فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
141 -باب الجاسوس وقوله تعالى {لا تتخذوا عدوي}
فيه حديث حسن بن محمد وهو ابن الحنفية، فذكر حديث روضة خاخ.
وذكر (خ) في التفسير أثر حديث علي هذا قال عمرو بن دينار فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم} [الممتحنة1] الآية.
ونقل الواحدي عن جماعة المفسرين أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مكة وهو يتجهز لفتح مكة فقال (( ما جاء بك؟ ) )قالت الحاجة قال (( فأين أنت عن شباب أهل مكة؟ ) )وكانت مغنية. قالت ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فكساها وحملها، وأتاها حاطب، فكتب معها كتابًا إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، وكتب في الكتاب إلى أهل مكة إن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم. فنزل جبريل بخبرها، فبعث عليًا وعمارًا وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرسانًا، وقال (( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين، فخذوه وخلوا سبيلها؛ فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها .. ) )الحديث.
وعند ابن أبي حاتم من حديث الحارث، عن علي لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، منهم حاطب، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر.
وهذه الظعينة اسمها سارة، مولاة عمرو بن هاشم أبو صيفي، والدرقيقة أم مخرمة بن نوفل، وقيل أم سارة. وقيل كنود مولاة لقريش، وقيل لعمران بن صيفي، وقيل كانت من مزينة من أهل العرج، وكان حاطب كتب إلى ثلاثة صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل.
قال الحاكم في (( إكليله ) )وكانت مغنية بواحة، تغني بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بها يوم الفتح فقتلت.
وأما أبو نعيم وابن منده فذكراها في الصحابيات، ووقع في (( أحكام ) )القاضي إسماعيل في قصة حاطب قال للذين أرسلهم لها (( إن بها امرأة من المسلمين معها كتاب إلى المشركين ) )وإنهم لما أرادوا أن يخلعوا ثيابها قالت أولستم مسلمين؟ ويشكل عليه ما أسلفناه عن الحاكم فإنها ص 2644 ممن استثنيت يوم الفتح بالقتل، وعبارة أبي عبيد البكري (( فإن بها امرأة من المشركين ) ).
وفي (( أسباب الواحدي ) )لما قدمت المدينة قال لها عليه السلام (( مسلمة جئت؟ ) )قالت لا. قال (( فما جاء بك؟ ) )قالت احتجت.
في الكتاب كما قال السهيلي أما بعد. فإن رسول الله قد توجه إليكم في جيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم؛ فإن الله وليه وناصره.
وفي (( تفسير ابن سلام ) )إن فيه أن محمدًا قد نفر إما لكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر. وقيل كان فيه أنه عليه السلام آذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، فقد أحببت أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم.
وخاخ بخائين معجمتين. قال السهيلي وكان هشيم يصحفها بحاء وجيم. وذكر (خ) أن أبا عوانة كان يقولها كما يقوله هشيم.
والظعينة المرأة في الهودج، ولا يقال لها ظعينة إلا وهي كذلك. قال الداودي سميت بذلك لأنها تركب الظعائن التي تظعن براكبها.
وقال ابن فارس الظعينة المرأة وهو من باب الاستعارة، وأما الظعائن فالهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن. وقال الخطابي إنما قال لها ظعينة؛ لأنها تظعن مع زوجها إذا ظعن.
قوله (( أو لنلقين الثياب ) )قال ابن التين صوابه في العربية بحذف الياء؛ لأن النون المشدد يجمع مع الياء الساكنة فتحذف الياء لالتقاء [السا] كنين.
وفيه جواز تجريد العورة عن الستر عند الحاجة.
والعقاص بكسر العين الشعر المعقوص؛ أي المظعون، جمع عقيصة وعقصة، والعقص لي خصلات الشعر بعضه على بعض.
وعند المنذري هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس ويدخل أطرافه في أصوله، قال ويقال هي التي تتخذ من شعرها مثل الرمانة. وقيل العقاص هو الخيط الذي يجمع فيه أطراف الذوائب، وعقص الشعر ظفره، قال وفي رواية أخرى أخرجت من حجزتها.
قوله (( إني كنت ملصقا في قريش ) )أي مضافًا إليهم ولست منهم، وأصل ذلك من لصاق الشيء بغيره ليس منه، ولذلك قيل للدعي في القوم ملصق، قاله الطبري.
قوله (( وكان من معك ) )كذا في الرواية. قال القرطبي هكذا الرواية (( الصحيحة ) )وعند (م) (( فمن معك ) )بزيادة من والصواب إسقاطها؛ لأن من لا تزاد في الموجب عند البصريين، وأجازه بعض الكوفيين.
وإنما أطلق عمر على حاطب اسم النفاق؛ لأنه والى كفار قريش وباطنهم، وإنما فعل حاطب ذلك متأولا في غير ضرر لرسول الله وعلم الله صدق نيته فنجاه من ذلك، وذكر الجاحظ في (( عمده ) )فقال (( عمر ) )دعني يا رسول الله أضرب عنقه يعني حاطبًا فقد كفر.
قال إن الباقلاني في تعيينه هذا الكتاب، هذه اللفظة ليست معروفة.
قلت ويحتمل أن يكون المراد كفر النعمة وأنه تأول قوله {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} ص 2645 أو يكون الراوي روى بالمعنى، فإنه لما سمع قول عمر نافق عبر عنه بالكفر؛ لأنه كفر عند جماعة.
وقال ابن التين يحتمل أن يكون قول عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق قبل قوله عليه السلام (( قد صدقكم ) )أو يريد أنه وإن صدق فلا عذر له، وقد أثبت الله لحاطب الإيمان في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي} وكانت أمه بمكة فأراد أن يحفظوه فيها.
قوله (( وما يدريك؟ ) )أو يعلمك، ولعل للترجي، وهو هنا محقق بدليل ما ذكر في آل عمران والأنفال.
قوله (( اعملوا ما شئتم ) )ظاهره الاستقبال، وقال ابن الجوزي ليس هو على الاستقبال، وإنما هو للماضي، تقديره اعملوا أي عمل كان لكم فقد غفر، ويدل على هذا شيئان
أحدهما أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر.
والثاني أنه كأن يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضحه أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد؛ فلهذا كان عمر يقول يا حذيفة أنا منهم؟
قال القرطبي وهذا التأويل وإن كان حسنًا فإن فيه بعد؛ لأن اعملوا صيغة أمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة، كذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنما هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي، قال وقد ظهر لي وجه، وهو أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف يضمن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم لا أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت منه أهليتها.
وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع من الذنوب، ثم إن الله أظهر صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن توفوا، ومن وقع منهم في أمر ما أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله عليها؛ يعلم ذلك قطعًا من حالهم من طالع سيرهم.
وذكر القاضي عياض الإجماع على أن من ثبت عليه حد أنه يقام عليه، وقد ضرب الشارع مسطحًا الحد.
وفيه هتك ستر الجاسوس رجلًا كان أو امرأة إذا كان في ذلك مصلحة، أو كان في الستر مفسدة.
وفيه كما قال القرطبي أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا.
وفيه كما قال الداودي أن الجاسوس يقتل وإنما نفى القتل عن حاطب لما علمه عليه السلام فيه، لكن مذهب الشافعي وطائفة أن الجاسوس المسلم يعزر ولا يجوز قتله، وإن كان ذا هيئة عفي عنه لهذا الحديث (( فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ص 2646 بغير حق ) )وعن أبي حنيفة والأوزاعي يوجع عقوبة.
وعن بعض المالكية يقتل إلا أن يتوب. وعن بعضهم أنه يقتل إذا كانت عادته ذلك، وإن تاب.
ومن قال بقتله فقد خالف الحديث، فلا وجه لقوله كما قال ابن بطال، وعن مالك يجتهد فيه الإمام.
وفيه كما قال الطبري البيان عن بعض أعلام النبوة، وذلك إعلام الله نبيه بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش، ومكانها التي هي به، وحالها الذي يصان عليها من السير وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي.
وفيه كما قال المهلب أن الجاسوس قد يكون مؤمنًا وليس تجسسه مما يخرجه من الإيمان وجواز العفو عن الخائن لله ولرسوله بتجسس أو غيره، ومراعاة فضيلة سلفت ومشهد شاهده الجاسوس، والتشفع بذلك له.
وأهل بدر قال مالك كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. وزاد الأوزاعي اثنين على ذلك، وقيل بزيادة اثنين آخرين، قيل منهم ثلاثة وسبعون من المهاجرين. وقيل مئة. ولم يحضره إلا قرشي أو أنصاري أو حليفهما أو مولاهما.
وفيه أيضًا الحجة لترك إنفاذ الوعيد من الله لمن شاء ذلك له؛ لقوله (( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ) ).
وفيه جواز غفران ما تأخر من الذنوب قبل وقوعه، كذا في كتاب ابن بطال.