فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لقول الله تعالى {والذين يجتنبون كبائر الإثم} [الشورى 37] الآية.
فيه ثلاث أحاديث
أحدها
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ليس الشديد بالصرعة ) ).
ثانيها
حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه استب رجلان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث.
ثالثها
حديث أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني الحديث.
سليمان بن صرد هذا هو ابن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب ص 4436 بن عمرو بن لحي، واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقيا الخزاعي الكوفي أبو مطرف، أمير التوابين، قتل بالجزيرة بعين الوردة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وكان أميرا على أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين ابن علي، أخرجوا له، وذكروه في الصحابة، وكان اسمه في الجاهلية يسار، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان، وكان خيرا عابدا، نزل الكوفة، وهو من الأفراد ليس في الصحابة سليمان بن صرد سواه.
واختلف في كبير الإثم فقال ابن عباس إنه الشرك. وقال الحسن كل ما وعد الله عليه النار. وقيل في اللغة (ما أوعد) بدل (ما وعد) . وقام الإجماع على أنه من الكبائر كالخمر.
والكظم في اللغة حبس الغيظ، يقال كظم البعير على جرته إذا رددها في حلقه.
والصرعة بضم الصاد وفتح الراء الذي يصرع الرجال، والهاء للمبالغة مثل ضحكة ولعبة.
قال ابن التين وكذا قرأناه، وضبط في الكتب بإسكان الراء وليس بشيء؛ لأنه بالسكون الضعيف المصروع، وليس مراده هنا، وإنما يريد من يغلب الناس ويصرعهم. وضبط في بعضها بفتح الصاد وليس بشيء أيضا.
وقوله (إني لست بمجنون) . إما أن يكون منافقا أو نفر من كلام أصحابه دون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله (( لا تغضب ) )معناه أن يحذر أسباب الغضب، ولا يتعرض للأمور الجالبة للضرر فيغضبه.
فأما نفس الغضب فطبع لا يمكن إزالته من الجبلة. وقيل معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب لذلك، فإذا تواضع ذهبت عنه غيرة النفس. فسلم بإذن الله تعالى من شره.
ولأبي داود من حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) ).
وجمع له عليه السلام في قوله (( لا تغضب ) )جوامع خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يئول إلى التقاطع، ومنع ذي الرفق، وربما آل إلى أن يؤدي فينقص لذلك دينه.
وفي (( الموطأ ) )قال رجل يا رسول الله، كلمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى قال (( لا تغضب ) ).
وذكر الهروي أن في الحديث (( الحدة تعتري خيار أمتي ) ). وفي آخر (( خيار أمتي أحداؤها ) ). جمع حديد. قال وفيه حدة. قلت ومدح الله الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ما عنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.
وقد روى (معاذ بن جبل) رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله عز وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور يشاء ) ). (أخرجه أحمد من رواية معاذ بن أنس بإسناد ضعيف.
وأراد عليه السلام بقوله (( ليس الشديد بالصرعة ) )أن الذي يقوى على ملك نفسه عند الغضب، ويردها عنه هو القوي الشديد، والنهاية في الشدة؛ لغلبته هواه المردي الذي زينه له الشيطان المغوي، فدل هذا على أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأن النبي عليه السلام جعل للذي يملك نفسه عند الغضب من القوة، والشدة ما ليس للذي يغلب الناس؛ من هذا الحديث قال الحسن البصريص 4437 حين سئل أي الجهاد أفضل؟ فقال جهادك نفسك وهواك.
وفي حديث سليمان بن صرد أن الإستعاذة بالله من الشيطان تذهب الغضب؛ وذلك أن الشيطان هو الذي يزين للإنسان الغضب، وكل ما لا تحمد عاقبته؛ ليرديه ويغويه ويبعده من رضا الله تعالى، فالاستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع كيده.
وفي أبي داود من حديث عطية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار
بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ )) وقال أبو الدرداء أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. وفي الكتب قال الله تعالى يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت.