29 -باب الدين يسر
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الدين يسر ) )ص 202 التعليق الأول أسنده أحمد وكذا ابن أبي شيبة في (( مسنده ) )والطبراني بنحوه.
أخرج البخاري طرفًا من الحديث الثاني في الرقاق.
وسعيد هو أبو سعد بإسكان العين سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المدني، والمقبري يقال بضم الباء وفتحها نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا لها، وقيل كان منزله عند المقابر، وقيل جعله عمر على حفر القبور؛ فلذلك قيل له المقبري، حكاه الحربي وغيره، ويحتمل أنه يكون اجتمع فيه ذلك كله، والمقبري صفة لأبي سعيد، وكان مكاتبًا لامرأة من بني ليث بن بكر.
سمع خلقًا من الصحابة منهم. أبو هريرة وابن عمر وخلقًا من التابعين منهم أبوه، وعنه يحيى الأنصاري، وغيره من التابعين، ومالك، وغيره. قال أبو زرعة ثقة. وقال أحمد لا بأس به.
وقال غيره اختلط قبل موته بأربع سنين. مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل ست وعشرين.
ومعن هو ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي، سمع خلقًا، وعنه جمع منهم ابن جريج، أخرج له (خ، ت، ن، ق) ، وذكره ابن حبان في (( ثقاته ) ).
وعمر هو أبو حفص عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري، سمع جمعًا من التابعين منهم هشام بن عروة، وعنه خلق من الأعلام منهم ابنه عاصم، وعمرو بن علي.
قال ابن سعد كان ثقة يدلس تدليسًا شديدًا. قال (خ) قال ابنه عاصم مات سنة تسعين ومائة. وقيل اثنتين وتسعين. قلت فلعل (خ) ثبت عنده سماع عمر من معن وإن أتى فيه بالعنعنة.
وعبد السلام هو أبو ظفر بفتح المعجمة والفاء ابن مطهر بن حسام بن مصك الأزدي البصري، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة، وعنه الأعلام (خ، د) .
قال أبو حاتم صدوق. مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين. وهذا الإسناد ما بين مدني وبصري.
قوله (( الدين يسر ) )واليسر بإسكان المهملة وضمها نقيض العسر، معناه التخفيف.
وقوله (( ولن يشاد الدين إلا غلبه ) )هكذا وقع للجمهور من غير لفظة (( أحد ) )، وأثبتها ابن السكن وهو ظاهر، والدين على هذا منصوب، وأما على الأولى فروي بنصبه، وهو ضبط أكثر أهل الشام على إضمار الفاعل في يشاد العلم به، ورفعه وهو رواية الأكثر كما حكاه صاحب (( المطالع ) )، وهو مبني ما لم يسم فاعله.
قال أهل اللغة المشادة المغالبة، يقال شاده يشاده مشادة إذا غالبه وقاواه، ومعناه لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق إلا غلبه الدين، وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه.
و (( سددوا ) )اقصدوا السداد في الأمور، وهو الصواب، (( وقاربوا ) )في العبادة، (( وأبشروا ) )أي بالثواب على العمل وإن قل، والغدوة السير أول النهار. قال في (( المحكم ) )الغدوة البكرة، وكذا الغداة.
وقال الجوهري الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، يقال أتيته غدوة غير مصروفة؛ لأنها معرفة مثل سحر إلا من المتمكنة، تقول سير على فرسك غدوة وغدوةً وغدوة وغدوة فما نون من هذا فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة، والجمع غدًا. والغدو نقيض الرواح.
وفي شرح شيخنا قطب الدين أن الغدو السير أول النهار إلى الزوال.
والروحة آخر النهار؛ وذكر ابن سيده أنه الفيء. وقيل من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا ص 203 سرنا ذلك الوقت أو عملنا.
(( والدلجة ) )بضم الدال وإسكان اللام هكذا الرواية، ويجوز في اللغة فتحها، ويقال بفتح اللام أيضًا، وهي بالضم سير آخر الليل، وبالفتح سير الليل، وأدلج بالتخفيف سير الليل كله، وبالتشديد سير آخر الليل، هذا هو الأكثر، ويقال فيهما بالتخفيف والتشديد.
قال ابن سيده الدلجة سير السحر، والدلجة سير الليل كله، والدلج والدلجة والدلجة الأخيرة عن ثعلب الساعة من آخر الليل. وأدلجوا ساروا الليل كله، وقيل الدلج الليل كله من أوله إلى آخره، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت على مثال أخرجت.
والتفرقة بين أدلجت وادلجت قول جميع أهل اللغة إلا الفارسي، فقد حكى أدلجت وادلجت لغتان في المعنى جميعًا. وفي (( جامع القزاز ) )الدلجة والدلجة لغتان بمعنى وهما سير السحر.
وقال قوم الدلجة سير السحر، والدلجة بالفتح سير أول الليل، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب، كما تقول مضت برهة من الدهر وبرهة.
قوله أن الدين اسم يقع على الأعمال، والدين والإيمان والإسلام بمعنى، والمراد بالحديث الحث على ملازمة الرفق في الأعمال، والاقتصار على ما يطيقه العامل ويمكنه المداومة عليه، وإن شاد الدين وتعمق انقطع وغلبه الدين وقهره.
ثم أكد عليه السلام هذا المعنى فقال (( سددوا ) )إلى آخره، أي اغتنموا أوقات نشاطكم وانبعاث نفوسكم للعبادة، فإن الدوام لا تطيقونه، فاحرصوا على أوقات النشاط، كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار عجز وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة وهي أول النهار وروحة وهو آخره ودلجة وهي آخر حصل له مقصوده بغير مشقة ظاهرة، وأمكنه الدوام على ذلك.
وهذه الأوقات الثلاثة هي أفضل أوقات المسافر للسير، فاستغرق هذه الأوقات لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، قال عليه السلام (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )فشبه الإنسان في الدنيا بالمسافر، وإنما قال (( وشيء من الدلجة ) )ولم يقل والدلجة؛ تخفيفًا عنه لمشقة عمل الليل.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( باب الدين يسر ) )إلى آخره، الباب مضاف إلى الجملة. و (( الدين ) )مرفوع ومضاف إلى لفظ القول فهو مجرور. و (( أحب ) )مبتدأ. و (( الحنيفية ) )خبره وهي صفة للملة المقدرة والجملة مقول القول، ومعنى الحنيف المائل عن الباطل إلى الحق.
و (( السمحة ) )أي السهلة أو المسامحة المساهلة والملة السمحة التي لا حرج فيها ولا تضييق على الناس أي ملة الإسلام، ويحتمل أن تكون اللام للعهد، والمراد بالملة الحنيفية الملة الإبراهيمية مقتبسًا من قوله تعالى {بل ملة إبراهيم حنيفًا} .
والحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم ثم سمي من اختتن وحج البيت حنيفًا، وسمي إبراهيم حنيفًا؛ لأنه مال عن عبادة الأوثان، ومعناه بعثت بالملة الإبراهيمية التي مبناها على السهولة والسماحة المخالفة لأديان بني إسرائيل، وما تعلقه أحبارهم من الشدائد وأحب بمعنى المحبوب لا بمعنى المحب.
فإن قلت لا مطابقة بين المبتدأ والخبر لأن المبتدأ مذكر والخبر مؤنث. قلت الملة الحنيفية كأنها غلبت عليها الاسمية حتى صارت علمًا أو أن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له.
فإن قلت فيلزم أن تكون الملة دينًا وأن تكون سائر الأديان محبوبًا إلى أحد وهما باطلان إذ المفهوم من الملة غير المفهوم من الدين، وإذ سائر الأديان منسوخة. قلت اللازم الأول قد يلتزم والثاني فموقوف على تفسير المحبة أو المراد بالدين الطاعة أي أحب الطاعات هي السمحة.
قوله (( سعيد ) )هو أبو سعد المقبري. قال ابن سعد هو ثقة كثير الحديث لكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته بأربع سنين ومات ص 204 أبوه في أول خلافة هشام ابن عبد الملك، وقال ابن قتيبة هو كان مملوكًا لرجل من بني جندع بضم الجيم وفتح الدال المهملة والعين المهملة، وهو بطن من ليث كاتبه على أربعين ألفًا وشاة في كل أضحى، وتوفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز.
النووي في (( شرح م ) )يقال لكل واحد من الأب والابن المقبري وإن كان في الأصل هو الأب وفي الباء ثلاث لغات لكن الكسر غريب.
قوله (( يسر ) )معناه إما ذو يسر وإما أنه يسر على سبيل المبالغة نحو أبو حنيفة فقه أي لشدة اليسر وكثرته كأنه نفسه واليسر بإسكان السين وضمها نقيض العسر، ومعناه التخفيف.
قوله (( لن يشاد الدين إلا غلبه ) )في جمهور النسخ بغير لفظة أحد، وقال صاحب (( المطالع ) )لن يشاد الدين أحد، رواه ابن السكن بإثبات أحد وهذا ظاهر، والدين منصوب وأما على رواية الجمهور فروي بنصب الدين ورفعه، فعلى النصب أضمر الفاعل في يشاد للعلم به، وعلى الرفع مبني لما لم يسم فاعله، إذ يشاد يحتمل أن تكون صيغة المعروف وصيغة المجهول والمشادة المغالبة من الشدة.
قوله (( سددوا ) )التسديد بالمهملة التوفيق للسداد وهو الصواب والقصد من القول والعمل ورجل مسدد إذا كان يعمل بالصواب والقصد.
قوله (( قاربوا ) )بالموحدة لا بالنون؛ أي لا تبلغوا النهاية بل تقربوا منها يقال رجل مقارب بكسر الراء؛ أي وسط بين الطرفين.
التيمي قاربوا إما أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه، وإما أن يكون معناه تباعدوا يقال قاربت فلانًا إذا ساعدته؛ أي بعضكم بعضًا في الأمور والأول أليق بترجمة الباب.
قوله (( أبشروا ) )بقطع الهمزة وجاز لغة أبشروا بضم الشين من البشر بمعنى الإبشار؛ أي أبشروا بالثواب على العمل وإن قل.
فإن قلت كيف يدل الحديث على الشق الثاني من الترجمة وهو قوله عليه السلام. قلت المحبة والعداوة بالنسبة إلى الله تعالى إما مجاز عن الاستحسان والاستقباح يعني أحسن الأديان هو الملة الحنيفية.
والحديث دل على الحسن حيث أمر بها بلفظ سددوا وقاربوا والمأمور به سواء كان واجبًا أو مندوبًا حسن، وإما أنه أحسن فلأن غيره يغلب الشخص ويقهره وإما أن تكون المحبة حقيقة عن إرادة إيصال الثواب عليه وتلك في المأمور به واجبًا أو مندوبًا إذ لا ثواب في غيره.