فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال قدم رجلان من المشرق الحديث
وسلف في النكاح، والرجلان هما عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر وقد سلف، واختلف العلماء في تأويله، فقال قوم من أصحاب مالك إن هذا الحديث خرج على الذم للبيان، وقالوا على هذا يدل مذهب مالك) واستدلوا بإدخاله هذا الحديث في باب ما يكره من الكلام، وقالوا إنه صلى الله عليه وسلم شبه البيان بالسحر والسحر مذموم محرم قليله وكثيره، وذلك لما في البيان من التفيهق وتصوير الباطل في صورة الحق، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( أبغضكم ص 4244 إلي الثرثارون والمتفيهقون ) )وقد فسره عامر بنحو هذا المعنى، وهو راوي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك فسره صعصعة بن صوحان (فقال أما قوله(( إن من البيان سحرا ) )فالرجل يكون عليه الحق فيسحر القوم) ببيانه، فيذهب بالحق وهو عليه.
وقال آخرون هو كلام خرج على مدح البيان، واستدلوا بقوله في الحديث (فعجب الناس لبيانهما) . قالوا والإعجاب لا يقع إلا بما يحسن ويطيب سماعه. قالوا وتشبيهه بالسحر مدح له؛ لأن معنى السحر الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك، وكان صلى الله عليه وسلم أميز الناس بفصل البلاغة لبلاغته، فأعجبه ذلك القول واستحسنه، فلذلك شبهه بالسحر، قالوا قد تكلم رجل في حاجة عند عمر بن عبد العزيز وكان في قضائها مشقة بكلام رقيق موجز، وتأنى لها وتلطف، فقال عمر بن عبد العزيز هذا السحر الحلال. وكان زيد بن إياس يقول للشعبي يا مبطل الحاجات. يعني أنه يشغل جلساءه بحسن حديثه عن حاجتهم.
وأحسن ما يقال في ذلك أن هذا الحديث ليس بذم للبيان كله ولا بمدح للبيان كله، ألا ترى قوله (( إن من البيان لسحرا ) )ومن للتبعيض، وقد شك المحدث إن كان قال (( إن من البيان ) )أو (( إن بعض البيان ) )وكيف يذم البيان كله وقد (عدد) الله به النعمة على عباده فقال {خلق الإنسان علمه البيان} [الرحمن 3، 4] ولا يجوز أن يعدد على عباده إلا ما فيه عظيم النعمة عليهم، وما ينبغي إدامة شكره عليه، فإذا ثبت أن بعض البيان هو المذموم، وهو الذي خرج عليه لفظ الحديث، وذلك الاحتجاج للشيء الواحد مرة بالفضل ومرة بالنقص، وتزيينه مرة وعيبه أخرى، ثبت أن ما جاء به من البيان مزينا الحق ومبينا له فهو ممدوح، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز هذا السحر الحلال، ومعنى ذلك أنه يعمل في استمالة النفوس ما يعمل السحر من استهوائها، فهو سحر على معنى التشبيه لا أنه السحر الذي هو الباطل الحرام.
وقال ابن التين الفصاحة حسنة، وهي منحة من الله، قال صلى الله عليه وسلم (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش) .
قال والدي رحمه الله تعالى
{باب السحر} وهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة ولا تتعذر معارضته، وأنكر قوم حقيقته وأضافوا ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها. وقال أكثر الأمم من العرب، والروم، والهند، والعجم بأنه ثابت وحقيقته موجودة وله تأثير، ولا استحالة في العقل في أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام معلق أو تركيب أجسام ونحوه على وجه لا يعرفه كل أحد، وأراد البخاري إثباته، لهذا أكثر في الاستدلال عليه بالآيات الدالة عليه والحديث صريح في المقصود، وفي أنه ممرض حيث قال شفاني الله. فإن قلت إذا جاز خرق العادة على يد الساحر فبماذا يتميز على النبي، قلت بالتحدي وتعذر المعارضة أو بأن السحر لا يظهر إلا على يد الفاسق أو بأنه يحتاج إلى الآلات والأسباب، والمعجزة لا تحتاج إليها. قوله {عيسى بن يونس} ابن أبي إسحاق السبيعي و {زريق} بضم الزاي وفتح الراء وسكون التحتانية وبالقاف و {لبيد} بفتح اللام وكسر الموحدة وبالمهملة ابن الأعصم بالمهملة و {يخيل} بلفظ مجهول مضارع التخييل و {يفعل} أي يباشر النساء و {ذات يوم} بالرفع، وفي بعضها بالنصب ص 4245 ولفظ ذات مقحم للتأكيد. الزمخشري هو من باب إضافة المسمى إلى اسمه. قوله {لكنه} فإن قلت هو للإستدراك فما المستدرك منه، قلت أما وهو عندي، أي كان عندي لكن لم يكن مشتغلا بي بل بالدعاء، وإنما كان يخيل إليه أنه يفعله. أي كان التخيل في الفعل لا في القول والعلم إذا كان دعاؤه وفهمه على الوضع الصحيح والقانون المستقيم. قوله {مطبوب} أي مسحور، وقيل الطب من الأضداد و {المشط} فيه لغات ضم الميم وإسكان الشين وضمها وكسر الميم بإسكانها و {المشاطة} ما يخرج من الشعر بالمشط و {المشاقة} بالضم وخفة المعجمة والقاف ما يغزل من الكتان و {الجف} بضم الجيم وشدة الفاء وعاء طلع النخل وهو الغشاء الذي يكون عليه ويطلق على الذكر والأنثى، ولهذا قيده بقوله ذكر، وفي بعضها جب بالموحدة بدل الفاء وهما بمعنى واحد، وأما الثاني طلعه ونخله فللفرق بين الجنس ومفرده كتمرة وتمر قوله {ذروان} بفتح المعجمة وسكون الراء وبالواو والنون، وفي بعضها ذي أروان. بفتح الهمزة وإسكان الراءـ، هي بئر بالمدينة في بستان بني زريق و {الحناء} بالمد و {النقاعة} بضم النون وخفة القاف، وفي بعضها بالتشديد بالمهملة الماء الذي ينقع فيه الحناء. قوله {كان رؤوس نخلها} في كونها وحشة المنظر سمجة الأشكال، وهو مثل في استقباح الصورة، قوله {شرا} مثل تعلم المنافقين السحر من ذلك فيضرون المسلمين به، وهذا من باب ترك المصلحة لخوف مفسدة أعظم منها. قوله {أبو أسامة} هو حماد بن أسامة و {أبو ضمرة} بفتح المعجمة وإسكان الميم بالراء أنس بن عياض بالمهملة وخفة التحتانية وبالمعجمة الليثي المدني و {ابن أبي الزناد} بكسر الزاي وبالنون عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان مفتي بغداد و {ابن عيينة} سفيان، قوله {الموبقات} أي المهلكات، وثبت في الصحيح اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، السحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات. فهذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر اثنتين فقط، هو من قبيل قوله تعالى {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} ، قوله {سليمان} أي ابن بلال و {ثور} بلفظ الحيوان المعروف ابن زيد الديلي المدني و {أبو الغيث} بفتح المعجمة وإسكان التحتانية وبالمثلثة سالم مولى عبد الله بن مطيع. فإن قلت الموبقات جمع أقله ثلاثة على الأصح، ولم يذكر إلا الشرك والسحر. قلت هو مختصر من الحديث الثابت المذكور آنفا، فيه دلالة على أن السحر من الكبائر، وحجة على من قال، الكبيرة معصية موجبة للحد. قوله {طب} أي سحر و {يؤخذ} بالمعجمتين من التفعيل أي يحبس الرجل عن مباشرة المرأة وهذا هو المشهور بعقد الرجل. الجوهري الأخذة بالضم الرقية كالسحر أو خرزة تأخذ بها النساء الرجال من التأخيذ، وقال {التنشير} من النشرة، أي بضم النون وسكون المعجمة وهو كالتعويذ والرقية، يعالج به المجنون ينشر عنه تنشيرا وكلمة {أو} تحتمل أن تكون شكا وأن تكون نوعا شبيها باللف والنشر بأن يكون الكل في مقابلة الطب، والتنشير ص 4246 في مقابلة التأخيذ، قال ابن بطال هل يسأل الساحر عن حل السحر عن المسحور، قال الحسن البصري لا يجوز إتيان الساحر مطلقا، وقال ابن المسيب وغيره ذلك فيما إذا أتاه وسأل منه أن يضر من لا يحل ضرره. وأما الإتيان للحل فهو نفع له، وقد أذن الله لذوي العلل في المعالجة سواء كان المعالج ساحر أم لا قال وفي كتب وهب بن منبه أن الحل ويسمى النشرة أيضا أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقها بين حجرين ثم تضرب بالماء يقرأ فيه آية الكرسي وذوات قل ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. قوله {ابن عيينة} سفيان و {ابن جريج} بضم الجيم الأولى عبد الملك و {الرعوفة} بالراء المهملة والفاء حجر في أسفل البئر وقيل هو في أعلا البئر يقوم عليه المستقي قوله {أفلا تنشرت} وفي بعضها أفلا أي تنشرت بزيادة أي التفسير وفي بعضها أفلا أتى بنشره بلفظ ماضي مجهول الإتيان ولفظ النشرة بضم النون وسكون المعجمة وهي الرقية التي بها تحل عقدة الرجل عن مباشرة الأهل وهذا يدل على جواز النشرة وأنها كانت مشهورة عندهم ومعناها اللغوي ظاهر فيه هو نشر ما طوي الساحر تفريق ما جمعه والمراد من الناس إما مطلق أو مقيد بلبيد بن الأعصم إذ لما كان ظاهر الإسلام لأنه كان منافقا لم يرد صلى الله عليه وسلم إثارة الإيذاء عليه. قوله {عبيد} مصغر ضد الحر و {يخيل إليه} أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحرة السحر فلم يتمكن من ذلك وقيل كان يخيل إليه ولكن لم يكن يعتقد صحة ما تخيله قيل كان السحر جاريا على جسده وجوارحه لا على عقله وقلبه فيتخيل بالبصر لا بالبصيرة وليس فيه قدح بما يتعلق بالنبوة حاشاه من ذلك ومر في كتاب بدء الخلق في باب صفة إبليس وقال بعضهم قيل تجويز مثله يمنع الثقة بالشرع قلنا هو معصوم بالمعجزات عما يتعلق بالتبليغ وأما في غيره مما يتعلق بأمر الدنيا فلا يبعد أن يخيل إليه منه مالا حقيقة له ولا نقص له بذلك، الخطابي قيل لو جاز أن يكون للسحر في الأنبياء عليهم السلام تأثير لم يؤمن أن يؤثر ذلك في الوحي والجواب أن الأنبياء بشر جائز عليهم من العلل والأعراض ما جاز على غيرهم وليس تأثير السحر فيهم بأكثر من القتل السم فقد قتل زكريا ويحيى وأمثالهم ولم يكن ذلك دافعا لفضيلتهم وإنما هو ابتلاء من الله تعالى أما ما يتعلق بالنبوة فقد عصمه الله من أن يلحقه الفساد وإنما كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله في أمر النساء خصوصا إذا كان قد أخذ عنهن بالسحر لا في غيره فلا نقص فيما أصابه منه على شريعته والحمد لله على ذلك. قوله {لا} فإن قلت المفهوم من الحديث الأول أنه ما استخرجه حيث قال أفلا استخرجته ومن الثاني أنه استخرجه حيث قال فاستخرج ومن الثالث أنه لم يستخرجه إذ قال لا قلت المراد من الاستخراج هو الاستخراج عن موضوعه ومن عدم الاستخراج عدم التنشير ولهذا قال أفلا تنشرت أو عدم الاستخراج من البئر. قال ابن بطال مدار هذا الحديث على هشام بن عروة وأصحابه ص 4247 مختلفون في الاستخراج فعيسى ابن يونس لم يذكر أنه صلى الله عليه وسلم جاوب عائشة على الاستخراج بشيء وحقق ابو أسامة جوابه بالنفي و {أبو سفيان} فهو نقل السؤال إلى التنشير والوهم على أبي أسامة في أنه لم يستخرجه ويشهد لذلك أنه لم يذكر النشرة في حديثه فوهم فحصل رد جوابه عليه السلام بلا على الاستخراج فالزيادة من سفيان مقبولة لا سيما وهو أضبط حيث حقق الاستخراج وذكر النشرة قال وفيه وجه آخر يحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان ولأبي أسامة بعدم استخراج صورة ما في الجف من المشط وما ربط به لئلا يراه الناس فيتكلموا به إن أرادوا استعمال السحر فهو مستخرج من البئر غير مستخرج من الجف. قوله {رجلان} اسم أحدهما الزبرقان بالزاي وبالموحدة والراء والقاف واسم الآخر عمر و {من المشرق} أي من نجد. قوله {لسحرا} أي هو شبيه بالسحر في خلب العقول من حيث أنهما خارقان للعادة. وقال المالكية هذا الحديث خرج على الذم للبيان لا على المدح لأنه شبه بالسحر والسحر مذموم ومر الحديث في النكاح في باب الخطبة.
الزركشي
(تسحرون تعمون) بضم أوله وإسكان ثانيه وفتح ثالثه، ومنهم من يفتح ثانيه ويشدد ثالثه، والذي حكاه الثعالبي (( يسحرون ) )، أي يخدعون ويصرفون عن طاعته وتوحيده.
(مطبوب) مسحور كنوا به كما كنوا بالسليم عن اللديغ.
(فكرهت أن أثور) بفتح المثلثة وتشديد الواو المكسورة.
(والمشاقة) مشاقة الكتان، كذا قاله البخاري، وقال غيره إنها بمعنى المشاطة، والقاف تبدل من الطاء.
(اجتنبوا الموبقات الشرك بالله) يجوز نصب الشرك ورفعه، وكذا ما بعده، فالرفع على خبر مبتدأ مضمر، أي منهن، والنصب على البدل، وتقديره واجتنبوهما، وجاز الحذف لأن الموبقات سبع بينت في حديث آخر واقتصر منها هنا على ثنتين تأكيدا لأمرهما.
(أو يؤخذ عنها) بتشديد الخاء المعجمة، أي يحبس عنها حتى لا يصل إلى جماعها.
(والأخذة) بضم الهمزة رقية الساحر.
(أيحل عنه) بضم الياء وفتح الحاء.
(أو ينشر) بتشديد الشين من النشرة بالضم، وهي ضرب من الرقى والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن، سميت به لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال.
(حليف ليهود، وكان منافقا) هذه الرواية تدل على أن قوله فيما سبق (( اليهودي ) )إنها نسبه بالحلف، وقال أبو الفرج هذا يدل على أنه كان قد أسلم نفاقا.
(تحت راعوفة) هي صخرة تترك في أصل البئر عند حفرة ثابتة ليجلس عليها مستقيه أو الماتح متى احتاج، وقيل حجر على رأس البئر يستقى عليه، وفي بعض روايات البخاري (( رعوفة ) )بغير ألف، وروي بالثاء المثلثة والمشهور ألفا.
(هلا تنشرت) يحتمل أن يكون من النشرة، وهي معالجة السحر بنوع من الرقى، ويمكن أن يكون من النشر ومعناه الاستخراج، أي هلا استخرجت الدفين ليراه الناس، فكره النبي صلى الله عليه وسلم لما في إظهاره من الفتنة.
أقول قوله مشاطة هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط ... الجف والجب ... الطلع وهو الغشاء الذي يكون فوقه ويروي الجب بالباء.