممثل والممثل به.
ويجوز أن تكون الاستعارة تبعية بأن تقدر الاستعارة في بني، والقرينة الإسلام شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تتسوى الاستعارة من المصدر إلى الفعل، وأن تكون مكنية بأن تكون الاستعارة في الإسلام، والقرينة بني على التخييل بأن شبه الإسلام بالبيت، ثم قيل كأنه بيت على المبالغة، ثم أطلق الإسلام على ذلك المخيل، ثم خيل له ما يلازم البيت المشبه به من البناء، ثم أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة التخييلية، ثم نسب إليه لتكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، فظهر من هذا التحقيق أن الإسلام غير والأركان غير كما أن البيت غير والأعمدة غير، ولا يستقيم ذلك إلا على مذهب أهل السنة بأن الإسلام عبارة عن التصديق والقول والعمل والله أعلم.
[1] في هامش المخطوط
[2] في هامش المخطوط الأصفهاني هو صاحب التحرير شارح البخاري.
[3] في هامش المخطوط أقول قال معاذ للأسود بن هلال فقوله اجلس بتاء خطاب للأسود بن هلال.